أعمدة

من الهستيريا إلى العنف التوليدي

اختبرتُ في الأشهر الأخيرة حمل امرأة قريبة مني، وراقبتُ عن قرب قلقها الشديد من الولادة، لا بوصفه خوفاً عابراً من تجربة مجهولة، بل خوفاً جسدياً حقيقياً من الألم، ومن فقدان السيطرة، ومن أن يحدث لجسدها ما لا تستطيع إيقافه أو الاعتراض عليه.

وما لفتني الطريقة التي استُقبل بها هذا الخوف داخل الدائرة العائلية؛ بين الأمهات والعمات والنساء الأكبر سناً، إذ كثيراً ما كان يُقابل بابتسامة متواطئة، أو بنبرة تقول ضمنياً إن الأمر طبيعي، وإن النساء جميعاً مررن به، وإن القلق نفسه ينطوي على شيء من المبالغة.

يستحق هذا التلقي الفحص. فألم الولادة لا يُعترف به تماماً إلا بشرط أن تتقبله المرأة مسبقاً؛ وكأن قدرتها على تحمله جزء من اختبار غير معلن لجدارتها بالأمومة أو حتى لجدارتها بوصفها امرأة.

وحين لا تبدو مستعدة لتقديم الألم باعتباره ضريبة طبيعية وبديهية لا تستوجب سؤالاً أو اعتراضاً، يظهر خوفها كما لو كان ضعفاً، أو دلالاً، أو تضخيماً لتجربة «مرّت بها النساء منذ الأزل».

حينها أبادر بالتشكيك في هذه السردية الجاهزة، وفي ما يُقال كما لو كان أمرًا محسومًا. تفيد الأدبيات النسوية هنا لأنها تمنح هذه الخبرات سياقًا واسمًا، وتكشف أن ما يبدو تجربة فردية معزولة قد يكون جزءًا من تاريخ أوسع من التقليل من ألم النساء والتشكيك في وصفهن لأجسادهن. فتعطي هذه المشاعر شرعية، وتجعلها قابلة للفهم.

للعنف التوليدي تاريخ أطول من المصطلح نفسه؛ إذ يصعب فصله عن تاريخ طبي طويل شُكك فيه في قدرة النساء على وصف آلامهن وفهم أجسادهن. في مقالها «اتهام الهستيريا: كثيرًا ما يُغفل ألم النساء طبيًا ولا يُعالج على نحو كافٍ»، المنشور في مجلة Aeon عام 2020، تعود إليزابيث بارنز إلى مثال شديد الدلالة من تاريخ طب الولادة.

ففي عام 1949 نشر طبيبان من جامعة كورنيل دراسة انطلقت من سؤال يبدو صادمًا اليوم: هل تشعر النساء فعلًا بالألم أثناء الولادة، أم أن ما يظهر عليهن ليس سوى استجابة هستيرية لموقف ضاغط؟ وبعد إخضاع ألم الولادة للقياس، خلص الباحثان إلى أن الولادة مؤلمة فعلًا.

لكن المفارقة لا تقف عند اضطرار النساء إلى انتظار العلم كي يثبت حقيقة ألمهن؛ فالمقياس الذي استُخدم لإثباته كان قد جرى توحيده أصلًا على أجساد ذكور. أي أن المرأة لم تكن مطالبة فقط بإثبات أن ألمها حقيقي، بل كان عليها أن تفعل ذلك داخل معيار لم يُبنَ على جسدها أصلًا.

هنا لا تبدو المسألة مجرد واقعة طبية غريبة، بل مثالًا على تاريخ طويل لم يكن فيه وصف المرأة لألمها كافيًا، وكان لا بد أن تؤكده أدوات الطب ومعاييره حتى يُعترف به.

وترى بارنز أن هذه ليست مجرد حادثة طريفة من ماضي الطب. فلا تزال النساء أكثر عرضة لأن يُقلل من آلامهن أو تعاد أعراضهن الجسدية إلى القلق والانفعال والعوامل النفسية.

وتستعين هنا بمفهوم ميراندا فريكر عن «عجز المصداقية»؛ أي أن تُمنح شهادة شخص عن تجربته وزناً أقل بسبب تصورات مسبقة عن الفئة التي ينتمي إليها.

وفي حالة النساء، يعمل الإرث القديم لصورة المرأة «الهستيرية» أو المبالغة أو غير العقلانية على إضعاف سلطتها بوصفها شاهدة على ما يحدث داخل جسدها. ولهذا تصبح قضية الألم نسوية أيضاً: من يملك حق تعريف ما تشعر به المرأة؟ المرأة نفسها، أم المؤسسة التي تمتلك لغة التشخيص والقياس؟

تصل هذه المسألة إلى أقصى وضوحها أثناء الحمل والولادة، حين يجتمع الألم الشديد والهشاشة الجسدية مع مؤسسة طبية تمتلك قدرة واسعة على التدخل في الجسد.

وهنا ظهر مفهوم العنف التوليدي (Obstetric Violence). تحاول الباحثة القانونية كاميلا بيكلز في دراستها «كل شيء أصبح عنفًا توليديًا الآن: تحديد العنف في مفهوم العنف التوليدي لتعزيز جهود الإصلاح الاجتماعي والقانوني»، المنشورة في Oxford Journal of Legal Studies عام 2024، أن تمنح المفهوم حدودًا أكثر دقة، بعدما اتسع استخدامه ليشمل تقريبًا كل تجربة سلبية في الرعاية الإنجابية.

وتقترح فهم العنف، في جوهره، باعتباره انتهاكًا للسلامة الجسدية أو النفسية؛ ويصبح عنفًا توليديًا عندما يقع هذا الانتهاك خلال الرعاية السابقة للولادة أو أثناءها أو بعدها.

وهي تربطه كذلك بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، لأن هذه الممارسات تنطلق من تصورات عن جسد المرأة ودورها وقدرتها المفترضة على تحمّل الألم، أو من افتراض أن عليها أن تكون أكثر امتثالًا أثناء الولادة.

كما تربطه بالطابع المؤسسي للرعاية التوليدية؛ أي حين لا يكون التجاوز مجرد تصرف فردي من طبيب أو ممرضة، بل جزءًا من إجراءات وممارسات روتينية قد تهمّش رغبة المرأة، أو تتعامل مع جسدها بوصفه موضوعًا للإدارة الطبية أكثر من كونه جسد شخص صاحب قرار.

وتظهر الأشكال المادية لهذا العنف بوضوح في الرعاية التوليدية: شق العجان دون موافقة، الفحوص المهبلية المتكررة أو غير المأذون بها، إعطاء الأوكسيتوسين لتسريع المخاض دون شرح وموافقة، استخدام الملقط أو الشفاط، فرض وضعية معينة أثناء الولادة أو تقييد الحركة، واللجوء إلى القيصرية دون إشراك المرأة فعليًا في القرار عندما لا تكون هناك حالة طارئة.

ويمكن أن يأخذ العنف شكلًا نفسيًا أو لفظيًا كذلك، مثل تحقير المرأة بسبب صراخها، التقليل من ألمها، تخويفها للحصول على موافقتها، أو التعامل معها باعتبارها عائقًا أمام الإجراء الطبي بدلًا من كونها الشخص الذي يقع الإجراء على جسده.

وتدخل هذه الأفعال في ما تسميه بيكلز «استمرارية العنف»، حيث لا توجد دائمًا حدود فاصلة بين الإكراه الجسدي والإهانة النفسية ونزع الاستقلالية.

وهذا يعيدنا إلى مشكلة «الهستيريا» من مدخل آخر. فمن السهل النظر إلى عدم تصديق الألم والعنف التوليدي بوصفهما موضوعين منفصلين: الأول يتعلق بالتشخيص، والثاني بإجراءات الولادة.

لكنهما يلتقيان عند سؤال واحد هو سلطة المرأة على المعرفة التي تنتجها عن جسدها. عندما تقول المرأة إنها تتألم ولا تُصدق، أو تقول إنها لا تريد تدخلاً معيناً ويُتعامل مع اعتراضها بوصفه جهلاً أو خوفاً أو انفعالاً يجب تجاوزه، تفقد شهادتها عن جسدها قيمتها أمام معرفة المؤسسة الطبية.

هنا لا يكون العنف في الشق الجراحي أو الإبرة وحدهما، بل في افتراض أسبق أن شخصاً آخر يستطيع أن يعرف ما ينبغي أن يحدث لجسد المرأة أفضل منها إلى درجة تسمح بتجاوز صوتها.

يستمر التعامل مع النساء بهذه الطريقة في تنويعات لا نهائية.

حتى خيارات مرتبطة بتخفيف ألم الولادة، مثل «إبرة الظهر»، قد تتحول إلى اختبار ضمني لـ«استحقاق» المرأة للأمومة؛ كأن الأم الأفضل هي التي احتملت الألم أكثر، ولم تطلب تخفيفه، وتركت الولادة تمر وفق صورة مثالية لما ينبغي أن تكون عليه.

والأبعد من ذلك أن بعض الخطابات لا تكتفي بالحكم على طريقة الولادة، بل تربط بها لاحقاً جودة علاقة الأم بأطفالها: فإذا بدت الأم أقل التصاقاً بصورة الأم المتفانية، أو اضطرت إلى العمل، أو لم تتمحور حياتها كلها حول أبنائها، لا يُبحث فقط في شروط العيش والعمل والضغط الاقتصادي والاجتماعي في العالم الحديث، بل يُعاد أحياناً إلى قرار اتخذته منذ سنوات في غرفة الولادة، مثل اختيار التخدير، وكأن تخفيف الألم في تلك اللحظة قد أنقص بصورة حتمية من إحساسها بالأمومة أو من قدرتها على الارتباط بطفلها.

أمسكتُ بيد قريبتي، وقلتُ لها، لن أسمح بأن تختبري ذلك. وربما علينا أن نفكر في ذلك الألم معاً، وبالطريقة الأنسب لكِ للتعامل معه.