المحافظات

«بودعن».. حكاية نخلة صنعت هوية جعلان بني بوعلي الزراعية

تتربع على عرش الولاية بنحو 73 ألف نخلة

 

جعلان بني بو علي - حمد العريمي

تستعيد مزارع ولاية جعلان بني بوعلي حيويتها مع كل انطلاق لموسم جني الرطب، حيث تتصدر نخلة «بودعن» المشهد الزراعي بوصفها أشهر أصناف النخيل التي اشتهرت بها الولاية، لما تتميز به من جودة ثمارها وحلاوة مذاقها، فضلًا عن قيمتها التراثية والاقتصادية التي حافظت على مكانتها في ذاكرة الأهالي جيلًا بعد جيل.

وفي قلب المزارع الوارفة، تشكل نخلة «بودعن» عنوانًا للموسم الزراعي، إذ ترتبط بالبيئة المحلية ارتباطًا وثيقًا، ويحرص المزارعون على رعايتها على مدار العام، بدءًا من عمليات التلقيح والري والتقليم، وصولًا إلى موسم الحصاد الذي يمثل مناسبة اجتماعية تتجسد فيها روح التعاون بين أفراد الأسرة، حيث يتشارك الجميع في قطف الثمار وفرزها وتجهيزها للاستهلاك أو التخزين.

ويؤكد المهندس سالم بن مسعود بن سالم الجنيبي، رئيس قسم التنمية الزراعية وموارد المياه بدائرة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بولاية جعلان بني بوعلي، أن نخلة «بودعن» تُعد الأيقونة الزراعية والتراثية للولاية، فهي ليست مجرد صنف محلي من النخيل، بل تشكل ما يقارب 90% من إجمالي أصناف النخيل المزروعة في الولاية، وتعتمد الزراعة في جعلان بني بوعلي بصورة رئيسة على أشجار النخيل، ولا سيما نخلة «بودعن»، التي تمثل العمود الفقري للقطاع الزراعي والاقتصاد المحلي، ومصدر فخر واعتزاز لأهالي الولاية.

إرث اجتماعي ومردود اقتصادي

ويؤكد المهندس سالم بن مسعود الجنيبي أن نخلة «بودعن» ارتبطت بحياة الإنسان في ولاية جعلان بني بوعلي منذ القدم، إذ شكلت جزءًا أصيلًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ فتمرها مصدر غذاء، وسعفها يدخل في العديد من الصناعات التقليدية، بينما يوفر ظلها ملتقى للأهالي، لتغدو بذلك إرثًا اجتماعيًا واقتصاديًا لا غنى عنه.

وأشار إلى أن تمر «بودعن» يشهد إقبالًا متزايدًا في الأسواق بفضل جودته العالية وقيمته التجارية، مما أسهم في نجاح عدد من المشاريع المتخصصة في تعبئة وتغليف وتسويق تموره بأساليب حديثة وعصرية، الأمر الذي عزز من قيمته التسويقية وفتح آفاقًا أوسع لتسويقه.

وحول جهود وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في الحفاظ على هذا الصنف، أوضح الجنيبي أن الوزارة، ممثلة بدائرة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه بالولاية، تؤدي دورًا محوريًا في دعم المزارعين وصون هذه الثروة الزراعية، من خلال تنفيذ برامج الإرشاد الزراعي والتوعية بأفضل الممارسات المتعلقة بخدمة النخيل، بدءًا من التسميد والري، مرورًا بعمليات التلقيح والحصاد، وانتهاءً بمكافحة الآفات التي تؤثر في الإنتاج.

وأضاف أن الوزارة تنفذ برامج متابعة دورية لمكافحة حشرة دوباس النخيل خلال جيليها الربيعي والخريفي في أوقات ظهورها، إلى جانب حملات مستمرة للتقصي والكشف المبكر عن سوسة النخيل الحمراء وغيرها من الآفات، بما يضمن سرعة التدخل والحد من آثارها، والمحافظة على إنتاجية المزارع واستدامتها.

وفيما يتعلق بالموارد المائية، شدد الجنيبي على أن المياه تمثل الركيزة الأساسية لاستمرار زراعة النخيل، مؤكدًا أن «النخلة لا تحيا بدون ماء»، وهو ما يجعل إدارة الموارد المائية والحفاظ عليها عنصرًا رئيسًا في استدامة هذا الإرث الزراعي العريق.

اهتمام بالموارد وقيمة متميزة

وأكد المهندس سالم بن مسعود الجنيبي أن دائرة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه تولي جانب الموارد المائية اهتمامًا خاصًا، انطلاقًا من أهميتها في استدامة زراعة النخيل، وذلك من خلال تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للأفلاج عبر طرح المناقصات وتنفيذ مشاريع التأهيل، بما يضمن استمرار تدفق المياه إلى المزارع. كما تعمل الدائرة على تشجيع المزارعين على تبني أنظمة الري الحديثة والفعالة التي تسهم في ترشيد استهلاك المياه ورفع إنتاجية النخيل.

من جانبه، قال الشيخ شاكر بن حمود بن علي آل حمودة إن تمر نخلة «بودعن» يُعد من أجود أصناف التمور وأكثرها قيمة غذائية، لما يتميز به من توازن في مكوناته الغذائية، موضحًا أن نسبة السكر فيه تقل عن صنف «الفرض» بنحو 8%.

وأشار إلى أن الدراسات العلمية أظهرت أن نسبة السكر في تمر الفرض تبلغ نحو 63%، بينما تصل في تمر البودعن إلى 55%، وذلك وفق دراسة علمية متخصصة نشرت في موسوعة «بساتين علم الفاكهة» (الجزء الثاني: نخلة التمر، المجلد الثاني: أصناف التمور في سلطنة عُمان)، التي أعدتها شؤون البلاط السلطاني.

وأضاف أن دبس تمر «بودعن» يُعد من أجود أنواع الدبس وأكثرها فائدة وقيمة غذائية، كما يتميز التمر بقابلية عالية للتخزين، إذ يمكن حفظه بطريقة سليمة لأكثر من عام دون أن يفقد جودته أو يتعرض للتلف، وهو ما يجعله من الأصناف المستدامة ذات القيمة الاقتصادية والغذائية المرتفعة.

وأوضح أن هذه المزايا أسهمت في ذيوع صيت تمر «بودعن» وارتفاع مكانته بين أصناف التمور، حتى قال فيه الأجداد المثل الشعبي: «تمر بودعن إن كلته هناك، وإن بعته غناك»، في إشارة إلى جودته العالية وقيمته الاقتصادية.

وأشار الشيخ شاكر إلى أن تمر «بودعن» يمثل مصدرًا مهمًا للطاقة بفضل محتواه السكري المعتدل، كما يحتوي على عناصر غذائية أساسية، من بينها الكالسيوم، والحديد، والبوتاسيوم، والنحاس، والمنغنيز، والمغنيسيوم، والفسفور، والألياف الغذائية، إضافة إلى الفيتامينات، مما يجعله غذاءً متكاملًا يدعم صحة الإنسان.

وأضاف أن النخلة شكّلت، على مر التاريخ، ركيزة أساسية في حياة العُمانيين، الذين أحسنوا استثمار جميع مكوناتها؛ فالتمر كان غذاءً للإنسان ودوابه، فيما استُخدم الكرب وقودًا للطهي، ودخل السعف والجريد في صناعة العديد من الأدوات والمنتجات التقليدية، لتظل النخلة رمزًا للعطاء والاستدامة في المجتمع العُماني.

النخلة.. شجرة العطاء والحياة

وأشار الشيخ شاكر بن حمود آل حمودة إلى أن العُمانيين استفادوا من مختلف أجزاء النخلة على مر العصور، فالتمر كان غذاءً للإنسان ودوابه، والكرب استُخدم وقودًا للطهي، بينما استُعمل الليف في صناعة الحبال، والعذق اليابس في كنس الأرض، كما دخل جريد النخل في صناعة الحصر التي تُفرش في البيوت والمساجد، وصناعة الخصاف، وحبال السرود المستخدمة في ربط وخياطة خصاف التمر، إضافة إلى صناعة الطفاف الذي يُفرش عند تناول الطعام، والمكشم لتغطية الأطعمة، والقفر بمختلف أحجامها واستخداماتها. كما استُخدمت جذوع النخيل وجريدها في إقامة أسقف المنازل وتشييد العرشان عندما لم تكن المساكن الطينية متوافرة، بما يعكس المكانة الكبيرة التي احتلتها النخلة في حياة الإنسان العُماني.

من جانبه، قال الباحث في التاريخ أحمد بن خميس بن محمد السنيدي، وكيل فلجي حمد وزويد، إن النخلة شجرة مباركة ورمز من رموز الأصالة والإباء العربي، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في عشرين موضعًا، ومنها قوله تعالى: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، كما شبَّه الرسول المؤمن بالنخلة لما تتصف به من كثرة الخير ودوام النفع وطيب الثمر، فهي شجرة كلها خير، كما أن المؤمن كله خير بطاعته ومكارم أخلاقه.

وأوضح السنيدي أن ولاية جعلان بني بوعلي اشتهرت بنخلة «بودعن» منذ استقرار الأهالي فيها، مشيرًا إلى وجود روايتين حول سبب تسميتها؛ الأولى أن أحد المزارعين أحاط فسائلها الصغيرة بسياج من «الدعن» لحمايتها من الأنعام، والثانية أن محصول النخلة الواحدة كان يملأ «الدعن» عند فرشه في المسطاح.

وأضاف أن عدد نخيل «بودعن» في الولاية يتجاوز 73 ألف نخلة تقريبًا، وهو الصنف الأكثر انتشارًا فيها، مبينًا أن النخلة الواحدة تنتج عادة ما بين 10 و20 فسيلة، الأمر الذي أسهم في انتشارها الواسع واستمرار زراعتها عبر الأجيال.

الجداد..

موسم تتوارثه الأجيال

وعن موسم «الجداد» وحصاد ثمار نخيل «بودعن»، أوضح السنيدي أن صاحب المزرعة يبدأ بالاستعداد بعد التأكد من نضج الثمار، حيث يهيئ «المسطاح» بفرش الجسال (جريد النخل) أو ما يقوم مقامه من الدعون والأكياس البيضاء، ثم يحدد موعدًا مع «الجدادين» الذين قد يتراوح عددهم بين شخص وثلاثة أشخاص، بحسب عدد النخيل.

وأشار إلى أن عملية الحصاد تقوم على توزيع الأدوار بين المشاركين؛ فهناك من يتلقى العذوق أثناء إنزالها، وآخرون ينقلون «الهماد» في القفير إلى المسطاح، فيما تُنقل العذوق إلى مكان مخصص لخرط البسر من الشماريخ، وهي مهمة كانت تتولاها النساء غالبًا تحت ظلال النخيل، في مشهد يجسد روح التعاون والتكافل الاجتماعي التي ارتبطت بموسم الجداد.

وأضاف أن التمر والبسر يُنقلان بعد ذلك إلى المسطاح، حيث يتولى شخص خبير عملية «التسطيح» أو «النشح»، فيوزع التمر بطريقة متوازنة تضمن تعرضه لأشعة الشمس دون تكدس أو تباعد، ثم يُترك ليجف مدة تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام، بحسب حرارة الشمس.

وبعد اكتمال مرحلة التجفيف، يختار صاحب المزرعة ومعاونوه أجود أنواع التمر، ثم يُكدس في مكان نظيف ويُغطى عدة أيام حتى يصل إلى مرحلة «التسادي»، وهي المرحلة التي يلين فيها التمر ويبدأ بإفراز عسله الطبيعي، قبل أن يُعبأ في الخصاف أو الجواني أو السطول، وفقًا لرغبة صاحب المزرعة، لتكتمل بذلك رحلة أحد أشهر أصناف التمور العُمانية وأكثرها ارتباطًا بتراث ولاية جعلان بني بوعلي.

من التخزين إلى دبس البودعن

وأوضح الباحث أحمد السنيدي أن التمر اليابس يُجمع في «الجواني» ويُخصص علفًا للأنعام، فيما تمثل مرحلة «النَّضَد» آخر مراحل تجهيز المحصول، حيث تُخزن أكياس التمر في مخزن نظيف مجهز بحفر مخصصة لتجميع دبس التمر الذي يتسرب طبيعيًا من الثمار. ويُجمع هذا الدبس في أوانٍ زجاجية ويُباع للراغبين، مؤكدًا أن دبس «بودعن» يُعد من أجود أنواع الدبس لما يتمتع به من قيمة غذائية عالية ومذاق مميز.

وأشار السنيدي إلى أن تمر «بودعن» يتميز بكبر حجم ثماره، وحلاوة مذاقه، وقدرته على الحفظ لفترات طويلة، وهو ما جعله من أكثر أصناف التمور طلبًا في الأسواق المحلية، كما يحظى بحضور دائم على الموائد العُمانية، ويُقدم مع القهوة العُمانية باعتباره أحد أبرز مظاهر الكرم والضيافة.

وفي ختام حديثه، عبّر السنيدي عن تطلع مزارعي الولاية إلى مزيد من الدعم من وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، من خلال إنشاء مصنع لتعبئة التمور في ولاية جعلان بني بوعلي، وإدراج نخلة «بودعن» ضمن برامج إنتاج الفسائل النسيجية، إلى جانب تنفيذ دورات تدريبية سنوية متخصصة لتأهيل المزارعين وتوعيتهم بأفضل الممارسات في زراعة النخيل والأشجار المثمرة.

من جانبه، قال المزارع سالم بن عامر بن سالم العلوي، أحد المزارعين القدامى في الولاية، إن نخلة «بودعن» تمثل جزءًا أصيلًا من الهوية الزراعية لجعلان بني بو علي، موضحًا أن الأهالي توارثوا زراعتها والعناية بها أبًا عن جد، وما زالوا يتمسكون بها رغم التحديات التي تواجه القطاع الزراعي، وفي مقدمتها ارتفاع درجات الحرارة، وندرة المياه، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

وأضاف أن مزارع الولاية تشهد خلال موسم الحصاد حركة نشطة، حيث يتوافد الأهالي للمشاركة في جني المحصول، في مشاهد تجسد عمق العلاقة بين الإنسان والأرض، وتعكس استمرار الموروث الزراعي الذي حافظت عليه جعلان بني بوعلي عبر عقود طويلة.

ويرى العلوي أن الحفاظ على هذا الصنف يتطلب التوسع في برامج إكثار النخيل والعناية به، وتشجيع الشباب على مواصلة العمل الزراعي، إلى جانب التعريف بأصناف التمور المحلية وإبراز قيمتها الغذائية والاقتصادية والتراثية.

وأكد أن نخلة «بودعن» ليست مجرد شجرة مثمرة، بل رمز للعطاء والاستدامة، وعنوان لأصالة المزارع العُماني، وإرث حضاري يجسد ارتباط الإنسان بأرضه، ويعكس المكانة الراسخة التي تحتلها النخلة في الثقافة العُمانية باعتبارها شجرة الخير والبركة.

واختتم العلوي حديثه بالتأكيد على أن نخلة «بودعن» تُعد من أشهر أصناف النخيل المرتبطة بالموروث الزراعي والاجتماعي في الولاية، وأن قيمتها لا تقتصر على جودة ثمارها وتميز مذاقها، بل تمتد إلى ما تمثله من قصة ارتباط وثيق بين الإنسان وأرضه، إذ تتحول أيام «الجداد» إلى موسم اجتماعي تتكاتف فيه الأسر، وتتوارث خلاله الأجيال خبرات الزراعة وطرق حفظ التمور وإعدادها، في صورة تجسد أصالة المجتمع العُماني وتمسكه بعاداته وتقاليده.

وبين عبق الماضي ومتطلبات الحاضر، تواصل نخلة «بودعن» حضورها بوصفها رمزًا للعطاء والاستدامة، وشاهدًا حيًا على الإرث الزراعي العريق الذي تزخر به ولاية جعلان بني بوعلي، ويتميز تمرها بجودته العالية، ومذاقه المميز، وقدرته على التخزين لفترات طويلة، الأمر الذي جعله يحتفظ بمكانة راسخة بين أصناف التمور العُمانية، ويظل حاضرًا على الموائد وفي المناسبات الاجتماعية، حيث يُقدَّم مع القهوة العُمانية بوصفه أحد أبرز رموز الكرم والضيافة، لتبقى نخلة «بودعن» عنوانًا للأصالة، وتجسيدًا للعلاقة الوثيقة التي تربط الإنسان العُماني بأرضه ونخيله عبر الأجيال.