أفكار وآراء

الحـيـف عـلـى حـقـوق نـوويـة مـشـروعـة

أحـيـت الـسـيـاسـات الأمـريـكـيـة تـجـاه إيـران، الـرافـضـة للاعـتـراف لـهـا بـمـشـروعـيـة حـقـوقـهـا الـنـوويـة، سـؤالا لـم تـخـمـد جـذوتـه فـي بـلاد الـعـرب والـمـسـلـمـيـن ولـدى غـيـرهـم مـن أحـرار الـعـالـم عـن أسـبـاب هــذا الإنـكـار الـهـسـتـيـري لـحـقـوق قــسـم مـن دول الـعـالـم - الـعـربـي والإسـلامـي تحـديـدا- فـي حـيـازة الـمـوارد الـعـلـمـيـة والصـنـاعـيـة الـتي تـقـمـن بـهـا فـرص الـتـقـدم قــمـانـة مـؤكـدة قـامـت عـلـيـهـا الأدلـة مـن تـجـارب أمــم أخـرى قـيـض لـهـا احـتـيـاز مـا حـرم مـنـه هـذا القـسـم المـغـبـون مـن الـعـالـم!

حـيـن يـشـدد مـن يـشـدد مـنـا عـلى فـكـرة الحـقـوق الـنـوويـة -أو الـحـق فـي حـيـازة الخـبـرة الـعـلـمـيـة والـصـنـاعـيـة الـنـوويـة- لأي دولـة فـي الـعـالـم، يـنـبـغـي ألا يـنـصـرف الـذهـن إلـى تـصـنـيـع الـسـلاح الـنـووي، عـلى وجـه الحـصـر، بـمـا هـو الـمـصداق الـمـادي لـتـلك الحـيـازة.

صـحيـح أن الـقـوى الخـمـس الكـبـرى ذات الـعـضـويـة الـدائـمـة فـي مـجـلـس الأمـن احـتـكـرت لـنـفـسـهـا حـق حـيـازة ذلك السـلاح، وفـرضـت مـعـاهـدات تـقـضـي بـحـظـر انـتـشـاره وبـإخـضـاع الـمـنـشـآت الـنـوويـة للـدول (التـي تـمـتـلك تـلك المـنـشـآت) للـتـفـتـيـش، قـبـل أن تـكـسـر دول أخـرى احـتـكـارهـا ذاك (الهـنـد، بـاكـسـتان، الكـيـان الصـهـيـونـي، كـوريـا الشـمـالـيـة)؛ ولـكـن مـن الصـحـيـح -بـالـتـبِعـة- أنـه مـا مـن قـانـون يـخـول لـهـا الحـق الحـصـري فـي حـيـازتـه مـن دون دول الـعـالـم قـاطـبـة.

مـع ذلـك، وجـد ويـوجـد عـدد هـائـل مـن الـدول التـي امـتـلـكـت الـتـكـنـولـوجـيـا الـنـوويـة وسـخـرتـهـا فـي أغـراض الـبـحـث الـعـلـمـي والصـنـاعـة والـزراعـة والخـدمـات الـمـدنـيـة مـن غـيـر أن تـفـكـر فـي إنـتـاج سـلاح نـووي؛ وقـد اعـتـرف لـهـا بـذلـك الحـق فـي الاسـتـخـدام السـلـمـي للـتـكـنـولـوجـيـا الـنـوويـة مـن دون سـواهـا مـن الـدول الـتي يـجـاهـر الـغـرب بـرفـضـه امـتـلاكـهـا تـلـك الـتـكـنـولـوجـيـا!

نـحـن -عـربـا ومـسـلـمـيـن- فـي جـمـلـة تـلـك الأمـم والـدول الـتي تـسـتـكـثـر عـلـيـهـا الـولايـات الـمـتـحـدة ودول أوروبـا امـتـلاك تـكـنـولوجـيـا نـوويـة.

والاسـتـكـثـار هـذا يـرد إلـى مـعـنـيـيـن وصـورتـيـن: إلـى رفـض سـيـاسـي صـريـح لأي إجـراء سـيـاسـي مـادي يـمـكـن أن يـفـضـي إلـى إقـامـة بـرنـامـج نـووي؛ وإلـى ضـرب مبـاشـر لـكـل بـنـيـة بـحـثـيـة وصـنـاعـيـة تـقـام لـهـذا الـغـرض حـيـن لا يـنـفـع الـوعـيـد والـتـخـويـف والـعـقـوبـات فـي ثـنـي نـظـام سـيـاسـي مـا عـمـا اعـتـزمـه مـن ابـتـنـاء لـبـرنـامـج نـووي خـاص.

ولـقـد جُـرب الأسـلـوبـان مـعـا فـي مـواجهـة المـشـاريـع الـنـوويـة الـعـربـيـة والإسـلامـيـة، بـمـا فـي ذلـك المـشـروع الـذي أفـلـت مـن التـدمـيـر فـانـتـهـى إلـى إنـتـاج السـلاح الـنـووي: أعـنـي المشـروع الـعـلـمـي والصـنـاعـي الـنـووي الـبـاكـسـتـانـي الـذي نـجـا مـن مـحـاولات إسـقـاط عـديـدة لـه جـربـتـهـا، فـي مـنـاسـبـات مـخـتـلـفـة، الـولايـات المـتـحـدة الأمـريـكـيـة والاتـحـاد الـسـوڤـيـيـتـي وفـرنـسـا و«إسـرائـيـل»، لـيـفـرض نـفـسـه عـلى الجـمـيـع وعـلى الـهـنـد عـلى نـحـو خـاص.

باسـتـثـنـاء هـذا الـبـرنـامـج الـنـووي الـبـاكـسـتـانـي الـذي قـيـض لـه أن يـأخـذ طـريـقـه الشـائـك نـحـو الـنـجـاح فـي تـصـنـيـع سـلاح نـووي، لـم يـقـو مشـروع إسـلامـي وعـربـي آخـر عـلى بـلـوغ الـغـايـة والمـبـتـغـى؛ فـلـقـد تـعـرضـت مـشـاريـع هـذيـن الـعـالـمـيـن إلـى الـعـرقـلـة والتـخـريـب.

هـكـذا قـضـت حـرب يـونـيـو 1967 عـلى مـشـروع نـووي قـاده جـمـال عـبـد الـنـاصـر، بـمـسـاعـدة الخـبـراء السـوڤـيـيـت، حـيـن فـرضـت عـلى مـصـر أولـويـة جـديـدة (صـرف الـتـمـويـل لإعـادة بـنـاء الجـيـش)؛ وهـكـذا قـضـى حـصـار لـيـبـيـا وغـزو الـعـراق بـتـخـلـي الـعـقـيـد الـراحـل مـعـمـر الـقـذافـي عـن الـبـرنـامـج الـنـووي لـرفـع سـيـف الـتـهـديـد عـن بـلاده؛ ثـم هـكـذا تـعـرض الـبـرنـامـج الـنـووي الإيـرانـي للحـصـار الشـديـد، مـنـذ نـيـف وعـشـريـن عـامـا، نـتـيـجـة العـقـوبـات الأمـريـكـيـة- الأوروبـيـة الـتي لـم تـنـتـه حـتـى اليـوم.

ويـمـكـن أن يـقـال الـشـيء عـيـنـه عـن مـشـاريـع نـوويـة خـيـض فـيـهـا، مـنـذ زمـن، لـكـنـهـا مـا اسـتـطـاعـت أن تـبـصـر الـنـور: فـي تـونـس، وسوريـا، والأردن لأسـبـاب شـتـى مـنـهـا الـفـيـتـو الأمـريـكـي- الصـهـيـونـي عـلـيـهـا.

عـلى أن الـمـنـعـطـف الأكـبـر فـي جـبـه هـذه الـمـحـاولات العـربـيـة والإسـلامـيـة تـمـثـل فـي إجـهـاضـهـا بـعـمـلـيـات تـخـريـب عـسكـريـة قـاصـمـة والعـودة بـبـعـضـهـا إلـى نـقـطـة الصـفـر.

هـذا مـا وقـع حـيـن قـامـت «إسـرائـيـل» بـتـدمـيـر مـفـاعـل تـمـوز الـنـووي فـي العـراق، فـي عـهـد الـرئـيـس الـراحـل صـدام حـسـيـن (1981)؛ وحـيـن أعـادت الـكـرة ثـانـيـة فـدمـرت، بـضـربـة جـويـة، الـمـنـشـأة الـنـوويـة الـتي كـانـت قـد بـدأت سـوريا فـي إقـامـتـهـا فـي ديـر الـزور تـدمـيـرا كـامـلا (2007)؛ ثـم هـذا مـا يـقـع الـيـوم مـنـذ قـامـت الـولايـات المـتـحـدة بـتـدمـيـر ثـلاث مـنـشـآت نـوويـة فـي إيـران (أصـفـهـان، نـطـنـز، فـوردو) فـي هـجـوم جـوي عـلـيـهـا (يـونـيـو 2025).

ولـكـن، بـيـنـمـا قـضـت الـضـربـات الـعـدوانـيـة عـلى المشـروعـيـن الـنـوويـيـن الـعـراقـي والسـوري، مـا زال المـشـروع الإيـرانـي قـيـد الـوجـود عـلى الـرغـم مـن الأضـرار الجـسـيـمـة الـتي أصـابـتـه، وعـلى الـرغـم مـن حـرب العـدوان الـتي تـشـنـهـا أمـريـكـا تـرامـب والـكـيـان الصـهـيـونـي عـلى إيـران.

مـا مـن مـعـنـى لـهـذه الحـرب الشـنـيـعـة عـلى حـق دول الـعـالـميـن العـربـي والإسـلامـي فـي حيـازة تـكـنـولـوجـيـا نـوويـة سـوى أنـهـا تـعـبـر عـن حـيـف صـريـح عـلى حـق عـام للـدول، خـاصـة أن الـتـكـنـولوجـيـا هـذه أكـثـر اسـتـخـدامـا فـي الأغـراض الـمـدنـيـة مـمـا هـو الشـأن فـي الأغـراض الـعـسـكـريـة.

ومـع أن إيـران تـقـول، رسـمـيـا، إن سـيـاسـتـهـا الـنـوويـة مـحـكـومـة بـأحـكام فـتـوى مـرشـدهـا بـعـدم جـواز تـصـنـيـع سـلاح نـووي ومـلـتـزمـة تـلـك الأحـكـام، وأنـهـا إنـمـا تـتـغـيـا حـيـازة هـذه الـتـكـنـولوجـيـا قـصـد تسـخـيـرهـا فـي أغـراض مـدنـيـة: عـلـمـيـة وتـنـمـويـة، إلا أن ذلـك مـا شـفـع لـهـا فـي أن تـقـضـي وطـرا مـمـا تـغـيـتـه وسـعـت فـيـه مـنـذ عـقـود مـن الـبـحـث الـعـلـمـي والـعـمـل فـي هـذا المـضـمـار.

وهـذا مـمـا يـقـوم بـه الـدلـيـل عـلى أن الـحـيـف الـنـووي عـلى حـقـوق الـدول العـربـيـة والإسـلامـيـة مـقـصـود لـسـد الطـريـق عـلـيـهـم: لا فـقـط أمـام الصـيـرورة قـوى عـسـكـريـة نـوويـة، بـل أمـام ارتـيـاد دولـهـم تـلـك آفـاق الـتـقـدم والـتـنـمـيـة والـبـنـاء الـنـهـضـوي.

لا فـرق، عـنـد الـغـرب والـولايـات الـمـتـحـدة، بـيـن أن تـحـصـل إيـران عـلى سـلاح نـووي أو أن تـحـصـل عـلى تـكـنـولـوجـيـا نـوويـة للاسـتـخـدام الـسـلـمـي (فـي الـطـب، وتـولـيـد الـكـهـربـاء، وتـحـلـيـة الـمـيـاه، وتـطـويـر الصـنـاعـة والـزراعـة وبـرامـج الـبـحـث الـعـلـمـي والتـكـنـولـوجـيـا...)؛ كـلاهـمـا واحـد فـي الـنـتـائـج والمـفـاعيـل: الإخـلال بـتـوازن الـقـوى مـع «إسـرائـيـل»!