أفكار وآراء

الجغرافيا وأمن الخليج بعد ستة أشهر من الحرب

عندما بدأت أولى الحروب الكبرى التي شهدها الخليج في حياتي المهنية كنت طالبًا أتعلم الصحافة في جامعة القاهرة. واليوم بعد نحو ستة وأربعين عامًا أكتب عن حرب أخرى في الخليج، ولكن من موقع مختلف وفي عالم مختلف.

تغيرت الأسلحة، وتغير الإعلام، وتغيرت التحالفات، لكن الجغرافيا بقيت كما هي.

بدأت الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر 1980، ولم يكن أحد يتصور يومها أنها ستستمر ثماني سنوات، وأنها ستكون بداية لسلسلة من الحروب والأزمات في المنطقة.

وبعد أقل من عامين على توقفها، وقع الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990، لتدخل المنطقة حربًا جديدة انتهت بتحرير الكويت في فبراير 1991. وبعد اثني عشر عامًا، جاءت حرب العراق عام 2003، التي أسقطت نظام حكم صدام حسين سريعًا، لكن تداعياتها السياسية والأمنية امتدت سنوات طويلة.

عشت، مثل كثيرين من أبناء جيلي، هذه الحروب واحدة بعد أخرى، وتابعت بحكم عملي في الصحافة وتعليمها والبحث فيها كيف كانت كل حرب تغير شيئًا في الخليج، وفي علاقات دوله وتحالفاتها وحساباتها الأمنية.

كانت دول الخليج قريبة دائمًا من ميادين القتال، تستضيف القوات والقواعد العسكرية وتتحمل تداعيات الحروب. وتعرضت الكويت للغزو والاحتلال، ووصلت الصواريخ العراقية إلى السعودية خلال حرب تحرير الكويت، وشاركت قوات خليجية في تلك الحرب.

ومع ذلك، لم تتعرض دول مجلس التعاون الست مجتمعة لهجمات مباشرة ومتزامنة على النحو الذي شهدته الحرب الحالية.

الحرب على إيران، التي أكملت ستة أشهر، كسرت هذه القاعدة.

هذه المرة لم تعد دول الخليج تراقب حربًا تدور بالقرب منها، بعد أن امتدت نيرانها إلى أراضيها وأجوائها ومياهها.

ومنذ بداية الحرب تعرضت الدول الست لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وهي حقيقة وثقها مجلس التعاون في اجتماعه الاستثنائي في الأول من مارس الماضي، عندما أعلن أن الهجمات التي بدأت في 28 فبراير استهدفت الإمارات والبحرين والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت.

في تقديري أن هذه الحرب وضعت مفهوم الأمن الخليجي أمام اختبار غير مسبوق. فمنذ عقود قامت المعادلة الأمنية في المنطقة على شراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، عززها وجود عسكري أمريكي كبير في عدد من دول الخليج.

وكان هذا الوجود يمثل عنصر ردع وحماية في مواجهة التهديدات الخارجية، وفي مقدمتها التهديد الإيراني. لكن الحرب كشفت وجهًا آخر لهذه المعادلة؛ فعندما أصبحت الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا فيها، تحولت قواعدها ومصالحها في المنطقة إلى أهداف للرد الإيراني، ووجدت الدول المضيفة نفسها تتحمل جانبًا من تبعات حرب لم تشارك في قرار بدئها.

صحيح أن القدرات الأمريكية في مجالات الدفاع والإنذار المبكر والاستخبارات تبقي عنصرًا مهمًا في أمن المنطقة، لكن ما حدث ويحدث حتى الآن يؤكد حاجة دول الخليج إلى تطوير قدراتها الوطنية، وتعزيز التنسيق فيما بينها، وتنويع شراكاتها الخارجية، بما يمنحها هامشًا أوسع للحركة واتخاذ القرار.

ولعل ذلك يعيدنا إلى البدايات الأولى لمجلس التعاون، الذي تأسس في 25 مايو 1981، بعد أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.

وبعد خمسة وأربعين عامًا، جاءت حرب أخرى مع إيران لتضع فكرة الأمن الجماعي الخليجي أمام تحد جديد؛ إذ يبدو أن المجلس الذي ولد في ظل حرب إقليمية كبرى يجد نفسه اليوم، بعد أربعة عقود ونصف، أمام سؤال الأمن نفسه في صورة أكثر تعقيدًا واتساعًا.

هنا أشير إلى دراسة حديثة ومهمة للباحث القطري عبد الله راشد المرسل المري، المتخصص في العلاقات الدولية والقضايا الأمنية، بعنوان «الأمن الخليجي في سياق الحرب على إيران: الانكشاف الإستراتيجي وأسئلة التكامل الدفاعي في ضوء حرب 2026»، نشرتها مجلة «لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية»، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات، في عددها الصادر في أغسطس.

وتصف الدراسة ما أحدثته الحرب الأمريكية الإسرائيلية بــ «الانكشاف الإستراتيجي»، وترى أنها نقلت الخليج من منطق «التهديد الخطي» إلى «التهديد المركب»، الذي يجمع المخاطر العسكرية والاقتصادية، والسيبرانية، والمجتمعية، والمعلوماتية.

وتخلص إلى أن «الخلل الأعمق في المنظومة الدفاعية الخليجية لا يكمن في نقص الموارد أو الإنفاق، بل في توجيهه وفي محدودية التكامل بين دوله».

وقد زادت الحرب الحاجة إلى التكامل الدفاعي بين دول الخليج؛ فالصواريخ والطائرات المسيّرة لا تعترف بالحدود السياسية، وأي تهديد يصيب منشأة أو ميناء أو مجالًا جويًا في إحدى دول الخليج يمكن أن تنتقل آثاره سريعًا إلى بقية المنطقة.

واتسع مفهوم الأمن ليشمل، إلى جانب الدفاع العسكري، استمرار عمل الموانئ والمطارات ومنشآت الطاقة والمياه والاتصالات والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

وأصبحت قدرة الدولة على إبقاء هذه المرافق تعمل تحت الضغط جزءًا من قدرتها على الصمود. لكن تعزيز هذا الجانب الدفاعي لا ينفصل عن سؤال آخر فرضته الحرب بقوة، يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع إيران نفسها.

فالعلاقة مع إيران أصبحت أكثر تعقيدًا؛ فقد أمضت دول الخليج السنوات السابقة في تخفيف التوتر مع طهران وفتح قنوات للحوار معها، وكان اتفاق بكين لاستئناف العلاقات الدبلوماسية السعودية الإيرانية في مارس 2023 أبرز تعبير عن هذا الاتجاه. ثم جاءت الحرب لتلحق ضررًا كبيرًا بالثقة التي بدأت تتشكل.

ومع ذلك، بقيت حقيقة لا تستطيع الحرب تغييرها، وهي أن إيران ستظل جارًا كبيرًا على الضفة الأخرى من الخليج العربي، والجغرافيا تفرض على الطرفين البحث في النهاية عن صيغة تسمح بالتعايش وتمنع تكرار المواجهات.

ولعل هذا ما يفسر التحركات العُمانية والقطرية التي شهدتها الأيام الأخيرة باتجاه طهران لدفع جهود خفض التصعيد، والمساعدة على إعادة فتح مضيق هرمز وتنظيم الملاحة فيه.

وتستمر هذه التحركات رغم تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، انطلاقًا من إدراك أن حماية المصالح الخليجية تتطلب إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، خاصة أن كل تصعيد بين طهران وواشنطن يحمل أخطار انتقال آثاره إلى بقية دول المنطقة.

لقد تغيرت اللغة أيضًا مع تغير الحسابات الأمنية؛ ففي بداية الحرب طغت على الخطاب السياسي الأمريكي مفردات الحسم وتدمير القدرات وإنهاء التهديد.

وبعد ستة أشهر، أصبحت مفردات الوساطة والتفاوض وخفض التصعيد وتأمين الملاحة أكثر حضورًا في المشهد الإقليمي. وهو تحول يعكس إدراكًا متزايدًا لحدود القوة العسكرية، خصوصًا بعد أن طالت الحرب أكثر مما كان متوقعًا.

وقد لخص تقرير لوكالة رويترز بمناسبة مرور ستة أشهر على الحرب الموقف في كلمات قليلة: إيران لم تستسلم، والملاحة عبر مضيق هرمز ما زالت تعاني اضطرابًا شديدًا، ولا يوجد مسار واضح لإنهاء الصراع الذي سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن توقع أن ينتهي خلال أربعة أسابيع.

وبعد ستة أشهر، تبدو هذه الخلاصة أكثر دلالة من كثير من التصريحات التي رافقت بداية الحرب.

ربما تكون هذه الحرب قد غيرت كثيرًا من حسابات الأمن في الخليج، لكنها لم تغير الحقيقة الأقدم والأكثر ثباتًا وهي الجغرافيا. فإيران ستظل على الضفة الأخرى، وسيظل الخليج بممراته البحرية وطرق الطاقة والتجارة مجالًا تتداخل فيه مصالح دول المنطقة وأمنها.

هذه الجغرافيا الصعبة تفرض على دول المنطقة بناء ترتيبات أمنية أكثر قدرة على احتواء الأزمات وتقليص فرص اندلاع الحروب. لقد تغير الكثير خلال ستة أشهر، وبقيت الجغرافيا تفرض أسئلتها القديمة بإلحاح أكبر.