أعمدة

نجوم «سعيد السيابي».. أضواء الحكايات

لا أعرف لماذا تراجع شغف الكثير من كتّاب السرد، من الجيل الجديد خصوصًا، بفنّ القصّة القصيرة، ومضوا باتّجاه الرواية، إلّا قليلًا؟ مع أن الأجناس الأدبية تتكامل مع بعضها البعض، ولا تتقاطع، ولا يقضم أحدها من جرف الآخر، كما أن إيقاع العصر السريع يصبّ في صالح القصة القصيرة، كونها تتناغم مع هذا الإيقاع، وبالإمكان قراءة النص القصصي بجلسة واحدة، ففيها تكون اللغة مركّزة، والعبارات موجزة ومكثّفة،

وتقتصر على حدث مركزي واحد، وشخصياتها قليلة جدًّا قياسًا بالرواية التي تتشعّب فيها الأحداث، وتتعدّد الشخصيات والأمكنة، وربّما شعر القائمون على جائزة السلطان قابوس بعزوف كتّاب القصة عنها، فخصّصوا فرع الأدب بدورتها الجديدة الخاصّة بالعمانيين للقصة القصيرة، لتنشيط هذا النوع الفنّي من الكتابة الإبداعيّة،

فظهرت مجموعة من الإصدارات القصصيّة في الآونة الأخيرة، ومن بينها مجموعة (اثنتا عشرة نجمة) للدكتور سعيد السيابي الذي تعدّدت اهتماماته، فكتب الرواية، والمسرحية، والمقال، والقصة القصيرة جدًّا، وله عدد من الإصدارات في المسرح، ورصيد في كتابة القصص القصيرة، بدأه بمجموعته (رغيف أسود) الصادرة عام 2015م، تبعها بـ(أحلام الإشارة الضوئية) و(المبرأة والقلم) و(مشاكيك) و(ومن الحب) و(انظر إلى حمارك)،

ومؤخّرًا رفدنا بمجموعته الجديدة (اثنتا عشرة نجمة) الصادرة بثلاث طبعات بوقت واحد، هي: الآن ناشرون وموزعون الأردنية، ودار بصمة للنشر والتوزيع المغربية، ودار الناشر للنشر والتوزيع المصرية، ويعلّل السيّابي سبب هذا التعدّد الذي يأتي، كما يقول: «من أجل توسيع دائرة الوصول وإتاحة العمل أمام قرّاء ينتمون إلى بيئات ثقافية مختلفة ليسهل الاطلاع على الكتابات العمانية الجديدة»، وهي خطوة جيدة، تأتي في وقت تسير به حركة الكتاب للقارئ العربي ببطء شديد.

تضمّ المجموعة اثنتي عشرة قصة، وقد وضع الكاتب هذا العدد بقصديّة واضحة، مستندًا إلى مرجعية قرآنية في تناص مع الآية الكريمة: إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (يوسف: 4)، مع زيادة رقم واحد، ليوسّع الدلالة، فالعام ينقسم إلى اثني عشر شهرًا،

وقد ورد ذلك في كتابنا الكريم: «إن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا» (التوبة: 36)، وعيون الماء التي انفجرت للنبي موسى -عليه الصلاة والسلام: «وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ» (البقرة: 60)، وفي المسيحية كان عدد تلاميذ السيد المسيح -عليه الصلاة والسلام- 12 تلميذًا، إلى جانب ورود ذكر هذا الرقم في الأساطير الإغريقية، وفي الرياضيات والثقافات الشعبية.

فإذا انتقلنا من العتبة الأولى: العنوان، إلى قصص المجموعة، لوجدنا تنوّعًا في الموضوعات والمضامين، إذ تتداخل المصائر، وتتناغم الدلالات، فالكاتب يستقي موضوعاته من الواقع، ليرسم لوحة عن أزمات الإنسان وصراعاته مع الواقع الذي يحاول فرض شروطه عليه، فالمجموعة، بمجملها، مشروع مفتوح يستنهض التأويل بدلًا من أن يستسلم للتقرير،

وكما يقول د. سعد التميمي، أستاذ النقد وتحليل الخطاب في الجامعة المستنصرية ببغداد، في مقدمة المجموعة: «إن الكاتب يطلّ علينا صوتًا سرديًا يعي تحوّلات الكتابة، وتعدّد مساراتها، في تنقّل يكشف عن حساسية فنية تمتحن الأشكال، وتعيد صوغها وفق إيقاع التجربة وقلقها، فالسيابي لا يكتب الحكاية كحدث يُروى فحسب، إنما كفضاءٍ تتقاطع فيه الرؤى»، ويواصل السيابي رحلته مع عوالم اجتماعية متباينة، ليتوقف مطولًا أمام التفاصيل الهامشية التي تحمل في طياتها جوهر المعاناة والفرح الإنسانيين.

فالحكاية في منجزه ليست غاية، وإنّما وسيلة لاستفزاز الأسئلة الكبرى حول الوجود، وإغراء القارئ بالمشاركة في إنتاج المعنى، وربط خيوطه المتشعّبة. هذا المنهج يحوّل كل قصة إلى رحلة تأمّليّة، لا إلى حكاية مستهلكة، تجعل من القارئ شريكًا في الاكتشاف لا متلقيًا سلبيًا.

وقد استوقفتني في المجموعة، إضافة إلى ما ذكرت، لغتها الشعرية التي تخترق السرد دون أن تنفصل عن وقائعه، حيث تتحوّل الأشياء في نصوص مثل (مراوح العزاء) و(متلازمة الشبكة) إلى رموز تنبض بالحياة، بينما ترصد في (حمام ساخن) مفارقات العلاقات الإنسانية، وفي (صانع الخيال) و(حضور الظل) تتكثّف اللغة لتخلق عوالم تظلّ عالقة في الذهن بعد الفراغ من القراءة.

إنّ مجموعة (اثنتا عشرة نجمة) تشكّل إضافة لنتاج السيابي لما تميّزت به من لغة نابضة بالحياة، ونظرة موضوعية للوجود الذي تماهى معه الكاتب عابرًا عتمته، مستنيرًا بأضواء الحكايات.