المحافظات

مسجد اليعاربة .. شاهد تاريخي يجسد عبقرية الإنسان العُماني في الهندسة قبل 3 قرون

تطلعات مستقبلية لتطوير فلج الخطمين وربط المسجد بمسارات سياحية وثقافية

 


يقف مسجد اليعاربة في منطقة بركة الموز بولاية نزوى شامخًا منذ أكثر من ثلاثة قرون شاهدًا على حقبة زاخرة من تاريخ عُمان، ومرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بفلج الخطمين في مشهد يجسد تلاحم الإنسان العُماني مع الأرض والماء والعمران. وقد شُيّد المسجد في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي عام 1059هـ (1649م)، ولم يقتصر دوره على أداء الشعائر الدينية، بل كان منارةً للعلم ومركزًا للحياة الاجتماعية، يعكس فلسفة المجتمع العُماني في تشييد المساجد بمحاذاة مصادر المياه، لتتكامل العبادة والعمل والحياة اليومية في منظومة حضارية متجانسة.

عبقرية التخطيط العمراني

وقال شيخان بن سعيد بن عبدالله الفهدي وكيل فلج الخطمين ببركة الموز في حديثه لـ«$»: إن مسجد اليعاربة يمثل أحد أبرز الشواهد التاريخية التي تجسد ازدهار العمارة العُمانية في عصر اليعاربة؛ إذ ظل قائمًا على مدى أكثر من ثلاثة قرون محافظًا على مكانته الدينية والاجتماعية، ومعبرًا عن عمق العلاقة بين الإنسان العُماني وبيئته.

وأوضح أن المسجد لم يكن مجرد مكان لإقامة الصلاة، بل أدّى أدوارًا متعددة بوصفه مركزًا دينيًا وعلميًا واجتماعيًا، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بفلج الخطمين أحد الأفلاج العُمانية المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، ليشكلا معًا لوحة حضارية متكاملة تعكس عبقرية التخطيط العمراني في الواحات العُمانية.

وأضاف أن المسجد شُيّد في عهد الإمام سلطان بن سيف اليعربي سنة 1059هـ (1649م)، ثم شهد توسعات خلال عهد الدولة البوسعيدية، ولا يزال يؤدي رسالته الدينية والاجتماعية حتى يومنا هذا محافظًا على قيمته التاريخية والمعمارية.

ارتباط وثيق بفلج الخطمين

وأشار الفهدي إلى أن العلاقة بين مسجد اليعاربة وفلج الخطمين كانت علاقة عضوية منذ تأسيس المسجد؛ فالفلج لم يكن مجرد مصدر لتوفير المياه، وإنما شكّل شريان الحياة الذي قامت عليه الزراعة والاستقرار والعمران في بركة الموز.

وأوضح أن مجرى الفلج يمر بمحاذاة المسجد، ليزود المصلين بمياه الوضوء، كما أصبح المسجد ملتقى لأهالي البلدة؛ حيث كانوا يجتمعون عنده لمناقشة شؤون توزيع مياه الفلج، وتنظيم الأعمال الزراعية، وتسوية الخلافات، وبحث مختلف القضايا الاجتماعية، الأمر الذي جعل المسجد يؤدي دورًا محوريًا في حياة المجتمع المحلي.

وأكد أن هذا الارتباط يجسد فلسفة المجتمع العُماني في تخطيط القرى والواحات؛ حيث تتكامل دور العبادة مع مصادر المياه ومراكز الاستقرار بما يعزز الترابط بين الجوانب الدينية والاجتماعية والاقتصادية؛ ولذلك ظلّ مسجد اليعاربة وفلج الخطمين معلمين تاريخيين متلازمين يصعب الحديث عن أحدهما بمعزل عن الآخر؛ لما يمثلانه من قيمة حضارية وتراثية راسخة في ذاكرة المكان.

محطات تاريخية واجتماعية

وأوضح الفهدي أن مسجد اليعاربة لم يكن عبر تاريخه معلمًا دينيًا فحسب، بل شكّل محورًا للحياة العامة في بركة الموز، واستنادًا إلى الروايات الشفوية المتوارثة بين كبار السن وأهالي البلدة؛ فقد احتضن المسجد العديد من الأحداث والأنشطة التي ارتبطت بالحياة الدينية والعلمية والاجتماعية.

وقال: إن المسجد كان مقصدًا للعلماء وطلبة العلم؛ حيث احتضن حلقات لتعليم القرآن الكريم والفقه واللغة العربية، وأسهم في نشر المعرفة وتعزيز الحركة العلمية في المنطقة. كما كان مقرًا لاجتماعات وجهاء البلدة ووكلاء فلج الخطمين، للتشاور حول تنظيم توزيع مياه الفلج، وصيانة مجراه، ومعالجة القضايا المتعلقة بحقوق المياه بما يعكس الدور المحوري للمسجد في إدارة شؤون المجتمع.

وأضاف أن المسجد شهد أيضًا انطلاق المبادرات المجتمعية الرامية إلى تنظيف السواقي وصيانة مجرى الفلج قبل المواسم الزراعية، كما كان ملتقى للأهالي خلال الأزمات الطبيعية، مثل الفيضانات أو انهيار أجزاء من مجرى الفلج؛ حيث تُنسق من خلاله جهود الإصلاح والتكافل بين أبناء البلدة.

وأشار إلى أن المسجد احتضن إقامة صلاة الاستسقاء في سنوات الجفاف، والدعاء بحفظ الفلج واستمرار جريانه، كما كان محطة لاستقبال المسافرين والقوافل المتجهة إلى الجبل الأخضر؛ نظرًا لموقعه على الطريق التاريخي المؤدي إليه.

وأكد الفهدي أن هذه المعلومات تستند إلى الروايات الشفوية المتناقلة بين أهالي بركة الموز التي تمثل جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي غير المادي، وتستحق مزيدًا من التوثيق والدراسة العلمية إلى جانب المصادر التاريخية المكتوبة.

طراز معماري يعكس هوية المكان

وأشار الفهدي إلى أن مسجد اليعاربة يمثل نموذجًا أصيلًا للعمارة العُمانية التقليدية؛ إذ حافظ على ملامحه المعمارية على مدى أكثر من ثلاثة قرون معتمدًا على مواد البناء المحلية التي تنسجم مع البيئة والمناخ.

وأوضح أن المسجد شُيّد باستخدام الحجارة المحلية والصاروج العُماني فيما صُنع سقفه من أخشاب الكندل وجذوع النخيل، وهي مواد اشتهرت بها العمارة العُمانية التقليدية لما تتميز به من متانة وقدرة على التكيف مع الظروف المناخية.

وأضاف أن التصميم الداخلي للمسجد يضم رواقين يفصل بينهما صف من الأعمدة الأسطوانية التي تحمل أقواسًا حجرية فيما يتوسط جدار القبلة محراب بسيط غائر يخلو من الزخارف المبالغ فيها، وهو ما يعكس الطابع المعماري المتسم بالبساطة والوظيفية.

وبيّن أن المسجد يخلو من القباب والمآذن المرتفعة، وهي سمة تميز عددًا من المساجد التاريخية في سلطنة عُمان، كما يضم «السرحة»، أو الساحة الخارجية التي كانت تستخدم لاستقبال المصلين وطلبة العلم وعقد اللقاءات المجتمعية.

وأكد أن هذا الطراز المعماري يجسد فلسفة البناء التقليدي في عُمان القائمة على توظيف المواد المحلية، وتحقيق الاستدامة، والحفاظ على الهوية المعمارية الأصيلة بما يجعل مسجد اليعاربة أحد أبرز الشواهد على تطور العمارة الدينية في الواحات العُمانية.

ذاكرة حية لأهالي بركة الموز

وأكد الفهدي أن مسجد اليعاربة لا يزال يحتفظ بمكانة راسخة في وجدان أبناء بركة الموز؛ إذ يتجاوز كونه معلمًا تاريخيًا أو مبنى أثريًا، ليشكل رمزًا للهوية والانتماء، وركيزة من ركائز الذاكرة الاجتماعية التي ارتبطت بحياة الأهالي على امتداد الأجيال.

وأوضح أن كبار السن يروون كيف كان المسجد يشكل ملتقىً يوميًا لأهالي البلدة بعد أداء الصلوات؛ حيث تُناقش شؤون المجتمع، وتُعلن المبادرات التطوعية، وتُتداول القضايا المتعلقة بإدارة فلج الخطمين والزراعة، كما كان يستقبل الوفود والزائرين، ويحتضن اللقاءات التي تعزز روح التكاتف والتعاون بين أبناء المنطقة، الأمر الذي منحه مكانة اجتماعية إلى جانب رسالته الدينية والعلمية.

رؤية مستقبلية

وحول التطلعات المستقبلية، أكد الفهدي أن الحفاظ على مسجد اليعاربة، باعتباره معلمًا حيًا، يتطلب تنفيذ مجموعة من المبادرات التي تكفل صون قيمته التاريخية؛ وتعزيز حضوره الثقافي والسياحي.

وأوضح أن من أبرز هذه المبادرات إعداد مشروع متكامل للحفاظ على المسجد والمنطقة التاريخية المحيطة به وفق المعايير الدولية المعتمدة في صون التراث إلى جانب تطوير مسار سياحي وثقافي يربط بين مسجد اليعاربة وفلج الخطمين وحصن بيت الرديدة وحارة السيباني بما يبرز تكامل هذه المواقع التاريخية، ويمنح الزائر تجربة معرفية متكاملة.

وأضاف أن من المقترحات كذلك إنشاء مركز أو ركن تعريفي يعرّف بتاريخ المسجد وفلج الخطمين باللغتين العربية والإنجليزية إلى جانب توثيق الروايات الشفوية لكبار السن بالصوت والصورة، وحفظها ضمن الأرشيف الوطني للتراث الثقافي غير المادي بما يسهم في صون الذاكرة المجتمعية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

وأشار إلى أهمية تطوير الخدمات المساندة، من خلال تحسين الإضاءة، وتزويد الموقع بلوحات تعريفية وإرشادية، وتأهيل المرافق بما ينسجم مع الطابع التراثي للمكان، فضلًا عن تنظيم برامج ثقافية وتعليمية وزيارات مدرسية لتعريف الطلبة والزوار بتاريخ المسجد، ودوره الحضاري، وعلاقته الوثيقة بفلج الخطمين بما يعزز الوعي بأهمية المحافظة على هذا الإرث الوطني العريق.

تطوير فلج الخطمين

وأكد الفهدي أن مشروع تطوير فلج الخطمين يمثل إحدى المبادرات الاستراتيجية الهادفة إلى الحفاظ على أحد أبرز مواقع التراث العالمي في سلطنة عُمان بما يحقق التوازن بين صون قيمته التاريخية وتعزيز التنمية المستدامة من خلال تنفيذ مشاريع تراعي الهوية التراثية للموقع، وتضمن استدامته للأجيال المقبلة.

وأوضح أن المشروع يرتكز على مجموعة من المحاور الرئيسة، تشمل ترميم وصيانة السواقي والقنوات المائية باستخدام المواد التقليدية والأساليب المتوافقة مع الطابع التاريخي للفلج إلى جانب حماية مجراه من التأثيرات العمرانية والإنشائية بما يحافظ على سلامة هذا الموروث الإنساني وقيمته الحضارية.

وأضاف أن المشروع يتضمن كذلك تطوير المسارات والممرات التراثية الممتدة بمحاذاة الفلج، وتأهيل البيئة المحيطة بمسجد اليعاربة وفلج الخطمين بما يعزز المشهد التاريخي للموقع فضلًا عن إنشاء لوحات تعريفية ومراكز معلومات تسهم في تعريف الزوار بتاريخ الفلج والمسجد وأهميتهما الحضارية.

وأشار إلى أن المشروع يهدف أيضًا إلى تنشيط السياحة الثقافية والتراثية بما ينعكس إيجابًا على المجتمع المحلي من خلال استثمار المقومات التاريخية للموقع بصورة مستدامة، وتعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المحلي؛ لضمان استمرارية أعمال الصيانة والتطوير، والحفاظ على الموقع وفق أفضل الممارسات.

واختتم الفهدي حديثه بالتأكيد على أن مسجد اليعاربة وفلج الخطمين سيبقيان شاهدين على عبقرية الإنسان العُماني في بناء حضارة متكاملة جمعت بين الإيمان والعلم، والإدارة الرشيدة للمياه، والعمارة التقليدية مشددًا على أن المحافظة عليهما لا تمثل مسؤولية محلية فحسب، بل هي واجب وطني وإنساني، باعتبارهما جزءًا أصيلًا من التراث الثقافي العالمي الذي يستحق أن يُصان ويُنقل إلى الأجيال القادمة، ليظل شاهدًا حيًا على عراقة التاريخ العُماني وإرثه الحضاري.