مسار الذكاء الاصطناعي في الأسواق سيواجه مزيدا من العقبات
محمد العريان
الخميس / 20 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:25 - الخميس 3 سبتمبر 2026 20:25
يخوض الاقتصاد الأمريكي وأسواقه المالية سباقًا جيليًا تتجاوز تداعياته بكثير آفاق الرخاء والاستقرار المالي في المستقبل. وهذا السباق يدور بين الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به، التي تنطوي على إمكانات هائلة لإطلاق نمو الإنتاجية والأرباح، من جهة، والعواقب غير المقصودة لهذه التقنيات، من جهة أخرى.
يحتاج معظمنا إلى أن ينجح الذكاء الاصطناعي في إطلاق تلك المكاسب الكبيرة في الإنتاجية والأرباح، ولا سيما أن الاقتصاد يرزح تحت وطأة قضايا ثقيلة موروثة من الماضي. لكن، رغم أن هذا السباق مضى حتى الآن بسلاسة لافتة، فمن المرجح أن يصبح أكثر تقلبًا بكثير.
وأنا من بين أولئك المتحمسين حقًا لما يحدث في ثورة الذكاء الاصطناعي، ولما يمكن أن ينشأ عن تفاعلها المحتمل مع تطورات لا تقل إثارة في علوم الحياة والروبوتات، وفي نهاية المطاف الحوسبة الكمومية. فمن خلال الارتقاء بأحد أهم المدخلات التي تدخل في قدر كبير مما نقوم به -الذكاء- يتمتع الذكاء الاصطناعي بإمكانات اقتصادية هائلة. وهو، كما وصفه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفن وورش في خطابه في جاكسون هول الشهر الماضي، قد يكون «عامل إنتاج جديدًا».
وقد ذهب جيمس مانيكا من جوجل إلى أبعد من ذلك في أحاديثه معي وفي مناسبات أخرى. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد «تقنية عامة الغرض» -مثل الكهرباء- يمكنها تحسين الطريقة التي نؤدي بها ما نقوم به اليوم. فمع قدرته على التحسين الذاتي المتكرر وغيره من أوجه التقدم، فإنه يتحول أيضًا بصورة متزايدة إلى «آلة لاختراع الاختراعات»، ستتيح لنا القيام بأشياء أفضل بكثير.
وقد غذّت مثل هذه الملاحظات التوقعات بارتفاع هائل في أرباح الشركات، وهو ما دفع بدوره مؤشرات أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية، ووجّه تدفقات ضخمة من التمويل عبر الأسهم والسندات إلى قطاع التكنولوجيا.
ولا تتجلى هذه الديناميكية في مكان بوضوح أكبر مما تجلت في النتائج المالية المذهلة التي أعلنتها شركة «إنفيديا» الشهر الماضي. فالنمو اللافت في إيراداتها يواصل تأكيد ضخامة الإنفاق الرأسمالي في هذا القطاع وجدواه.
وتظهر الديناميكية نفسها أيضًا في استعدادات شركة «أنثروبيك» للطرح العام الأولي، إذ إن «إجمالي السوق القابل للاستهداف» الذي تأمل في الوصول إليه هائل، على غرار ما هو الحال مع «سبيس إكس».
ومع ذلك، فإن حماسي لا يخلو من مخاوف؛ وهي لا تتعلق بقدر كبير بالمخاطر الأطول أمدًا الناجمة عن أحداث صادمة أو احتمال «الانقراض» -رغم أن ذلك مهم بطبيعة الحال- بقدر ما تتعلق بالعواقب غير المقصودة الأكثر إلحاحًا للذكاء الاصطناعي، وما قد ينجم عنها من أضرار جانبية.
وقد بدأت المخاوف من هذه التداعيات تتسرب بالفعل إلى الساحتين السياسية والاجتماعية، وقد تؤثر إلى حد بعيد في سرعة تبنّي هذه التكنولوجيا ومدى انتشارها.
وتنطوي هذه الظروف المتغيرة على خطر حدوث آثار مزاحمة، ولا سيما في الأجل القصير، بسبب حالة كلاسيكية من عدم التوافق بين الآجال الزمنية. فالفوائد المحتملة للذكاء الاصطناعي على المدى الأطول قد تساعد في معالجة كثير من مشكلاتنا الراهنة، من ضعف النمو وارتفاع الديون إلى تغير المناخ والتفاوت الشديد؛ لكن تطوير الذكاء الاصطناعي ونشره، في الوقت الراهن، يتعقدان بفعل قضايا قد تجعل هذه المشكلات نفسها أكثر سوءًا إذا لم نتعامل معها بحذر.
وانظر إلى ما يحدث في أسواق السندات الحكومية وسندات الشركات؛ ففي عالم يستحوذ فيه تمويل العجز والاقتراض التقليدي للشركات بالفعل على حصة كبيرة من التمويل المتاح في أسواق السندات، أصبحت الزيادة الهائلة في طلب شركات الحوسبة العملاقة على الائتمان أحد العوامل التي تدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع، بما في ذلك معدلات الرهن العقاري.
ويزداد هذا الأمر وضوحًا الآن بعدما بدا أن كبار المشترين التقليديين والموثوق بهم تاريخيًا للأوراق المالية الأمريكية أصبحوا أقل ميلًا إلى شرائها، لأسباب داخلية في حالة اليابان ودول الخليج، ولأسباب جيوسياسية في حالة الصين وكندا.
وفوق ذلك، أسهم الطلب الإضافي على الطاقة في بعض مناطق الولايات المتحدة في ارتفاع أسعار الكهرباء، مما زاد من تفاقم أزمة القدرة على تحمل التكاليف التي تتصاعد منذ سنوات، والتي يقع العبء الأكبر منها على الأسر ذات الدخل المنخفض.
وليس التوتر بين التقدم المتسارع للذكاء الاصطناعي والحاجة إلى إدارة تداعياته المباشرة هو الخطر الوحيد. فثمة خطر آخر يتمثل في عدم التوافق بين التطورات السريعة والمثيرة في الذكاء الاصطناعي وبين تفاوت معدلات تبنّيه في مختلف قطاعات الاقتصاد. وتُظهر دراسة ثرية وشاملة بصورة خاصة أجرتها جوجل أنه رغم اتساع نطاق انتشار الذكاء الاصطناعي، فإن هذا الانتشار ظل سطحيًا إلى حد بعيد. ولأن الذكاء الاصطناعي لم يتغلغل بعد بعمق في مسارات العمل، فلا يزال جزء كبير من إمكاناته في رفع الإنتاجية غير مستغل.
ويشير كل ذلك إلى أن مسار الذكاء الاصطناعي -بما يشمله من تقدم علمي، وتبنٍّ واسع في الاقتصاد، والتخفيف من المخاطر- مرشح لأن يصبح أكثر صعوبة. ولهذا يتطلع الذين يقودون هذه الثورة إلى صانعي السياسات للاضطلاع بدور أكبر في تسهيل تبنّي التكنولوجيا والحد من أضرارها الجانبية. ونظرًا إلى طبيعة الديناميكيات القائمة، فإن مثل هذه التدخلات ستتطلب شراكات مرنة وسريعة الاستجابة بين القطاعين العام والخاص.
وعلى سبيل المثال، اقترح ديميس هاسابيس، مؤسس «جوجل ديب مايند»، مؤخرًا إنشاء ترتيب شبيه بهيئة تنظيم الصناعة المالية، بحيث تتولى هيئة خاصة تعاونية ممارسة صلاحيات تنظيمية مفوضة إليها من السلطات العامة، بالتشاور مع الجهات الحكومية.
وحتى الآن، سار تمويل الذكاء الاصطناعي -وهو إحدى نقاط القوة الخارقة لأسواق رأس المال الأمريكية- بسلاسة نسبية. وتمكن المستثمرون في الأسهم من تحقيق مكاسب بفضل الوعود المتزايدة بازدهار اقتصادي واسع في المستقبل. غير أن الطريق توشك أن تصبح أكثر وعورة، ولا سيما بعدما أخذ الحزبان السياسيان الرئيسيان يميلان بدرجة أكبر إلى الجانب الشعبوي من هذا الجدل.
وفي الوقت نفسه، لا تزال مجموعة الاقتصاديين وعلماء السلوك الذين يعملون على قضايا الذكاء الاصطناعي ويدرسون التوترات المشار إليها أعلاه صغيرة أكثر مما ينبغي، بالنظر إلى حجم ما هو على المحك.
وقد تفسح حقبة التمويل السلس نسبيًا، والمكاسب السوقية التي بدت وكأنها تتحقق بلا عناء، المجال قريبًا لمرحلة تتسم برياح معاكسة أشد قوة، تأتي من اتجاهات متعددة. وسيقتضي اجتياز هذه التضاريس الصعبة قدرًا أكبر بكثير من المرونة والتعاون بين الحكومات وشركات التكنولوجيا، على المستويين المحلي والدولي.
ويمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على حل بعض أكبر تحدياتنا الاقتصادية، وإطلاق مستويات من النمو لم يكن من الممكن تصورها من قبل. لكن إذا أسيئت إدارته، فقد يفرض تكاليف باهظة ومؤذية.