رأي عُمان

عُمان والسعودية.. علاقة تتسع للمنطقة كلها

 

جاءت الزيارة الأخوية التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة العربية السعودية حيث التقى أخاه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في لحظة إقليمية تجعل هذا اللقاء أبعد من أن يُقرأ في إطار العلاقات الثنائية وحدها.

فالصفة الأخوية للزيارة تعكس بطبيعة الحال خصوصية العلاقة بين البلدين وقيادتيهما، لكنها لا تفصل اللقاء عن محيطه السياسي. ويأتي اللقاء فيما تعيش المنطقة تحولات متسارعة، وأصبحت قضايا الأمن والملاحة والطاقة والصراعات المفتوحة وإعادة تشكيل موازين القوة حاضرة في حسابات دول الخليج.

ولعقود طويلة كانت العلاقات العُمانية- السعودية واحدة من ركائز الاستقرار داخل البيت الخليجي. وقد استطاعت الدولتان -رغم اختلاف بعض مقارباتهما للملفات الإقليمية- أن تحافظا على مساحة واسعة من الثقة والتفاهم واحترام المصالح المتبادلة.

وهذه قيمة سياسية كبيرة في منطقة دفعت ثمنا باهظا حين تحولت الخلافات بين دولها إلى استقطابات وصراعات مفتوحة.

تملك سلطنة عُمان رصيدا سياسيا ودبلوماسيا راكمته عقود من الحوار مع أطراف متعارضة، ومن القدرة على إبقاء أبواب التواصل مفتوحة عندما كانت الأبواب الأخرى تغلق.

وتملك المملكة العربية السعودية ثقلا سياسيا واقتصاديا وديموغرافيا يجعل حضورها أساسيا في أي تصور لمستقبل الخليج والشرق الأوسط.

ولذلك فإن التشاور بين مسقط والرياض يجمع بين تجربتين تستطيعان العمل في اتجاه واحد حين يتعلق الأمر بتوسيع فرص الحوار، والحد من مخاطر الانزلاق إلى المزيد من الصراعات.

وتبدو الحاجة إلى هذا النوع من التشاور أكبر اليوم؛ فقد كشفت أزمات السنوات الأخيرة حدود الاعتماد المفرط على التوازنات والضمانات الخارجية في صناعة أمن المنطقة. وأثبتت الأحداث أن دول المنطقة هي أول من يدفع ثمن الحروب، سواء في أمنها المباشر أو في اقتصاداتها أو طرق تجارتها أو مشاريعها التنموية.

ومن هنا فإن التقارب العُماني السعودي يكتسب بعدا استراتيجيا إضافيا؛ فالبلدان يملكان مشروعات تنموية كبيرة تمتد لعقود مقبلة، ولا يمكن لهذه المشروعات أن تحقق غاياتها الكاملة في فضاء إقليمي شديد الاضطراب.

والاستقرار أصبح شرطا للنمو والاستثمار وتدفق التجارة وحركة البشر ورأس المال.

وتطورت العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة على هذه القاعدة أيضا؛ فقد تعزز التنسيق المؤسسي عبر مجلس التنسيق العُماني السعودي، واتسعت مجالات الاستثمار والتجارة والربط البري واللوجستي، وبدأ البلدان ينظران بصورة أكبر إلى الجغرافيا المشتركة باعتبارها فرصة اقتصادية.

ومع اضطراب طرق التجارة وسلاسل الإمداد تزداد أهمية هذه الروابط؛ لأنها تمنح البلدين والمنطقة قدرة أكبر على الحركة والتكيف مع الأزمات.

لكن الاقتصاد يظل جزءا من صورة أكبر؛ فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة يعاد فيها تعريف كثير من قواعد القوة والعلاقات والتحالفات.

وفي هذا السياق يمكن قراءة لقاء جلالة السلطان وولي العهد السعودي؛ علاقة راسخة بين بلدين شقيقين، لكنها في الوقت نفسه علاقة تملك القدرة على أن تؤدي دورا يتجاوز حدودها الثنائية.

فكلما ازدادت الثقة والتنسيق بين مسقط والرياض اتسعت مساحة الحوار والقدرة على احتواء الأزمات داخل الخليج، وأصبحت المنطقة أكثر قدرة على بناء حلولها من داخلها.

وهنا تتسع قيمة العلاقة العُمانية السعودية من علاقة راسخة بين بلدين شقيقين إلى رصيد سياسي يمكن أن يسهم في تعزيز الاستقرار في منطقة أنهكتها الأزمات.