أفكار وآراء

ماذا يمكن أن تستفيد عُمان من سردية أوزبكستان الحضارية؟

عدتُ للتو من أوزبكستان بعد زيارة سريعة، لكنها أتاحت لي رؤية بعض ملامح مشروع ضخم تعيد به أوزبكستان بناء سرديتها الحضارية وتقديم نفسها للعالم.

وظهرت هذه السردية في العمارة التي تستعيد طرز الحقبة التيمورية، وفي المتاحف التي تحتفي بالتاريخ ورموزه، والمخطوطات التي أُخرجت من صناديق «وسحاحير» الماضي، ووضعت في الواجهة؛ لتكون مرتكزا تبني عليه الدولة سرديتها الحضارية.

واكتسبت طابعها الاحتفائي في استدعاء أسماء علماء ما وراء النهر، ووضعهم في قلب المشروع المعاصر.

كان المشروع ظاهرا في تفاصيل كثيرة، ولا يمكن أن يخطئه الزائر، أو يتجاوز السؤال عنه وهو يراه يتجلى على واجهات المباني ويسمعه في اللغة التي يتحدث بها المسؤولون عن حاضر بلادهم ومستقبلها بدءا من رئيس الدولة وصولا إلى المرشد السياحي الذي يتحدث عن تاريخ بلاده ومستقبلها بوعي ودراية وبكثير من الحب والاعتزاز.

على الواجهة الضخمة لمركز الحضارة الإسلامية ظهرت صفحات من المصحف المعروف بمصحف عثمان بن عفان، وأخذت تتفتح تحت أضواء الليزر، ثم توالت صور المدن والعلماء والخرائط. استمر العرض نحو خمس وعشرين دقيقة.

وفي داخل المركز واصلت قاعات المتحف القصة نفسها عبر مخطوطات وقطع أثرية وشاشات تفاعلية تستحضر الإمام البخاري والخوارزمي والبيروني والترمذي وغيرهم من الأعلام الذين صنعوا جزءا مهما من الحضارة الإسلامية.

ويضم المركز المفتتح حديثا مكتبة ومرافق للبحث والتعليم، وينظم ندوات وحوارات فكرية وتنويرية يحضرها متخصصون من مختلف دول العالم.

تكشف التجربة عن جهد واع لإعادة وصل اسم أوزبكستان الحديثة بتاريخ بخارى وسمرقند وخوارزم.

عرف كثير من العرب أوزبكستان على أنها واحدة من جمهوريات آسيا الوسطى التي خرجت من الاتحاد السوفييتي بينما بقيت أسماء مدنها وعلمائها حاضرة في الذاكرة الإسلامية من دون صلة واضحة بالدولة المعاصرة.

وتعمل السردية الجديدة على ردم هذه المسافة، وتختار من الماضي عصر ازدهار علمي وفكري، ثم تربطه بما تسميه الدولة اليوم «النهضة الثالثة».

وأنا أتابع هذا المشروع خلال أيام الزيارة كان ثمة سؤال يلح عليّ ويشغلني طوال الوقت: ماذا يمكن أن نتعلم في عُمان من هذه التجربة؟ تملك عُمان تاريخا حضاريا عميقا، ومتاحف حديثة ومواقع أثرية مهمة وآلاف المخطوطات والوثائق.

لدينا المتحف الوطني ومتحف عُمان عبر الزمان، ويجري العمل بشكل متسارع لإنشاء مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي بما يضمه من مكتبة عُمان الوطنية، ومسرح، ومرافق للفنون والبحث إلى جانب هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية والمتاحف والمراكز المنتشرة في المحافظات، لدينا بنية مؤسسية معتبرة تراكمت داخلها خلال السنوات الماضية خبرات في الحفظ والعرض والترميم.

تبقى الصلة بين هذه المؤسسات وبين قصة عُمانية جامعة مجالا واسعا للعمل. تعرض كل مؤسسة جانبا من التاريخ وفق اختصاصها ومقتنياتها، ويغادر الزائر وفي ذاكرته مشاهد مهمة من عصور مختلفة.

أما العالم خارج عُمان فيحتاج إلى فكرة واضحة يستطيع أن يضع حولها هذه المشاهد لتكوين صورة متكاملة.

هذا ما تفعله أوزبكستان الآن؛ اختارت لنفسها موقعا في تاريخ الحضارة الإسلامية، وحشدت مؤسساتها لتثبيته في التعليم والبحث والسياحة والعلاقات الدولية.

يمتد تاريخ عُمان من مجان وتجارة النحاس إلى طرق اللبان، ومن صحار وقلهات ومسقط وصور إلى موانئ شرق أفريقيا والهند. ووراء هذا الامتداد قرون طويلة من الحركة والاتصال حمل خلالها البحارة والتجار العُمانيون سلعهم وخبراتهم ولغتهم، وعادوا بأفكار وعادات وصلات إنسانية تركت أثرها في المجتمع.

وخلال هذه المساحة الواسعة تطورت معارف الملاحة، وبرزت مدن شكلت في وقتها أهم الموانئ العربية والإقليمية، وتبادلت التأثير مع مجتمعات وحضارات مختلفة.

وترك علماء عُمان تراثا واسعا في الفقه واللغة والعلوم الطبيعية والملاحة. ويمثل هذا الامتداد البحري أحد الفصول الكبرى في السردية العُمانية إلى جانب تاريخ الداخل ونظم الأفلاج والمدارس العلمية والتجارب السياسية التي تشكلت على هذه الأرض.

خطر في بالي وأنا أتنقل بين قاعات المركز أن السردية العُمانية تحتاج إلى فكرة تجمع تاريخ الداخل والساحل، وتصل التجربة السياسية بالحضور الحضاري.

يظهر في تاريخ عُمان نزوع متكرر إلى الاستقلال وإلى بناء شكل خاص من الاجتماع والدولة يقابله اتصال واسع بالعالم عبر التجارة والرحلات والعلم والهجرة.

حول هذه العلاقة بين الاستقلال والاتصال بالعالم يمكن أن تجتمع المتاحف والمكتبة الوطنية وهيئة الوثائق والجامعات والمواقع الأثرية.

ويلفت المشروع الأوزبكي الانتباه إلى قيمة البحث المنظم عن المقتنيات الموجودة في الخارج. تنتشر وثائق ومخطوطات وخرائط وقطع ترتبط بالتاريخ العُماني في زنجبار والهند وشرق أفريقيا وبريطانيا والبرتغال وغيرها.

وقد قطعت هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية شوطا مهما في جمع نسخ من وثائق الأرشيفات الدولية وعقد شراكات معها. وتحتاج هذه المادة إلى قاعدة بيانات موحدة تيسر وصول الباحثين والجمهور إليها، وتتيح بناء دراسات جديدة عليها.

وتستطيع الاتفاقيات مع المؤسسات المالكة أن توفر نسخا رقمية عالية الجودة، أو إعارات طويلة، أو استعادة بعض المقتنيات حين تسمح ظروف الملكية بذلك.

كما تقدم التجربة الأوزبكية درسا في إخراج التاريخ من دائرة المتخصصين؛ ليكون متاحا لجميع فئات المجتمع، وبصورة تجعلهم قادرين على التواصل معه، وفهم سياقه الحضاري.  

وتبدأ السردية العُمانية من الداخل؛ في المدارس والجامعات وفي وسائل الإعلام حين يعرف العُمانيون تاريخهم، ويناقشونه ويضيفون إليه، ويصبحون شركاء في روايته، ثم تنتقل القصة إلى العالم عبر المعارض المتنقلة والمحتوى متعدد اللغات والمشروعات البحثية المشتركة.  ويمكن للجامعات أن تنشئ مشروعات بحثية مع مؤسسات في البلدان التي تقاطعت مساراتها مع عُمان.

ونحتاج في الفترة القادمة المزيد من الاهتمام بالدبلوماسية الثقافية التي تستطيع أن تشرح كيف تكوّنت علاقة عُمان وصلاتها بالعالم، ولماذا ما زالت قادرة على الحديث مع أطراف متباعدة.

وفي تصوري أن عُمان أكثر قدرة من أوزبكستان في نجاح سرديتها الوطنية المتصلة بالتاريخ. فإذا كان علماء ما وراء النهر قد عاشوا قبل ظهور أوزبكستان بقرون طويلة فإن كيان الدولة في عُمان كان موجودا وواضحا قبل مجيء الإسلام.

واستمر ذلك الكيان يحمل اسم عُمان إلى اليوم، وهذا عنصر قوة وأداة من أدوات نجاح السردية الوطنية العمانية.

الدرس المهم الذي رأيته في أوزبكستان هو قدرتها على تحويل الذاكرة إلى مشروع للدولة والمجتمع، والصبر على بنائه سنوات ثم تقديمه إلى العالم بثقة. وفي عُمان تتوافر المادة التاريخية والمؤسسات التي يمكن أن تحملها.

المطلوب الآن أن تنتظم هذه الجهود داخل رؤية واحدة تبني سردية عُمانية موثقة، وترسخها في وعي العُمانيين عبر التعليم والمتاحف والإعلام، وتحملها إلى العالم من خلال البحث والترجمة والمعارض والدبلوماسية الثقافية. هذا ما رأيته في طشقند، وهو ما تستطيع عُمان أن تصنعه بطريقتها.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة عمان