أفكار وآراء

أسلحة المعونة

إحدى مزايا الإدارة الأمريكية الحالية أنها لا تخجل من الكشف عن قباحتها. وأن أفعالها بوصلة تشير لمكمن الشرور، وتنبهنا بأن كل فعل -مهما تقنع بلبوس الإيثار- تحكمه المصلحة.

وإن كنتم حائرين مثلي أمام المساعدات الأمريكية السخية المقدمة لفنزويلا بعد الهزة الأرضية التي ضربتها هذا الشهر، فتعالوا معي لنحاول فهم سياسة المساعدات الأجنبية.

تحديدا، دعونا نراجع الفكرة المغلوطة حول كون المساعدات فعلا خيّرا وبريئا، أو على الأقل افتراض أن الدولار الذي يُغادر البلاد كعون لا يعود إليها بأي نفع.

سنحاول فهم ما تعنيه هذه المساعدات عبر مراجعة ما حصل في هايتي بعد الزلزال الذي ضربها العقد الماضي. لنرى كيف أن المساعدات أقرب للاستثمار الاستراتيجي والاقتصادي منها للعون والإغاثة. وأنه يُقدم مصلحة المانح على نحو غير مسؤول يُفاقم في كثير من الحالات الأزمة أو يصنع أزمات جديدة في البلدان المنكوبة.

في 2010 ضربت هزة أرضية بقوة سبع درجات -على مقياس ريختر- هايتي. لم يبعد مركز الزلزال سوى حوالي 17 كيلومترا عن العاصمة بورتو برنس، التي انهارت أو تضررت معظم معالمها، وقُدِّر أعداد المتأثرين بثلاثة ملايين شخص بين قتيل وجريح ومفقود، ودُفن أكثر من 230 ألف شخص منهم في مقابر جماعية.

كاستجابة لهذه الكارثة المدمرة؛ أُرسلت المساعدات عبر بلدان العالم لدعم جهود الإغاثة وإعادة إنعاش حياة المجتمعات الهايتية. على رأسها بالطبع الولايات المتحدة، التي خصصت 140 مليون دولار لصالح برنامج الغذاء.

والآن، يحق لنا أن نتساءل: كيف لبلد يتخذ التمثيل الأشرس للهيمنة وتقديم الربح المادي على أي مبدأ إنساني وأخلاقي - أن يكون مهتما بتقديم المساعدات إلا إن كانت له مصلحة في ذلك؟

لا تُخفي أمريكا حقيقة أن المساعدات الخارجية تُقدم لخدمة المصالح الأمريكية. وعندما عطلت إدارة ترامب في 2025 رسميا مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، لم يعنِ ذلك التوقف عن منح المساعدات، بل عنى -حسب وزارة الخارجية- إدارة برنامج المساعدات بكفاءة وبما يتوافق مع سياسات الإدارة.

الكثير من المساعدات تدور راجعة للاقتصاد الأمريكي من خلال المتعاقدين، المصنعين، المزارعين، الرواتب، ومتطلبات العمل الإجرائي.

الدول المأزومة المتلقية للمساعدات تتحول عبر السنوات لشركاء تجاريين وحلفاء اقتصاديين لأمريكا.

وبهذا المعنى فإن الولايات المتحدة تنظر إلى المساعدات باعتبارها استثمارا، إذ تضمن لنفسها مكانة تجارية في قلب الدول المنكوبة ذات الاقتصاد الهش والمتلهفة لتخفيف العبء عن اقتصادها ومواطنيها.

بعد زلزال هايتي، أرسلت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أطنانا من المحاصيل الأمريكية. وضع البرنامج الأمريكي للغذاء مصلحة المزارعين الأمريكيين والاقتصاد الأمريكي أولوية له، وقدم مساعداته بغض النظر عن الحاجة الفعلية، وعلى نحو لم يُسائل الأثر البعيد لهذه المساعدات.

هذا الأثر ظهر أكثر ما ظهر عند وصول المساعدات إلى المناطق غير المتأثرة بالزلزال أصلا. توفر المحاصيل الأمريكية أضر بآلاف المزارعين الهايتيين، الذين يُجاهدون أساسا للصمود أمام منافسة الأرز والذرة المستوردة والتي تُباع بأسعار أقل من المنتج المحلي.

إغراق المساعدات عنى عجز المزارعين عن بيع محاصيلهم، وبالتالي حرمانهم من مصدر دخلهم الوحيد، وقدرتهم على إعالة أسرهم.

المساهمة الزراعية في الناتج المحلي تناقصت عبر العقود، فبينما مثل الفلاحون 80٪ من القوة العاملة الهايتية خلال الخمسينات، وشكلت الزراعة 50٪ من الناتج المحلي و90٪ من الصادرات - لم تتجاوز المساهمة الزراعية في الناتج المحلي بحلول 2016 الـ 20٪ رغم أن أكثر من 50٪ من السكان ما زالوا يعملون في القطاع الزراعي.

إلا أن المشكلة الأعمق تمثلت في التدخلات التي هددت -فوق خلق الاضطراب المؤقت في الأسواق- بالإضرار بالزراعة المحلية بشكل دائم.

بعد الزلزال، قدمت الكثير من العائلات الهايتية في المناطق النائية مخزونها من الذرة لإطعام حوالي 800 ألف نازح من المناطق الحضرية؛ ما خلق نقصا في البذور الزراعية.

استجابت شركة مونسانتو Monsanto (أكبر شركات البذور في العالم) بتقديم أكثر من 400 طن من البذور، بلغت قيمتها 4 ملايين دولار؛ هدية وصفها الهايتيون بالقاتلة.

فخرجوا في مظاهرات أحرقوا فيها التبرعات، التي تُغيث على المدى القصير، ولكنها تهدد السيادة المحلية على الغذاء والبذور. تُسيطر شركة مونسانتو -ومقرها الولايات المتحدة الأمريكية- على خُمس سوق البذور المحمية بحقوق الملكية في العالم.

يرتبط اسم الشركة بقضايا المبيدات الكيميائية السامة، الهوس بالتكنولوجيا الحيوية وإنتاج البذور المعدلة وحيازة براءات الاختراع، وبالتالي الفرض العنيف لقوانين الملكية الفكرية على المزارعين.

(كنتُ قد كتبت في ملحق عُمان العلمي مقالا بعنوان -الحماية الفكرية كوسيلة هيمنة- حول استخدام قوانين الحماية الفكرية للهيمنة الزراعية، وذلك عبر الاستثمار الهائل للشركات في بحث وتطوير بذور محمية قانونيا، ثم بيع المزارعين بذورا مضعفة أو عقيمة غير قابلة للاستخدام إلا لموسم واحد، ومقاضاتهم إذا ما استخدموا بذور محاصيل ذلك الموسم لزراعة الموسم التالي على اعتبار أنهم ينتهكون بذلك حدود الاستخدام المسموح).

تسعى شركات البذور الكبرى -وعلى رأسها مونسانتو- لخلق نموذج احتكاري، تحل فيه الزراعة الصناعية محل الزراعة العضوية باستخدام البذور الأصيلة والتقاليد المحلية. إنها تسعى لامتلاك حق التحكم الكامل في النبتة التي نزرعها على أراضينا، ونأكل منها خبزنا، عبر استهداف الدول الأكثر هشاشة، في التوقيت الأكثر حرجا.

خلاصة القول، إن التبرعات والمساعدات الإنسانية جزء من مشروع الهيمنة الأمريكي، وتمسك الإدارة الحالية بتقديم المعونات الأجنبية يؤكد دورها كأداة للإمبريالية السياسية والاقتصادية.