حكاية الاقتصاد
جيمس ك. غالبريث
الخميس / 20 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:24 - الخميس 3 سبتمبر 2026 20:24
تتعرض شرعية علم الاقتصاد، بوصفه تخصصًا أكاديميًا وأداةً لصنع السياسات، لهجوم متواصل على الأقل منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. لكن قليلًا من الانتقادات حاول أن يعود إلى جذور هذا التخصص وأن يسائل الغاية التي نشأ من أجلها.
والآن، تلفت أنتارا هالدار، الباحثة في الدراسات القانونية بجامعة كامبريدج، الانتباه إلى هذين السؤالين معًا في كتاب جديد بعنوان: «Everyman: The Untold Story of Economics» (كل إنسان: القصة غير المروية لعلم الاقتصاد).
وروايتها مدهشة، بأكثر من معنى. فهي حكاية رمزية، صيغت في ثلاثة فصول على هيئة مسرحية تضم شخصيات مجازية مثل «نيو» و«تينا» و«تيك» و«فين» و«دافوس» وغيرهم، وتُروى بمزيج من الأساليب الأدبية، مع تحيات واضحة إلى جون شتاينبك وأوسكار وايلد وإرنست همنغواي، من بين آخرين، على نحو يفضح رتابة الامتثال السائدة لدى اقتصاديي التيار الرئيسي. والنتيجة هي «قصة» لعلم الاقتصاد لا تشبه أي قصة أخرى: مزيج متساوٍ من الخيال والحقيقة.
تروي هالدار حكاية عائلتين، لكل منهما القدر نفسه من المكانة والاعتبار. تعود الأولى إلى استعارة «اليد الخفية» في كتاب آدم سميث «ثروة الأمم»، كما فسّرها فريدريش أوغست فون هايك، وليونيل روبنز، وميلتون فريدمان، وجمعية مون بيليرين. أما الثانية فتبدأ مع جون ماينارد كينز، وتمر عبر «سيركه» الذي ضم جوان روبنسون، وريتشارد كان، ونيكولاس كالدور، وبييرو سرافا، قبل أن تنعطف مجددًا في اتجاه هايك عبر بول صامويلسون، ثم تتلاشى بعدما أخفقت في تقديم «العجل الذهبي» الذي وعد به كينز.
والحكاية التي تسردها هالدار هي، في جوهرها، حكاية الاقتصاد الأكاديمي الأنجلوسكسوني السائد في الولايات المتحدة وبريطانيا، وإلى حد أقل امتداداته في هوامش ما بعد الاستعمار في جنوب آسيا وأمريكا اللاتينية، كما تشكّل تحت تأثير لاجئين متشددين قدموا من أوروبا الوسطى في منتصف القرن العشرين. واللافت أن ماركس وأتباعه يُتركون خارج هذه الحكاية.
ومن ثم، فهي قصة صعود «نيو» -أي الإنسان الاقتصادي (homo economicus)- وتراجعه الذي لم يكتمل حتى الآن. وكان ثورستين فيبلن قد وصف بالفعل، في مطلع القرن العشرين، هذا الكائن البشري المصغّر والمجرّد من البعد الأخلاقي بأنه «آلة حاسبة خاطفة للملذات والآلام، تتأرجح مثل قطرة متجانسة من الرغبة في السعادة تحت تأثير محفزات تدفعها في مختلف الاتجاهات، لكنها تتركها على حالها دون تغيير».
أما «نيو» عند هالدار، فقد أنجبه فكريًا فريدمان، وكان هايك جدَّه؛ وهو الذي استند بدوره إلى آدم سميث، مع أن مؤلف كتاب «نظرية المشاعر الأخلاقية» يمكن أيضًا اعتباره سلفًا بعيدًا لكينز. ويُفترض أن الفارق بين العملين الكبيرين لسميث يكمن في طابعهما «العلاقي»: ففي «ثروة الأمم» ينبع التقدم من المصلحة الذاتية وسحر السوق، بينما كان سميث في «نظرية المشاعر الأخلاقية» أكثر اهتمامًا بالروابط الاجتماعية.
ولا يظهر هنا دعاة آخرون للرؤية العلاقية، وفي مقدمتهم فيبلن، والبراجماتيون الأمريكيون، وأصحاب المدرسة المؤسسية. أما والدي، جون كينيث غالبريث، فيُشار إليه بوصفه «يساريًا»، رغم أنه كان في أوج حضوره واحدًا من القيادات الراسخة لما كان يُعرف آنذاك بـ«الليبراليين». أما وصف هالدار الآخر له بأنه أحد «الأعلام البارزين»، فهو وصف كريم ومنصف.
وعلى هوامش هذه الحكاية التي تمثل التيار الاقتصادي السائد، تتحرك شخصيات معارضة أصابها الفزع من حجم الضرر الذي أحدثه «نيو»، ومعه «تينا» -في إشارة إلى مقولة مارغريت تاتشر: «لا بديل»- و«تيك» التي ترمز إلى التكنولوجيا، و«فين» التي ترمز إلى التمويل. ومن بين هؤلاء الأختان المجازيتان «جيني» -نسبة إلى مقياس عدم المساواة- و«بالما» -نسبة إلى مؤشر وضعه اقتصادي في جامعة كامبريدج- إلى جانب «تارا»، «بانية العوالم»، التي يحيل اسمها إلى عبارة «هناك بدائل حقيقية».
وتمنح هذه الشخصيات الرمزية «إيف آر. واي. مان» الحائرة -في تلاعب لفظي يحيل إلى الإنسان العادي- أملًا في تصور ذهني أفضل وعالم أفضل. وكما تقول بالما لإيف: «أنتِ لستِ تائهة؛ لقد جرى تضليلك عمدًا. على يده -نيو-. ومن أجل مصلحته. بالنسبة إليه، أنتِ مجرد فأر في متاهة، يُتحكم فيكِ بالجزرة والعصا».
ويُعد المؤرخ الاقتصادي كارل بولاني مصدر إلهام رئيسيًا لهالدار وبطلاتها. فهي تستحضره في هيئة رجل «نحيل يرتدي نظارة»، له «عينان متلألئتان، وهالة من الدفء والإنسانية والفضول الذي لا ينضب». ومن موقعه على الهامش، يرفع صوته خلال مراسم تعميد متخيلة عام 1946 لـ«حفيد» كينز، محذرًا من «الحالة المقلوبة رأسًا على عقب التي بلغها العالم، حيث صارت «خرافة» المال تملي «حقائق» العمل والأرض».
ويتوقع بولاني، كما تصوّره هالدار، أن تتمرد «النفس البشرية» على ما صنعه «نيو»، ويقدّم للطفل هديته المتمثلة في «التجذّر داخل المجتمع» - وهي رسالة تتبناها هالدار نفسها بالكامل. وقد صادفتُ هذا المقطع يوم سبت، وحملته معي في اليوم التالي خلال رحلة بالسيارة من جنوب فيرمونت إلى دار رعاية في مونتريال، حيث قرأته على كاري بولاني، ابنة كارل، التي تبلغ الآن 103 أعوام وتقضي أيامها الأخيرة.
وهنا تتجلى الرسالة الأخلاقية الجوهرية لدى هالدار بوضوح. فقد كان «نيو» صنيعة مصطنعة، وكان انتصاره الفكري سرابًا، أما السياسات التي ألهمها فقد جلبت عدم الاستقرار، والهشاشة، وعدم المساواة، والأزمات. وقد أصيب صديقه «فين» بسكتة قلبية، بينما فقد «نيو» نفسه -رغم أنه لا يزال ممسكًا تمامًا بزمام الأكاديمية- مكانته في العالم الحقيقي لصالح «تيك»، المنحدر فكريًا من جوزيف شومبيتر. فـ«التدمير الخلّاق» هو الموضة الرائجة اليوم، وكلما كان أكثر انفلاتًا وعبثية وضراوة، كان أفضل.
ومع ذلك، فإن قوى الشك، وربما العدالة أيضًا -«جيني» و«بالما» و«تارا»- ليست غافية. فهل تستطيع الانتصار وقيادة «إيف» مجددًا نحو نور بولاني؟ أم أن الغوغاء الساخطين الذين يقودهم الديماغوجيون هم الذين سينتصرون؟ أعترف بأنني بقيت غير متأكد حتى النهاية، وربما لأن الحكاية نفسها لم تنتهِ بعد. لكنني لا أشك في أن هالدار وجّهت ضربة قوية إلى «نيو»، ضربة لن يكون من السهل عليه التعافي منها إذا ما انتشر هذا الكتاب على نطاق واسع.
وسأختتم بملاحظة صغيرة. وهي تتعلق بالاستعارة الأساسية في أسطورة نشأة «نيو»: «اليد الخفية». تصفها هالدار بأنها «صورة لقوة تضفي تناغمًا غريبًا على أفعال أناس لا تربط بينهم صلة». لكن هذا فهم خاطئ، وهو خطأ تحجبه هنا - كما في معظم الاقتباسات - علامة الحذف. فما كتبه سميث، بالنص الكامل، هو:
«بتفضيله دعم الصناعة المحلية على الصناعة الأجنبية، لا يقصد سوى ضمان أمنه الشخصي؛ وبتوجيه تلك الصناعة على نحو يجعل إنتاجها ذا أكبر قيمة ممكنة، لا يقصد سوى تحقيق مكسبه الخاص؛ وهو في هذا، كما في حالات كثيرة أخرى، تقوده يد خفية إلى تحقيق غاية لم تكن جزءًا من قصده».
وبعبارة أخرى، تعمل «اليد الخفية» على وجه التحديد لأن الناس مرتبطون بعضهم ببعض، وفي هذه الحالة بوصفهم أبناء وطن واحد. فـ«الأمة» عند سميث هي مجتمع. وليس هناك سميثان، كما أن كتابيه ليسا توأمين يسيران في اتجاهين متباعدين. أما تجنيده ليكون القديس الراعي لـ«نيو» -وكذلك لـ«دافوس»- فلم يكن سوى عملية اختطاف.
وربما حين تنتصر في النهاية روح بولاني وحلفائه، يتحرر سميث من قبضتهم، ويُسمح له بالعودة إلى صفوف الاقتصاديين الذين يستطيعون، بصدق، أن يدّعوا انتسابهم إليه.