لا أحد يتوقع حجم أصول قطاعات منتجات الحلال - المتوافقة مع المعايير الإسلامية - إلا عندما يقرأ الأرقام الحالية والتوقعات المستقبلية.
أيضا هناك من يعتقد بأن صناعة الحلال أو المنتجات التي تتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية تنحصر في الطعام الحلال والمعاملات التي تطرحها المصارف الإسلامية، بيد أن أصناف الحلال قد تصل إلى سبعة قطاعات رئيسية تتقدمها من حيث حجم الأصول المالية، قطاع الصيرفة الإسلامية، ثم تأتي قطاعات مستحضرات التجميل، والأقمشة المحتشمة، ووسائل الإعلام والترفيه، والأدوية الحلال، والسياحة الحلال أو الصديقة للمسلمين، وقطاع الأطعمة والضيافة.
وإن كان هناك ثمة تأخير في بداية نشاط الصيرفة الإسلامية على المستوى الوطني، والتي بدأت في العام (2012) بعد مطالبات مجتمعية، إلا أن المؤشرات تؤكد أن هناك صعودا في هذا القطاع الواعد بحجم أصول يتجاوز التسعة مليارات ريال عماني.
كما أن السياسات التي أصدرها البنك المركزي العماني قبل مدة وجيزة بالسماح للنوافذ الإسلامية التحول إلى مصارف مستقلة تنسجم مع النمو على الطلب العالمي على منتجات الصيرفة الإسلامية، والتي يقدر أصولها بنحو (4.93) تريليون دولار على المستوى العالمي في العام (2023) مع التوقعات بارتفاع تدريجي يصل إلى سبعة تريليونات من الدولارات في الأعوام المقبلة.
كما أن هذا القطاع تنشط استثماراته في الدول غير الإسلامية، ومنها: المملكة المتحدة وسنغافورة؛ نظرا للإقبال العالمي على المنتجات المالية الحلال التي تتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
أيضا من ضمن قطاعات الحلال الواعدة، قطاع الأطعمة والضيافة الحلال؛ حيث يأتي في المرتبة الثانية من حيث حجم الأصول التي تقدر بنحو (1.43) تريليون دولار خلال العام (2023) مع التوقع بانتعاش هذا القطاع ليصل في حدود اثنين تريليون دولار في الأعوام القادمة.
وقد يكون أول سؤال يطرحه المسلمون سواء كانوا في بلدانهم الأصلية أو مسافرين لدول أخرى عند ارتيادهم للمطاعم والفنادق وأماكن الضيافة مدى توافق الأطعمة مع المعايير الشرعية التي يجب أن تتوافر في الطعام الحلال.
كما أن ذلك لا يقتصر على ما تقدمه المطاعم فقط، بل يشمل أيضا الفنادق ومدى تطابق ما توفره من أنواع الطعام والضيافة مع المعايير الشرعية.
هذه الصناعة لمنتجات الحلال ليست مقتصرة على الدول الإسلامية، بل هناك دول غير إسلامية تأخذ الصدارة في صناعة منتجات الأطعمة الحلال، ومنها البرازيل وأستراليا والهند، والتي تعتبر من أكبر المنتجين المصدرين للحوم والأغذية الحلال على اعتبار هذا القطاع مربح اقتصاديا. كما أن هناك استثمارات كبيرة في قطاع الأمن الغذائي على المستوى الوطني جعلت ترتيب سلطنة عُمان يصل إلى المرتبة (30) عالميا في قطاع الأطعمة والضيافة مع مساهمة تلك الاستثمارات في توطين هذه المنتجات ما يؤدي إلى التقليل من الاعتماد على المنتجات المستوردة.
كذلك من القطاعات الرئيسية لمنتجات الحلال مستحضرات التجميل كمواد العناية والتجميل للجسم بأنواعها المختلفة، وأيضا العطور التي لا يدخل في صناعتها أية مشتقات حيوانية أو الكحوليات أو الكيميائيات الضارة التي لا تتوافق مع المعايير الشرعية. فعلى الرغم من تزايد الإقبال ونمو السوق الاستهلاكي لمستحضرات التجميل في الدول الإسلامية، إلا أن الدول التي تأخذ ريادة صناعة هذا النوع من المنتجات الحلال هي دول غير إسلامية، ومنها فرنسا وكوريا الجنوبية واليابان بينما تعتبر تركيا وإندونيسيا والإمارات العربية المتحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية لهذا النوع من المنتجات الحلال.
على المستوى الوطني هناك مشاريع رائدة تعتمد على المكونات العضوية والحلال، ومنها منتجات اللبان العماني والورد الجبلي وزيت الزيتون بالإضافة إلى مشاريع المؤسسات المتوسطة التي بدأت في صناعة مستحضرات لوازم التجميل. ولكن حجم تلك الاستثمارات المحلية في هذا القطاع لا يزال متواضعا مقارنة بالطلب العالمي لهذه المنتجات.
أيضا يعتبر قطاع الإعلام والترفيه الحلال من القطاعات النشطة التي تهدف إلى إنتاج محتوى إعلامي ومرئي يتضمن الأفلام والمسلسلات والألعاب الرقمية والمنصات والتطبيقات التي تُوجه محتوياتها للأسرة المسلمة؛ بحيث يكون المحتوى الذي يتم بثه ونشره وتداوله لا يتعارض مع قيم المجتمع الثقافية وهويته الدينية.
من الدول التي تقود هذا التوجه في قطاع الإعلام والترفيه الحلال تركيا التي استثمرت في تنويع المسلسلات التاريخية والإسلامية التي أصبحت واسعة الانتشار عالميا بينما في المقابل هناك دول، ومنها إندونيسيا وماليزيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية تعمل على تطوير منصات المحتوى والرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية التي تتوافق مع القيم الإسلامية.
على المستوى المحلي هناك قنوات فضائية أخذت الريادة في تبني محتويات الحلال لمنتجاتها الإعلامية المرئية، ولكن يقابلها غزو إعلامي وترفيهي للمنتجات الإعلامية الغربية مع أن المجتمع العماني لا يزال محافظا، ويميل إلى المنتجات الإعلامية التي تتوافق مع قيم المجتمع وهويته الوطنية.
بالنسبة لقطاع السياحة المحافظة أو التي تسمى «الصديقة للمسلمين» فقد حصلت سلطنة عُمان على الترتيب العاشر عالميا لهذا العام في مؤشر سفر المسلمين من بين (150) دولة، ولكنها جاءت في الترتيب الأخير خليجيا مع انخفاض قدره ثلاث مراتب عن العام الماضي.
على المستوى الوطني هناك مبادرات حكومية تقودها وزارة التراث والسياحة وشركة عمران من أجل النهوض بمنتجات الضيافة الحلال المتمثلة في تنفيذ مشاريع سياحية مثل: سياحة المغامرات، وسياحة العائلات، والسياحة البيئية مع توفير المرافق المناسبة للمصلين في الأماكن السياحية.
مؤشر السياحة المحافظة تشرف عليه مؤسسة (Crescent Rating) التي تعطي درجات بمعايير تقييمية لكل الخدمات الحلال التي تُوفر للمسافرين المسلمين؛ فكلما كانت الخدمات التي يتم تقييمها حلالا حصلت على تقييم أعلى.
كما تصدرت ماليزيا المرتبة الأولى عالميا في هذا القطاع باعتبارها تقدم خيارات متعددة من الطعام الحلال الذي يخضع لمعايير الاعتماد الحكومية مع تفرد ماليزيا بتقديم تسهيلات تتعلق بأماكن للعبادة للمسافرين المسلمين.
يتضح أن هناك تسابقا عالميا وخليجيا لأخذ زمام الريادة والمبادرة في صناعة قطاعات منتجات الحلال؛ فدولة الإمارات العربية المتحدة اعتمدت استراتيجية للمعاملات الإسلامية وصناعة الحلال العام الماضي، كما دُشنت علامة وطنية تحمل شعارا موحدا لهذه الصناعة.
وفي المملكة العربية السعودية تشرف على تطوير منتجات الحلال شركة حكومية مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة.
على المستوى الوطني يلاحظ استمرار المبادرات والمشاريع التي تقودها الجهات الحكومية نحو بناء منظومة الحلال الوطنية لتشمل جميع القطاعات المتعلقة بأنشطة ومنتجات الحلال.
هذه المنظومة تهدف الإسراع في توطين مثل هذه الصناعات التي أصبحت تسهم في التنويع الاقتصادي، وتلبي احتياجات شريحة كبيرة من المجتمع المحلي والخارجي كما أن لها دورا محوريا في توفير بدائل تشبع الرغبات الفردية الملحة من المنتجات الحلال التي تتوافق مع المعتقدات الدينية.
منظومة الحلال الوطنية تحتاج إلى رؤية حكومية واضحة المعالم تحدد المعايير اللازمة لاعتماد قطاعات منتجات الحلال مع تدريب الكفاءات العمانية التي تستطيع قيادة هذه القطاعات السريعة النمو، ومنها: قطاعات منتجات المطاعم والضيافة ومستحضرات التجميل والأدوية، وقطاع السفر الذي يلبي احتياجات المسلمين لتلبية الطلب المحلي المتزايد لهذه المنتجات مع الأمل في تدشين استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز نمو قطاعات منتجات الحلال؛ ليكون لسلطنة عُمان دور تنافسي على المستويين الإقليمي والعالمي في تصدير منتجات الحلال الوطنية.