شاعر «مجهول الهوية»
الاثنين / 17 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:04 - الاثنين 31 أغسطس 2026 20:04
لدينا الكثير من الشعراء الذين ركبوا الموجة، واتخذوا من شعرهم مطية للوصول، دون أن يحملوا معهم (الهوية الشعرية) المحلية، ودون أن يكترثوا لإرثهم الثقافي، أو يحاولوا أن يحافظوا على شيء من نكهته، وطعمه الخاص، ولذلك لم تعد تميز لهجتهم التي يكتبون بها عن شعراء (نجد)، الذين يمتازون بأن لهم أسلوبهم المكاني، وخصائص نصوصهم، ولهجتهم التي يتحدثون بها في مجالسهم، بينما ذاب بعض شعرائنا -للأسف- في هوية غيرهم، فتلاشت خصوصيتهم، وغابت لهجتهم، وصاروا دون طعم، أو لون، أو رائحة.
إن اللهجات العُمانية بشتى مناطقها تمتلك مخزونا ثريا من المفردات، ولديها خصوصيتها التي تميزها عن غيرها، ولم يؤثر فيها ذلك التداخل بينها وبين غيرها من اللهجات الخليجية، لذلك حين يأتي شاعر من دولة ما إلى دولة أخرى، فهو يأتي ليسمع ما يحمله شاعر تلك الدولة من مقومات لهجته، وهويته المكانية، ولا يحتاج أن يسمع قصيدة بلهجة قد سمعها مئات المرات من شاعر في بلد آخر، فالقصيدة عنوان البيئة، والشاعر هو رسول يحمل هويّة المكان، لذلك يجب الحرص على هذه الشخصية الشعرية بشكل واعٍ، ومسؤول أكثر مما هو عليه الآن.
ورغم أن الشاعر ابن زمانه، وهو يتأثر بما قرأه، أو سمعه، أو تقارب معه، إلا أنه يجب أن يبقي مسافة فاصلة تحميه من إلغاء نفسه، وإقصاء لهجته، وعليه أن ينطلق من بيئته المحلية ليصل إلى بيئات، وأمكنة أخرى، ولعل أولئك الشعراء الذين تقمصوا أدوارا غير أدوارهم، ولبسوا عباءة ليست عباءتهم، يسعون إلى الشهرة، ويعتقدون أن باب الانتشار يمر عبر تخليهم عن لهجتهم، وخصوصيتهم، ولذلك يصبحون كالطائر الذي نسي مشيته، وتاه في صحراء كبيرة من الوهم، فلا هم لقوا الشهرة التي يبحثون عنها، ولا حافظوا على هويتهم ولهجتهم الخاصة بهم.
عادة ما يسألني بعض الأخوة الشعراء من الخليج عن سبب هذه الظاهرة لدى بعض الشعراء العُمانيين، فلا أملك إلا إجابة واحدة، وهي (أن التأثر أمر وارد في حياة الشاعر، ولكنها حالة مؤقتة، ويعود بعد حين إلى ذاته، وبيئته)..ولكن للأسف أن هذا التأثر يطول حتى ينسى الشاعر طريق العودة، ويصبح ظلا لغيره.
لعل في (اللغة البيضاء) حل لهذه المسألة، ولكن حتى هذا الحل يظل حلا نسبيا، ورغم ذلك تبقى أصول هذه (اللغة) ذات جذر عربي فصيح، وهي أفضل من استعارة لسان الآخرين، للوصول إلى ذائقتهم، دون التفات إلى تلك اللهجة الدارجة التي يجب العناية بها، والاهتمام بحفظها، ونشرها كهُوية شعرية عالية القيمة، يحملها الشاعر، ويكتب بها، ويؤديها على المسارح في أي دولة يحل بها، أو يقيم أمسيته فيها..حتى لا يبقى الشاعر (مجهول الهوية)، لا ظل له، ولا أثر، ولا خصوصية.