أفكار وآراء

تايلاند بعد سنوات الجمود: كيف أمسك المحافظون بمفاصل الدولة؟

ترجمة: نهى مصطفى

لأكثر من 25 عاما تخوض المؤسسة المحافظة في تايلاند وقوى المعارضة صراعًا محتدمًا حول هوية البلاد.

يطالب الملكيون بحماية مؤسسات القصر من النقد الشعبي، والإبقاء على جيش مخول بالتدخل في أوقات الأزمات السياسية، وأحزاب وسياسيين خاضعين، وسلطة مطلقة لقمع أي شخصية سياسية تتجاوز الخط المرسوم.

في المقابل، تدعو المعارضة إلى ملكية دستورية، وجيش يلتزم ثكناته، ونظام حزبي تنافسي يستجيب لإرادة الشعب، وضوابط وتوازنات واضحة تحول دون معاقبة السياسيين المنتخبين بصورة مفرطة.

في أغلب الأحيان كانت الغلبة للملكيين؛ فقد حشدوا حركات احتجاجية، ونفذوا انقلابات عسكرية، وحظروا أحزاب المعارضة لمنع السياسيين المشاغبين من إحداث تغييرات تحد من سلطتهم وامتيازاتهم.

ومع ذلك، فشلت كل محاولاتهم لتوجيه ضربة قاضية للمعارضة؛ إذ لم يتمكن المحافظون من تحويل انتصاراتهم، القانونية وغير القانونية، إلى حكومات مستقرة.

في المقابل، واصلت المعارضة إعادة ابتكار نفسها. فقد بنى تاكسين شيناواترا، الشرطي السابق وملياردير الاتصالات، نفوذًا هائلًا كرئيس للوزراء في أوائل الألفية، ما أثار استياء الملكيين. حتى بعد الإطاحة به في انقلاب عسكري عام 2006 ظلت أحزابه قوة انتخابية كبيرة.

وبعد انقلاب 2014 الذي أطاح بشقيقته ينجلوك شيناواترا، ظهر تحد أكثر إثارة للقلق: احتجاجات شبابية واسعة عام 2020 طالبت بإصلاح النظام الملكي، وأحزاب تقدمية استقطبت هؤلاء الناخبين الشباب.

ساد الجمود السياسي في تايلاند، إذ عجز الطرفان عن حسم الصراع لصالحهما، لكن الوضع تغير في فبراير 2026، عندما اكتسح حزب «بهومجايتاي»، المعروف سابقًا بدعوته إلى تقنين القنب، الانتخابات الوطنية.

وبدعم ضمني من المؤسسة الملكية والمحافظين، بسط الحزب نفوذه على الدولة مكرسًا نمطًا سياسيًا جديدًا يقوم على تعاون النخب، وقمع القوى التقدمية، والفوز في الانتخابات العامة من دون تلاعب علني.

ولم يكن صعود «بهومجايتاي» مجرد نتيجة انتخابية عابرة، بل تتويجًا لجهود المحافظين لاستعادة السيطرة. فقد جاء فوزه في إطار حملة منهجية للسيطرة على مؤسسات الدولة المحايدة اسميًا، بما فيها مجلس الشيوخ والمحكمة الدستورية.

والتحالف بين الشبكة الملكية والحزب أقرب إلى تحالف ظرفي منه إلى مشروع أيديولوجي مشترك، ربما لن يدوم طويلا، لكنه نجح بالفعل في تعزيز المعسكر المحافظ، وإضعاف أبرز الأحزاب المنافسة، وربما إعادة تشكيل الدولة التايلاندية لسنوات مقبلة.

تعود جذور النظام السياسي الحالي في تايلاند إلى عام 1997 حين قدمت نخبة ملكية ليبرالية بدعم من المجتمع المدني، دستورًا جديدًا عرف باسم «دستور الشعب».

وجاء الدستور ردًا على انقلاب 1991 وما أعقبه من أحداث دامية، خصوصًا قمع المتظاهرين في مايو 1992. هدفت الإصلاحات إلى تحصين النظام ضد الانقلابات، ووضع ضوابط تمنع السياسيين المنتخبين من إساءة استخدام السلطة، وتسهيل انتقال السلطة الملكية. وأنشأ الدستور لجنة انتخابية، ومحكمة دستورية، وهيئة لمكافحة الفساد، ولجنة لحقوق الإنسان، إلى جانب مجلس شيوخ منتخب بالكامل يفترض أنه غير حزبي.

لكن المشروع جاء بنتائج عكسية؛ فقد أخفق في تحقيق الاستقرار السياسي، ومهد النظام البرلماني الجديد الطريق لانتخاب تاكسين شيناواترا رئيسًا للوزراء عام 2001.

وبفضل شخصيته الكاريزمية وشعبيته بين الناخبين ذوي الدخل المحدود في شمال البلاد وشمال شرقها بنى قاعدة انتخابية قوية واستغل ثروته ونفوذ حزبه وعلاقاته البيروقراطية لبناء آلة سياسية فعالة.

كما عمل على استمالة مجلس الشيوخ والهيئات المستقلة، وتعيين موالين له في مواقع يفترض أن تحد من سلطة رئيس الوزراء.

رأت النخب التقليدية في صعود تاكسين تهديدًا عميقًا.

وسعت حركة «القمصان الصفراء»، اللون المرتبط بالملكية، إلى شل الحكم من خلال احتجاجات واسعة واحتلال المباني والأماكن العامة، ما أدى إلى إسقاط حكومات المعارضة ثلاث مرات بين 2006 و2014، لكن الحركة لم تحل المشكلة الأساسية؛ فقد تمكن المعسكر المحافظ من إسقاط الحكومات المنتخبة، من دون أن يتمكن من الفوز في الانتخابات وتشكيل بديل مستقر.

اتبعت أزمتا 2006 و2014 مسارًا متشابهًا: احتجاجات شعبية أضعفت حكومات شيناواترا، ثم انقلابات عسكرية أطاحت بها.

وفي كل مرة تدخل الجيش الملكي لإعادة تنظيم الحياة السياسية، وتعديل الدستور، وإعادة تشكيل النظام الحزبي قبل إجراء انتخابات جديدة، لكن الانقلابات لم تؤسس لحكم محافظ دائم؛ فقد كانت حلولا مؤقتة أضعفت شرعية السلطة.

ولم يكن الشعب مستعدا لقبول الحكم العسكري طويلا، فيما افتقر الجنرالات إلى الخبرة السياسية، فعاد الناخبون إلى القوى التي أطاح بها الجيش.

ففي انتخابات 2007، وهي الأولى بعد انقلاب 2006، عاد حزب تاكسين إلى السلطة. ولهذا السبب أجلت الحكومة التي تشكلت بعد انقلاب 2014 الانتخابات حتى عام 2019.

مع عجز المحافظين عن القضاء على المعارضة، اتجهت المؤسسة الحاكمة إلى عقد صفقات مع حزب «فو تاي» بزعامة تاكسين.

وقامت هذه الاستراتيجية على السماح للمعارضة بتشكيل الحكومة ما دام قادتها يركزون على الاقتصاد ولا يتحدون المكانة الخاصة للملكية.

وكان المحافظون يرون أن الحزب قابل للاستمالة أو الإكراه على قبول صيغة لتقاسم الثروة والنفوذ بين شخصيات من الحزب ووسطاء محافظين. وكانت حكومة ينجلوك شيناواترا، بين 2011 و2014، ثمرة هذا الترتيب، الذي لم يرض المحافظين ولا أنصار تاكسين، ولم يكن أي من الطرفين مستعدا للاعتراف به صراحة.

لكن الحكم القائم على حق النقض كان بطبيعته غير مستقر. ففي النهاية، لم يعد المحافظون قادرين على تحمل حكومات حزب «فو تاي» الطموحة والمستقلة، فأطاحوا بها، كما حدث في انقلاب 2014. وعندما لم يلجأوا إلى القوة، استخدموا القانون للحد من نفوذ المعارضة.

ومنذ 2019 اكتسبت سلسلة من الأحزاب التقدمية «البرتقالية» شعبية واسعة، خصوصا بين الشباب.

وبعد فوز حزب «التحرك إلى الأمام» بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2023، منعه مجلس الشيوخ المعين من الجيش من تشكيل الحكومة، ثم حلت المحكمة الدستورية الحزب عام 2024 ومنعت زعيمه بيتا ليمجاروينرات من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات.

وبحلول 2025 كانت أدوات المؤسسة الحاكمة التقليدية لإضعاف المعارضة من انقلابات وصفقات سياسية وحظر للأحزاب وعزل رؤساء الوزراء قضائيا، تفقد فعاليتها. وكان المحافظون بحاجة إلى حليف موثوق يستطيع الفوز في الانتخابات.

برز عندها حزب «بهومجايتاي»، وهو حزب متوسط الحجم من بوريرام في شمال شرق البلاد. تأسس عام 2008 بعد انشقاق مجموعة من نواب حزب تاكسين، لكنه ظل لسنوات بلا شخصيات شعبية بارزة أو رؤية اقتصادية واضحة أو قاعدة جماهيرية وطنية.

غير أن نيوين تشيدتشوب حوّله إلى قوة مؤثرة وحليف للملكية. وكان نيوين، المعروف داخل الحزب بلقب «مدير المدرسة»، قد شغل مناصب وزارية في عهد تاكسين وحكومات أخرى، قبل أن يبتعد عن السياسة المباشرة ويركز على نادي بوريرام يونايتد.

ورغم ابتعاده عن الأضواء، ظل صاحب النفوذ الأكبر في استراتيجية الحزب وشبكاته. أما أنوتين تشارنفيراكول، المهندس المتعلم في الولايات المتحدة ونائب الوزير السابق، فتولى قيادة الحزب وواجهته العامة منذ 2012.

عوّض الرجلان غياب الرؤية الأيديولوجية بالدهاء السياسي، فاستفادا من حاجة المؤسسة الحاكمة إلى حزب موثوق، وحوّلا «بهومجايتاي» إلى أداة لمصالح الأعمال الإقليمية النافذة.

وكانت السيطرة على الوزارات الرئيسية خطوة أساسية في بناء نفوذ الحزب. ففي 2019، تولى أنوتين وزارة الصحة العامة، ورفع لاحقا رواتب أكثر من مليون متطوع صحي في القرى، وحوّل كثيرا منهم إلى داعمين للحزب، ما عزز قدرته على حشد الأصوات في المناطق الريفية.

وفي 2023، تولى الحزب وزارة الداخلية، التي تشرف على الحكم المحلي وأكثر من 70 ألف رئيس قرية، لتصبح الوزارة أداة واسعة لبناء شبكات النفوذ والمحسوبية.

وبدمج شبكات الصحة ورؤساء القرى، تمكن الحزب من توسيع حضوره في مختلف أنحاء البلاد. ولا يزال أنوتين يشغل منصب وزير الداخلية، إلى جانب رئاسة الوزراء.

عززت تحركات أخرى جرت خلف الأبواب المغلقة سلطة حزب بهومجايتاي. فاختيار 200 عضو جديد في مجلس الشيوخ عام 2024 عبر نظام ترشيح ذاتي غامض وغير مُجرَّب لم يحظَ باهتمام يُذكر من معظم المواطنين التايلانديين، ما أتاح مجالًا واسعًا للتلاعب.

واستغل المرشحون المرتبطون بالحزب النظام ليحصلوا على نحو ثلثي مقاعد المجلس الأعلى، الذي يُفترض أن يكون محايدًا.

ومكّنتهم هذه الأغلبية من عرقلة المرشحين المستقلين للمحكمة الدستورية ولجنة الانتخابات وهيئة مكافحة الفساد، ومن ممارسة حق النقض على أي تعديلات مستقبلية للدستور.

كما ساهمت أخطاء المعارضة في تمهيد الطريق أمام الحزب للسيطرة على السلطة. فعندما عزلت المحكمة الدستورية، التي يسيطر عليها حزب بهومجايتاي، بايتونغتارن شيناواترا، ابنة تاكسين، من رئاسة الوزراء في أغسطس 2025، صوّت الحزب البرتقالي، المعروف الآن باسم حزب الشعب، لصالح أنوتين بدلًا من مرشح آخر من حزب «فو تاي» ليحل محلها.

واعتقد قادة حزب الشعب أن حكومة «بهومجايتاي» لن تستمر طويلًا، وأن إجراء انتخابات مبكرة سيسمح للقوى التقدمية بالضغط لتعديل الدستور وتقليص نفوذ النخبة. لكن ذلك كان خطأً فادحًا.

ففي انتخابات فبراير، فاجأ حزب بهومجايتاي معظم المراقبين بفوزه الساحق؛ إذ حصد 192 مقعدًا مقابل 120 مقعدًا لحزب الشعب. ومع سيطرته على أجهزة السلطة والبرلمان تبددت آفاق الإصلاح الدستوري التقدمي.

بعد تحييد حزبي «فو تاي» و«الشعب»، أصبح حزب بهومجايتاي أنجح حزب محافظ في تاريخ تايلاند الحديث، لكن هيمنته لم تُحدث تحولًا في المشهد السياسي بقدر ما أدت إلى شلّه.

فالحزب، الذي يجسد المحافظة النفعية، يسيطر الآن على أجهزة الدولة الرئيسية، لكنه يفتقر إلى مضمون أيديولوجي أو سياسي واضح، وإلى قاعدة شعبية حقيقية.

واليوم، يقود تايلاند، التي اشتهرت بتعبئة ملايين الناس حول أفكار كبرى، حزبٌ بلا أفكار واضحة. فقد استنفد مشروع الإصلاح السياسي الذي بدأ في التسعينيات غرضه، وكذلك مشروع تاكسين لتمكين المهمشين، والمشروع القومي للجيش لاستعادة النظام والدفاع عن الملكية، والمشروع التقدمي لجعل تايلاند أكثر انفتاحًا ومساواة.

في الوقت نفسه تمثل انتهازية حزب بهومجايتاي شكلًا جديدًا من السياسة الواقعية يبدو أكثر استدامة من سابقاته. وقد التفّ الملكيون حوله على مضض لعدم وجود بديل آخر.

أما تاكسين، الذي عوقب مؤخرًا بالسجن ثمانية أشهر، فقد التزم الصمت. وينتقد التقدميون ما يسمونه «النظام الأزرق»، نسبةً إلى لون شعار بهومجايتاي، ويحاولون تفكيكه، لكنهم يجدون صعوبة في صياغة استراتيجية واقعية لمواجهته. ورغم التناقضات التي تقوم عليها حكومة أنوتين، فإنها لا تُظهر مؤشرات على انهيار وشيك.

وأدت هذه الهيمنة الجوفاء إلى مأزق غريب؛ فمنذ ستة أشهر، تكتفي إدارة أنوتين بالجمود وتؤجل المبادرات الكبرى. وقد لا يستمر هذا الوضع مع بروز الأجيال الشابة قوةً مؤثرة في السياسة التايلاندية؛ فلا تزال قبضة المحافظين على السلطة موضع نزاع ومتقلبة.

ومن الناحية النظرية يمكن لمعارضة موحدة تتجاوز الخلافات القديمة بين مؤيدي تاكسين والقوى التقدمية أن تُطيح بحزب بهومجايتاي في صناديق الاقتراع.

وقد يشكل إحياء شعار حزب «التحرك للأمام» الفائز في 2023، «تايلاند ليست كما كانت من قبل»، أساسًا لإدارة بديلة.

لكن حتى لو استعاد ائتلاف مناهض لبهموجايتاي السلطة فسيواجه صعوبة في تفكيك نفوذ الحزب داخل المؤسسات السياسية. ومهما طالت فترة حكمه في بانكوك فإن استيلاء حزب «بهومجايتاي» على مقاليد السلطة سيظل إرثه الدائم.