ثقافة

على أبواب مدارسنا العربية

تحسين يقين

 

تنير ابتسامات عشرات ملايين الأطفال شوارعنا العربيّة، في هذه الأيام، لتحيي فينا الأمل من جديد؛ فالأطفال هم الاستمرار الأكثر قوة دفاعا عن حاضرنا ومستقبلنا. ولعلّ السؤال الاستراتيجيّ والأخلاقي يتعلق بجذب الأطفال للمدرسة لا تنفيرهم منها.


للثقافة سحر خاص، كونها تكوّن لدينا أطفال قبل تعلّم الحروف، فمنذ اليوم الأول في الحياة، يبدأ الطفل بالتعرّف والتعلّم، ويبدو أن ذلك يستمر طويلا، إلى آخر العُمر.

وهكذا، فإن الأدب من قصص وحكايات ورسومات وفنون تشكل جميعها الوسيلة السحريّة لاستمرار شغف الأطفال؛ كونه المولّد الأعظم في زيادة تفاعل الأطفال داخل فضاء المدرسة وخارجها.


اليوم تكمل المدرسة العربيّة الأولى 959 عاما. أي تقريبا الألف عام، ما يعني أننا أمام تاريخ تعليمي طويل وعريق، وبالطبع فقد سبقته نظم تعليمية منذ كنا هنا؛ فتاريخ الإنسان هو تاريخ التعليم، قبل ظهور اللغة وخلالها.

ويمكن للبحث العربيّ أن يتعمّق في المضامين والأشكال والأساليب الأكثر فعلا وفاعليّة، والتي ارتبطت مع استقلاليّة المدارس عن المساجد، وصولا الى تحليل ارتباط المدرسة بالمجتمع وقضاياه وحاجاته.


كلّ ومدرسته الأولى، وكلنا في أوائل سبتمبر نعود إلى طفولتنا، بخُطواتنا الأولى خارج البيت، وداخل المدرسة. كل وزمنه ومكانه في هذا العالم ونحن منه.


مهما تغيّرت قوّة الذاكرة، فإننا دوما نتذكر اليوم الأول؛ فكيف أنسى الطفل الذي كنته في سبتمبر 1973، ابن الصفّ الأولّ، بملابسه الجديدة، ابتسامات الأطفال تملأ شارع قريتنا بيت دقو في ريف القدس. هو أوّل كلّ شيء تقريبا، وأول الأشياء مشوّق، ما دفع محمود درويش لتضمين 'أول الحبّ'، ضمن ما الأسباب التي تجعلنا نقبل على الحياة، لنعيشها.

ما زلت بعد هذا العمر متذكرا البهجة التي عمّت بلدنا، فلم نكن نحن الأطفال نعرف شيئا عما كان عام مولدنا في صيف 1967؛ فقد عرفنا بعض الكلمات عن حرب كانت هنا، اسمها حرب الأيام الستة.

كم كان الأطفال سعداء وهم يدخلون باب المدرسة، ويهبطون سلّم المدرسة الحجريّ، الذي يتوسط أشجار السّرو، والصنوبر، يفصل طرفيه عن سيقان الأشجار الضخمة مصاطب حديقة قصيرة، انتشر فيها الورد البلديّ الذي يتحمل العطش، مثل العطرة.


لم يمر سوى شهر، حتى بدأنا نسمع في ريف القدس عن حرب لم نرها إلا من خلال طائرات الاحتلال التي تمرّ مسرعة فوق مدرستنا وقريتنا، فصرنا مرة أخرى مع الحرب التي نبصر شيئا قليلا منها، في حين يطول حديث القرويين عنها.


بدأت رحلتنا مع الحروف والأرقام منذ اليوم الأول، وخلال هذه الرحلة، بدأت ابتسامات الأطفال تقلّ يوما بعد آخر، وعاما بعد آخر إلى آخر يوم مدرسيّ؛ فقد بدأت ألاحظ تغيّر الحال.

والظن أنّ ذلك قد استمرّ حتى الآن، ولي أن أتذكّر أيضا الأمر نفسه حين صرت معلّما، وزميلا للمعلمين الذين علمونا رحمهم الله، ومنح من بقي منهم الصحة والسلامة.


الباب يعني دخولا وخروجا، وقد بدأ مع بداية الإنسان، فقد حرص الإنسان على خصوصيته منذ كان، ولنا أن نتخيّل خامات الأبواب وأشكالها من حجر وغيره، أما أول باب خشبيّ فقد كان منذ 5000 عام.

وهكذا، صار للبيت باب، وصارت للمعابد، والمدارس أبواب. وقد ارتبطت قدسيّة التعليم، مع قدسيّة الأديان، فكان التعليم في بلادنا يتمّ في المسجد، ومن ثمّ بنى الوزير السلجوقيّ أول مدرسة مستقلة في بغداد عام 459 هـ (1067 م).


يُقدّر عدد الأطفال واليافعين العرب في الفئة العمرية بين (6 سنوات و18 سنة) بحوالي 115 إلى 120 مليون طفل، من إجمالي عدد الأطفال في الوطن العربي البالغ نحو 178.6 مليون طفل، بينما تشير تقارير التنظيمات الدولية مثل اليونيسف إلى أن هناك ما لا يقل عن 30 مليون طفل في سنّ الدّراسة بسبب الأزمات والحروب، وأسباب أخرى مرتبطة بها.


إنها الطاقة الكبرى، وهي الاستثمار الحقيقيّ، فما يمكن تحققه من عمل العقول، وتعلمها من بعضها بعضا الكثير؛ فشبكات العقول داخل البيوت والمدارس والحياة هي من تكسبنا جميعا العمق الكافي لنواصل الحياة.

وهي شبكة لا تنحصر في عمر أو مهنة؛ فكلنا من خلال التواصل نتعلّم من بعضنا بعضا، بما يتّفق مع مضمون الآية: 'ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سُخْرِيًّا، ورحمة ربك خير مما يجمعون' (32 الزخرف).


وانطلقنا، مع رحلة الحروف والأرقام، ومع تقدّمنا عاما وراء عام، صرنا أكثر معرفة، ولعلّ أكثر المعارف كانت تتعلّق باللغة والأدب والدّين والتاريخ. وبالرغم من تعلمنا لمعارف علميّة، فإنّ الثقافة كانت عماد التعليم وعموده، ومع خروجنا من المدرسة بانتهاء آخر صفّ، فقد كنّا على مستوى ثقافيّ مقبول بما يتّفق مع جوهر التعليم العام.


لذلك، فإن المسؤولية الكبرى تقع على من يخطّط اليوم للتعليم، في بلادنا العربيّة، بمراعاة التحولات التي تمرّ علينا. وللمخطّط أن يبدأ بنفسه، وأقرانه، وله أن يعود إلى بداية الحضارات، بما فيها حضارتنا العربية الإسلامية، وصولا للعصر الحديث في العالم وفي بلادنا، قديما وحديثا، فسيد أن الثقافة دوما كانت المحرّك الأساسي لأيّ ازدهار علميّ.


إن ارتباط الثقافة والعلوم والمعارف بشكل عام باللغة. وهكذا، فإن أهمّ أولويات التعليم هو اللغة، والتي منها يمرّ ملايين الأطفال في عالم الوعي، وعالم الذوق والأخلاق.

ولعلنا هنا نركّز على اللغة العربية، كونها ضمان الثقافة التي تحفّز طاقات المتعلمين وتدفعهم لمحبة المدرسة والانطلاق نحو تحقيق طموحات الأفراد والشعوب، حتى نضمن الاستمرار لا الابتسامات التي رأيناها في اليوم الأول بل والأخير أيضا، لما للثقافة والفنون من تأثير في جذب الأطفال للمدرسة والدروس، إلى الورق، والوسائط الجديدة.


رمزية الباب تعني الدخول والخروج، فإن تأملنا دور الثقافة والفنون في حياة المتعلمين، سنضمن أيام وسنوات المدرسة مشوّقة لأكبر قدر منهم.