محفوظ... حضرة الملتزم
الأربعاء / 19 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:28 - الأربعاء 2 سبتمبر 2026 20:28
المدينة عنده بطل وحيد، تتخبط في جوفها الطبقة الوسطى. وزقاق المدق مثل أحمد عبدالجواد، والعباسية أهم من سعيد مهران. ومحفوظ الذي كتب عن القاهرة وخلدها ومنحها صوتًا لا يخفت هو حكاية في ذاته. الرجل الهادئ الذي ملأ الدنيا ضجيجًا وصخبًا.
ما عُرف بحياة الصخب ومغامرات البوهيميين، إنما كان «رجل الساعة» كما أطلق عليه صديقه وزميل شلة «الحرافيش» محمد عفيفي. يعيش حياته بانتظام، ولا يكاد يكسر القواعد. موظف في الدولة، يعيش كموظف، ويكتب كموظف.
وبينما ينتظر أغلب الكتّاب الوحي والإلهام وزيارات سكان وادي عبقر، ينكب محفوظ على روايته كملف إداري أو تقرير مالي. لكن ما يصلنا هو عسل صافٍ لا شائبة فيه. فمن أين أتت كل هذه العبقرية والإجادة دون خبرات واسعة، ومخالطة متنوعة لثقافات متعددة؟
أما الثاني، فمع معرفته للغات، ودراسته في فرنسا، إلا أنه حاز ذلك بعد أن كسر سجن فقد بصره. رأى العالم بعلمه لا بعينيه. مثلهما كان محفوظ استثنائيًا في أنه أصبح أديبًا عالميًا في طريقه من الديوان الحكومي إلى البيت!
ربما لولا بعض مغامرات الصبا والشباب التي ذكرها في أحاديثه أو رواياته مثل «المرايا» و«صباح الورد»، وأزمة فكرية وأخرى عاطفية مر بمثليهما كمال أحمد عبدالجواد في «الثلاثية»، ثم لقاء «الحرافيش» الأسبوعي، لكان النهر بركة راكدة. لو جردنا حياة محفوظ من هذه النوادر لما بقي إلا الموظف الملتزم والمتعاطف مع الليبرالية المصرية مثل أبناء طبقته الوسطى.
فهل كانت دراسة الفلسفة وكتابات مثقفين أمثال سلامة موسى وطه حسين مع ذكريات الطفولة عن ثورة 1919 كافية لهذا العمق في رؤية العالم والناس؟
وهو نمط اشتهر به جماعة من المثقفين المصريين، لعل أبرزهم يوسف إدريس الذي رأى أدبه أحق من محفوظ بجائزة نوبل. وصف محفوظ نفسه أنه موظف في الصباح، وكاتب في المساء. بينما كان إدريس يكتب في كل وقت، وعلى علب السجائر وقصاصات الورق.
ربما كان التغلب على هذه العقبة هو «طقس العبور» الذي يتحقق به الإبداع. فلا البوهيمية أو الالتزام دافع للإبداع، بل التغلب على عائق الطبع وظروف الحياة.
فقال الباجي: «أنت طلبت العلم وأنت معان عليه، تسهر بمشكاة ذهب (نشأ ابن حزم في قصور الأمراء والأكابر)، وطلبته وأنا أسهر على قنديل الحرس في السوق (عمل الباجي في صباه حارسًا ليستطيع الاطلاع ليلًا مستغلًا مشاعل الحراسة)». تنازع الباجي وابن حزم أيهما تخدمه هذه الحجة. لكن ما يظهر منها أن ثراء نشأة ابن حزم هو كفقر الباجي، معين من ناحية وعائق من ناحية.
فصاحب المال، كما برر ابن حزم، لا يحتاج للعلم، فقد حقق الرياسة والرفعة بماله. فهذا أمر يحجبه عن حماس الطلب. وهو صحيح كحجة الباجي أن الفقر مانع من طلب العلم. لكن ربما برز العالمان لأن كل واحد منهما اجتاز عقبته الخاصة. ليس الفقر كالغنى، لكنهما سواء كعقبة.
فالمعاناة التي اشتهر بين الناس أنها تولد الإبداع ليست معاناة شظف العيش بالضرورة. لكن معاناة المبدع النفسية يلتقي فيها الفقير والغني. فمحفوظ الملتزم ربما لم يكن مختلفًا عن ميلر الفوضوي.