أفكار وآراء

رؤية عُمان 2040 ونظرية الدور

نظرية الدور (Role Theory) التي تكلم عنها باستفاضة كلٍّ من جورج ميد وإيرفينج جوفمان هي من النظريات الحديثة في علم الاجتماع وعلم النفس، وترى أنّ كل فرد في المجتمع يؤدي أدوارًا معينة، وسلوكه يتحدد بناءً على التوقعات المرتبطة بهذا الدور؛ إذ ترى النظرية بأن سلوك الفرد وعلاقته الاجتماعية تعتمد على الدور الذي يؤديه في المجتمع.

ونظرية الدور تعد أحد التطبيقات العملية التي تعين الفرد في المجتمع العُماني سواءً كان مواطنا أو موظفا أو مسؤولا في تحقيق رؤية «عُمان 2040»؛ فالمواطن عليه المبادرة، والابتكار، والمسؤولية، والموظف ينبغي له الإنجاز، والالتزام، والتطوير، والمسؤول هو المخطط، والمحفّز، ومتخذ القرار؛ وبالتالي فإن وضوح الأدوار المنوطة بكل فرد في المجتمع المحلي والوظيفي يسهم في تحسين الإنتاجية في بيئة العمل وتطويرها، ويقلل من تضارب الأدوار، ويرفع مستوى الكفاءة، وهو الذي تركّز عليه الحوكمةن وتسعى لتحقيقه رؤية «عُمان 2040».

وضوح الأدوار في بيئة العمل وفهمها يسهم في تحقيق الأهداف الوطنية، ورفع مستوى الإنتاجية، وتعزيز التنسيق والتكامل والجهود المشتركة للارتقاء بالأداء المؤسسي إلى آفاق أرحب من التطوير والنمو والإبداع، ويسهم في الوصول إلى الهدف الأسمى من رؤية «عُمان 2040» المتمثل بشعار الرؤية من التنويع الاقتصادي إلى اقتصاد قائم على المعرفة.

وبالتالي نرى أنّ نظرية الدور في مجملها تجسّد التوازن بين الأدوار المتعددة، وأداء الدور المطلوب من الموظف بكفاءة، ولذلك من المهم أن تترسّخ لدى الموظف الأدوار المنوطة به في بيئة العمل جيدا، ويؤديها بكفاءة وإتقان؛ فالمسؤولية مشتركة في تحقيق رؤية «عُمان 2040»، وهنا تبرز أهمية التخطيط الاستراتيجي مع علم الاجتماع من خلال توزيع الأدوار وقواعد الأداء بوضوح التي تنص عليها نظرية الدور، أما الأدوار الجديدة المنبثقة عن رؤية «عُمان 2040» فمن المهم أن نتدرب عليها جيدا؛ حتى نؤديها بإتقان وكفاءة عالية، فيعرف الموظف ما هو مطلوب منه أن ينجزه بكفاءة وأخطاء أقل.

لتحقيق رؤية عُمان ينبغي قيام كل طرف في الدولة بأدواره وفقا للاختصاص والمأمول منه والالتزام بهذا الدور وتأديته بإتقان، وهي تطبيق عملي لنظرية الدور؛ فالحكومة دورها تغيير فلسفة العمل من موظّف إلى مُمكّن ومنظّم من خلال إيجاد بيئة الأعمال وتحديث التشريعات والقوانين، والقطاع الخاص دوره أن يصبح المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني، والتوظيف، والابتكار، والمواطن دوره التوسع من متلقي خدمات إلى شريك في التنمية، ودوره أيضا أن يبتكر، ويتعلّم، وينتج؛ إذ إنّ واجباته يحددها الدور الذي يشغله في المجتمع، فالفرد لا يشغل دورا اجتماعيا واحدا في حقيقة الأمر، وإنما هناك أدوار متعددة تقع على عاتقه؛ مثلا في بيئة العمل، وهذه الأدوار غير متساوية منها الأدوار القيادية، والأدوار ما دون القيادية ويطلق عليها الوسطية، والأدوار الأساسية المناطة به يوميا، ومؤسسات المجتمع المدني دورها التوعية، وإطلاق المبادرات المجتمعية، والأعمال التطوعية، وبالتالي ينتج عن ذلك اقتصاد معرفي.

أرى أن مؤشر نجاح تطبيق نظرية الدور في بيئة العمل عندما تؤدي المؤسسة مهامها جيدا وبكفاءة وجودة إنجاز وتكاملية؛ بحيث لا يكون هناك تناقض أو تضاد بين الأدوار، أما في المجتمع فإن التنشئة الاجتماعية تؤدي دورا مهما في نجاح تطبيق نظرية الدور من خلال تدريب الفرد على الدور الاجتماعي، والقيام به بصورة جيدة وبفاعلية؛ وبالتالي نستطيع معرفة سلوك الفرد اليومي عبر الدور الاجتماعي الذي يقوم به وعلاقته بالآخرين؛ فالدور الاجتماعي للفرد يساعد على التنبؤ بسلوكه.

أيضا أعتقد أن قيام الفرد بأكثر من دور في المجتمع في وقت واحد ربما يسهم ذلك في تحديد شخصيته الاجتماعية ومدى التأثير على المجتمع عند اتخاذ القرار؛ وبالتالي تحدد مكانته الاجتماعية، وهذا يعكس مؤهلات الفرد وخبراته وتجاربه السابقة، ومستوى ثقة المجتمع بآرائه وكفاءته وقوة شخصيته.

وفي رأيي أرى أن قدرة الفرد على القيام بأدوار اجتماعية ووظيفية متعددة ناتجة عن التكامل بين التركيب النفسي للفرد وبين الأدوار التي يشغلها في المجتمع.

إن التطبيق العملي لنظرية الدور في رؤية «عُمان 2040» يضمن نجاح الرؤية عبر الأدوار المنوطة بكل طرف في الدولة؛ فالحكومة قامت بأدوارها وما زالت تقوم بالأدوار الداعمة لنجاح الرؤية، والقطاع الخاص يقوم بدوره من خلال الممكنات المتاحة والحوافز والتسهيلات الحكومية؛ ليصبح المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني عبر الاستثمار والتوظيف والابتكار.

وينبغي للمواطن ومؤسسات المجتمع المدني أن يقوموا بأدوارهم في المشاركة بالتنمية من خلال المبادرات المجتمعية الداعمة، والتعلم، والابتكار، والحوارات والنقاشات العلمية والمعرفية والفلسفية، والإنتاجية سواءً بالأفكار والمقترحات المساندة التي تدعم مسيرة التنمية الشاملة أو النقد البنّاء الهادف إلى التعديل والتطوير والتحسين.