من الحوار إلى الحلول
الاثنين / 17 / ربيع الأول / 1448 هـ - 21:39 - الاثنين 31 أغسطس 2026 21:39
كان أحد الأسئلة التي طرحها منتدى «الاستثمار الاجتماعي والتنمية المستدامة 2026» في يومه الثاني مباشرا إلى حد كبير: «لو بدأنا غدا فماذا سنفعل؟» وربما يلخص هذا السؤال وحده القيمة الحقيقية للمنتدى؛ لأن تحدي الاستثمار الاجتماعي في سلطنة عُمان لم يعد مرتبطا بقلة الأفكار أو ضعف الرغبة في خدمة المجتمع بقدر ما أصبح متصلا بالقدرة على جمع هذه الأفكار والموارد والخبرات داخل مسار واضح يصل في النهاية إلى نتائج يمكن رؤيتها وقياسها.
ولهذا تبدو التوصية بتطوير إطار وطني متكامل للاستثمار الاجتماعي أهم ما خرج به المنتدى؛ ففي عُمان مؤسسات حكومية تعمل في مجالات التنمية الاجتماعية وشركات تنفق سنويا على المسؤولية الاجتماعية وجامعات ومراكز بحث تنتج معرفة يمكن أن تساعد في معالجة كثير من القضايا إلى جانب مؤسسات أهلية وشباب ورواد أعمال لديهم أفكار وتجارب. المساحة التي تحتاج إلى مزيد من العمل تقع بين هذه الأطراف جميعا: كيف تلتقي، وعلى أي أولويات تعمل، وأين تذهب الموارد، ومن يقيس ما تحقق بعد انتهاء المشروع؟
وقد اقترب المنتدى من هذه الأسئلة عندما وزع نقاشاته بين الشراكات وبناء القدرات والتمكين والتمويل المبتكر، واستدعى الشباب والجامعة والقطاع الخاص إلى الطاولة نفسها. وهذه صورة مهمة لما ينبغي أن يكون عليه الاستثمار الاجتماعي في مرحلته المقبلة. القضايا الاجتماعية والتنموية أصبحت أكثر تشابكا من أن تعالجها جهة واحدة وبعض الحلول يحتاج إلى معرفة أكاديمية، وبعضها إلى مرونة القطاع الخاص، وبعضها يبدأ من مبادرة صغيرة يعرف أصحابها تفاصيل المشكلة؛ لأنهم يعيشون داخلها.
المطلوب الآن أن تجد هذه العناصر إطارا يجمعها ويمنع بقاء الاستثمار الاجتماعي مجموعة من المبادرات المتفرقة التي تبدأ بحماس، ثم يتراجع أثرها مع مرور الوقت. وجود أولويات وطنية واضحة وأدوات تمويل مناسبة ومعايير معلنة لقياس النتائج يمكن أن يمنح المشروعات الناجحة فرصة للاستمرار والتوسع، ويكشف في الوقت نفسه البرامج التي تستهلك الموارد من دون أثر يتناسب مع ما أنفق عليها.
ومن هنا تكتسب عبارة «قياس الأثر» التي تكررت في مخرجات المنتدى معنى أكبر من بعدها الفني.
المال المخصص للمجتمع مورد تنموي ومن حق المجتمع أن يعرف ماذا صنع هذا المورد: كم فرصة أوجد؟ وكم مشكلة خفف؟ وأي مبادرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع مستدام؟ لقد أنهى المنتدى أعماله، لكن السؤال الذي طرحه ما يزال مفتوحا: ماذا سنفعل غدا؟ البداية المنطقية هي تحويل توصيته الأساسية إلى عمل مؤسسي وبناء إطار وطني يجعل الاستثمار الاجتماعي جزءا منظما من مسار التنمية في عُمان. عندها يصبح الانتقال من الحوار إلى الحلول واقعا يمكن قياسه، لا عنوانا لمنتدى انتهت جلساته.