تايلاند بعد سنوات الجمود: كيف أمسك المحافظون بمفاصل الدولة؟
الثلاثاء / 18 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:04 - الثلاثاء 1 سبتمبر 2026 20:04
ترجمة: نهى مصطفى
يطالب الملكيون بحماية مؤسسات القصر من النقد الشعبي، والإبقاء على جيش مخول بالتدخل في أوقات الأزمات السياسية، وأحزاب وسياسيين خاضعين، وسلطة مطلقة لقمع أي شخصية سياسية تتجاوز الخط المرسوم.
في المقابل، تدعو المعارضة إلى ملكية دستورية، وجيش يلتزم ثكناته، ونظام حزبي تنافسي يستجيب لإرادة الشعب، وضوابط وتوازنات واضحة تحول دون معاقبة السياسيين المنتخبين بصورة مفرطة.
ومع ذلك، فشلت كل محاولاتهم لتوجيه ضربة قاضية للمعارضة؛ إذ لم يتمكن المحافظون من تحويل انتصاراتهم، القانونية وغير القانونية، إلى حكومات مستقرة.
في المقابل، واصلت المعارضة إعادة ابتكار نفسها. فقد بنى تاكسين شيناواترا، الشرطي السابق وملياردير الاتصالات، نفوذًا هائلًا كرئيس للوزراء في أوائل الألفية، ما أثار استياء الملكيين. حتى بعد الإطاحة به في انقلاب عسكري عام 2006 ظلت أحزابه قوة انتخابية كبيرة.
وبعد انقلاب 2014 الذي أطاح بشقيقته ينجلوك شيناواترا، ظهر تحد أكثر إثارة للقلق: احتجاجات شبابية واسعة عام 2020 طالبت بإصلاح النظام الملكي، وأحزاب تقدمية استقطبت هؤلاء الناخبين الشباب.
وبدعم ضمني من المؤسسة الملكية والمحافظين، بسط الحزب نفوذه على الدولة مكرسًا نمطًا سياسيًا جديدًا يقوم على تعاون النخب، وقمع القوى التقدمية، والفوز في الانتخابات العامة من دون تلاعب علني.
والتحالف بين الشبكة الملكية والحزب أقرب إلى تحالف ظرفي منه إلى مشروع أيديولوجي مشترك، ربما لن يدوم طويلا، لكنه نجح بالفعل في تعزيز المعسكر المحافظ، وإضعاف أبرز الأحزاب المنافسة، وربما إعادة تشكيل الدولة التايلاندية لسنوات مقبلة.
وجاء الدستور ردًا على انقلاب 1991 وما أعقبه من أحداث دامية، خصوصًا قمع المتظاهرين في مايو 1992. هدفت الإصلاحات إلى تحصين النظام ضد الانقلابات، ووضع ضوابط تمنع السياسيين المنتخبين من إساءة استخدام السلطة، وتسهيل انتقال السلطة الملكية. وأنشأ الدستور لجنة انتخابية، ومحكمة دستورية، وهيئة لمكافحة الفساد، ولجنة لحقوق الإنسان، إلى جانب مجلس شيوخ منتخب بالكامل يفترض أنه غير حزبي.
وبفضل شخصيته الكاريزمية وشعبيته بين الناخبين ذوي الدخل المحدود في شمال البلاد وشمال شرقها بنى قاعدة انتخابية قوية واستغل ثروته ونفوذ حزبه وعلاقاته البيروقراطية لبناء آلة سياسية فعالة.
كما عمل على استمالة مجلس الشيوخ والهيئات المستقلة، وتعيين موالين له في مواقع يفترض أن تحد من سلطة رئيس الوزراء.
وسعت حركة «القمصان الصفراء»، اللون المرتبط بالملكية، إلى شل الحكم من خلال احتجاجات واسعة واحتلال المباني والأماكن العامة، ما أدى إلى إسقاط حكومات المعارضة ثلاث مرات بين 2006 و2014، لكن الحركة لم تحل المشكلة الأساسية؛ فقد تمكن المعسكر المحافظ من إسقاط الحكومات المنتخبة، من دون أن يتمكن من الفوز في الانتخابات وتشكيل بديل مستقر.
وفي كل مرة تدخل الجيش الملكي لإعادة تنظيم الحياة السياسية، وتعديل الدستور، وإعادة تشكيل النظام الحزبي قبل إجراء انتخابات جديدة، لكن الانقلابات لم تؤسس لحكم محافظ دائم؛ فقد كانت حلولا مؤقتة أضعفت شرعية السلطة.
ولم يكن الشعب مستعدا لقبول الحكم العسكري طويلا، فيما افتقر الجنرالات إلى الخبرة السياسية، فعاد الناخبون إلى القوى التي أطاح بها الجيش.
ففي انتخابات 2007، وهي الأولى بعد انقلاب 2006، عاد حزب تاكسين إلى السلطة. ولهذا السبب أجلت الحكومة التي تشكلت بعد انقلاب 2014 الانتخابات حتى عام 2019.
وقامت هذه الاستراتيجية على السماح للمعارضة بتشكيل الحكومة ما دام قادتها يركزون على الاقتصاد ولا يتحدون المكانة الخاصة للملكية.
ومنذ 2019 اكتسبت سلسلة من الأحزاب التقدمية «البرتقالية» شعبية واسعة، خصوصا بين الشباب.
وبعد فوز حزب «التحرك إلى الأمام» بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2023، منعه مجلس الشيوخ المعين من الجيش من تشكيل الحكومة، ثم حلت المحكمة الدستورية الحزب عام 2024 ومنعت زعيمه بيتا ليمجاروينرات من ممارسة العمل السياسي لعشر سنوات.
ورغم ابتعاده عن الأضواء، ظل صاحب النفوذ الأكبر في استراتيجية الحزب وشبكاته. أما أنوتين تشارنفيراكول، المهندس المتعلم في الولايات المتحدة ونائب الوزير السابق، فتولى قيادة الحزب وواجهته العامة منذ 2012.
وفي 2023، تولى الحزب وزارة الداخلية، التي تشرف على الحكم المحلي وأكثر من 70 ألف رئيس قرية، لتصبح الوزارة أداة واسعة لبناء شبكات النفوذ والمحسوبية.
وبدمج شبكات الصحة ورؤساء القرى، تمكن الحزب من توسيع حضوره في مختلف أنحاء البلاد. ولا يزال أنوتين يشغل منصب وزير الداخلية، إلى جانب رئاسة الوزراء.
واستغل المرشحون المرتبطون بالحزب النظام ليحصلوا على نحو ثلثي مقاعد المجلس الأعلى، الذي يُفترض أن يكون محايدًا.
ومكّنتهم هذه الأغلبية من عرقلة المرشحين المستقلين للمحكمة الدستورية ولجنة الانتخابات وهيئة مكافحة الفساد، ومن ممارسة حق النقض على أي تعديلات مستقبلية للدستور.
ففي انتخابات فبراير، فاجأ حزب بهومجايتاي معظم المراقبين بفوزه الساحق؛ إذ حصد 192 مقعدًا مقابل 120 مقعدًا لحزب الشعب. ومع سيطرته على أجهزة السلطة والبرلمان تبددت آفاق الإصلاح الدستوري التقدمي.
فالحزب، الذي يجسد المحافظة النفعية، يسيطر الآن على أجهزة الدولة الرئيسية، لكنه يفتقر إلى مضمون أيديولوجي أو سياسي واضح، وإلى قاعدة شعبية حقيقية.
أما تاكسين، الذي عوقب مؤخرًا بالسجن ثمانية أشهر، فقد التزم الصمت. وينتقد التقدميون ما يسمونه «النظام الأزرق»، نسبةً إلى لون شعار بهومجايتاي، ويحاولون تفكيكه، لكنهم يجدون صعوبة في صياغة استراتيجية واقعية لمواجهته. ورغم التناقضات التي تقوم عليها حكومة أنوتين، فإنها لا تُظهر مؤشرات على انهيار وشيك.
ومن الناحية النظرية يمكن لمعارضة موحدة تتجاوز الخلافات القديمة بين مؤيدي تاكسين والقوى التقدمية أن تُطيح بحزب بهومجايتاي في صناديق الاقتراع.
لكن حتى لو استعاد ائتلاف مناهض لبهموجايتاي السلطة فسيواجه صعوبة في تفكيك نفوذ الحزب داخل المؤسسات السياسية. ومهما طالت فترة حكمه في بانكوك فإن استيلاء حزب «بهومجايتاي» على مقاليد السلطة سيظل إرثه الدائم.