فيلم "الرجل الهامس".. قصة اختطاف غامض وأسرار شخصية خفية
روبرت دي نيرو ومايكل كيتون في أحدث أدوارهما
الاحد / 16 / ربيع الأول / 1448 هـ - 18:51 - الاحد 30 أغسطس 2026 18:51
* البحث عن إضافة نوعية في عرض الشخصيات السيكوباتية
لنقترب من العالم الخفي الخاص بالشخصيات الاستثنائية التي طالما قدّمتها الشاشات على مدى عقود حلّت، تلك الشخصيات السيكوباتية والمصابة بعلل نفسية وعقلية، وهو عرض لنوع من الشخصيات التي تعيش في كل مجتمع وكل بيئة بشرية.
وهنا تبرز البراعة في الغوص في البناء النفسي والعقلي للشخصيات الإشكالية، والبراعة في رسم أبعادها، ولهذا بقي الجمهور العريض منجذبًا لسلسلة سايكو مثلًا، وبقيت شخصية أنتوني بيركنز عالقة في الأذهان منذ أمجاد هيتشكوك، وحيث توالت أفلام مثل صمت الحملان والحاسة السادسة والآخرون واللعبة والإشراق والبجعة السوداء والحلقة والخلية وغرفة الهلع وأثر الفراشة وإيكسورسيت وساو والتنين الأحمر وغيرها.
في هذا الفيلم للمخرج جيمس آشكروفت، المأخوذ عن رواية أكثر مبيعًا عند صدورها للكاتب أليكس نورث، سيناريو بين جاوبي وتشيز بالمر، سوف نعود إلى ذلك العالم الغامض والمغلق للشخصية السيكوباتية الممثلة في قاتل متسلسل غامض يستخدم أسلوب الهمس لاستدراج ضحاياه، وخاصة من الصبية، ولهذا أعيا رجال الشرطة في تحري الطريق للوصول إليه، فالغموض يكتنف كل شيء.
لا شك أن ذلك الغموض وبث الألغاز والتساؤلات التي تكون بلا إجابة من الضرورات الأساسية في هذا النوع من الأفلام، مما يدفع بقوة جمهور المشاهدين إلى الدخول طرفًا في المعادلة لجهة محاولة فك تلك الألغاز، فيما يقوم رجال التحري بمهامهم، وهنا أيضًا تبدأ الاستنتاجات والافتراضات حول دوافع المجرمين.
في هذا الفيلم، وفي وسط دوامة التحري وعجز أجهزة إنفاذ القانون، يبرز دور التحري المتقاعد بيت ويليس، يؤدي الدور الممثل الكبير روبرت دي نيرو، وقد احتفل مؤخرًا بعيد ميلاده الثالث والثمانين، يقابله فرانك كارتر، يؤدي الدور الممثل الكبير مايكل كيتون، الذي سوف يحتفل بعيد ميلاده الخامس والسبعين الشهر المقبل، هذان الممثلان الكبيران المبدعان بتاريخهما الإبداعي الطويل هما أيقونتا هذا الفيلم بامتياز، إذ يمكنني أن أنطلق منهما في قراءة هذا الفيلم ومراجعته نقديًا.
هنا تتواجه قوتا الخير والشر، حيث يعود التحري السابق لمواجهة المجرم وخاطف الأطفال، وحيث بينهما تاريخ طويل من الملاحقات أفضت إلى القبض على المجرم كارتر وقضائه حكمًا مؤبدًا في السجن، لكن ما كان قبل عقود ها هو يعود إلى الواجهة بعد اختطاف حفيد بيت ويليس، وحيث تنكأ جراح الماضي بسبب العلاقة المتأزمة المقطوعة بين الأب وابنه توم – يقوم بالدور الممثل آدم سكوت.
من جهة الممثل الكبير دي نيرو، فإنه يترك لوجهه المجهد وتعابيره الحزينة أن تعطيك الإحساس بالوحدة والعزلة والتوق للابن والحفيد اللذين حُرم منهما، فالابن توم هو روائي، والأب يتوارى خلف اسم معجب بكتاباته بسبب انقطاع العلاقة بينهما، يرسل له بطاقات الإعجاب بكتبه ويشاهد ندواته، وكل ذلك لا يتكشف إلا في وسط فجيعة خطف الحفيد، حيث تتكشف أوراق ذلك الماضي المضطرب من العلاقة العائلية المضطربة.
أما إذا عدنا إلى جوهر قضية اختطاف الأطفال بوصفه ثيمة درامية، وكيف عولجت في هذا الفيلم، فإن الإشكالية تبرز دائمًا في كيفية تقديم فيلم مختلف دراميًا وذا بناء سردي مختلف، فبالأمس شاهدنا فيلم التلفون الأسود بجزأيه، وسبق وكتبنا عنه هنا، وهو ينتمي لنفس نوع هذا الفيلم، لكن الفارق في مساحة الغموض والترقب التي يُبنى عليها السرد الفيلمي، وكيف يتم بث الحبكات خلالها، ولنقل إن ذلك هو سر الصنعة في مثل هذا النوع من الأفلام، خاصة لجهة الحبكات الثانوية التي يتم بثها تباعًا، والتي تؤدي إلى التصعيد وجعل السرد الفيلمي أكثر تشويقًا.
خلال ذلك، لم يكن هذا الفيلم بعيدًا عن مرصد النقاد السينمائيين، فمثلًا نجد أن ما كتبه الناقد 'بيتي هاموند' في موقع ديدلاين يظهر قدرًا من التفاعل مع الفيلم وإشادة بكثير من إيجابياته، إذ يقول: 'هذا العمل المقتبس من رواية 'أليكس نورث' الأكثر مبيعًا هو أحد تلك الأعمال التي قد تتوقع عادةً أن تُعرض في شكل مسلسل قصير، بما يقود إلى الإطالة المملة التي تتناسب مع متطلبات المسلسلات الطويلة. لكن ليس هذا هو الحال مع هذا الفيلم، لا تحتاج إلى وقت إضافي، وينتهي في أقل من ساعتين، فهو فيلم ميزته أنه ذو وتيرة سريعة تجذب المشاهدين وتثير فضولهم من البداية إلى النهاية. فهو مشوق ومثير في إطار أفلام الجريمة'.
أما الناقد 'جاكوب أولير' في موقع أي في كلوب فله وجهة نظر أخرى مخالفة، إذ يقول: 'يبدو هذا الفيلم باهتًا ومفتقرًا للحيوية، كما أنه يفتقر إلى الغموض الكافي، وحيث تُقدَّم أغلب الأدلة للجمهور مباشرة، بينما يبدو رجال الشرطة وكأنهم يتعافون من إصابة جماعية في الرأس.
تبدو خيوط الحبكة التي تربط بين الشخصيات والأحداث مكشوفة ومباشرة للغاية، مع حوار رتيب يسرد تفاصيل الماضي ووقائع جرائم القتل بنفس الأسلوب الرتيب والمباشر. لن تشعر بالحيرة أبدًا، لا توجد مساحة كبيرة لبناء التشويق، سواء فيما يتعلق بهوية الجاني (الذي يستدرج الأطفال الوحيدين للخارج عبر الهمس لهم من النوافذ أو فتحات البريد) أو فيما يخص حقيقة وفاة زوجة توم'.
هنالك في المقابل عدد من الاستخدامات والإحالات الرمزية التي عمد لها المخرج، ومن ذلك التصدع في السقف في خلال حوار الأب والابن، في إشارة إلى علاقة متصدعة لا سبيل لإصلاحها بسهولة، على الرغم من تسامح الأب ومساندته للابن في محنته، ثم كانت هنالك دلالة استخدام السقف المعرض للانهيار، وهو ما تم توظيفه لاحقًا لإسقاط المجرم في نوع من القضاء والقدر، وليس بكفاءة المحققين.
أما توم -الابن- نفسه، وهو المكلوم باختطاف ابنه، فقد بدا، وهو في وسط دوامة عالمه الرتيب وقد انتقل إلى منزل جديد لمحاولة نسيان الماضي، فقد بدا لا مباليًا بشكل غريب منذ بداية الفيلم لوجود ثغرات أمنية جسيمة في منزله، ومن ثم اكتشاف وجود غرفة سرية في قبو المنزل، وهو ما أنتج فيما بعد هروب شخص مجهول كان متواجدًا في داخل المنزل، مستغلًا تلك الثغرات، وهو ما أضاف نوعًا من عدم المنطقية في مضي الأحداث الغامضة إلى نهاياتها، لكنه في ذات الوقت، وفي إطار التمهيد للأحداث التالية المتعلقة بالاختطاف، فإن الحوار بين الأب وطفله يقود إلى إصرار الطفل على وجود طفلة في داخل القبو، وهو ما كان يعدّه الأب نوعًا من الهلوسة، لكن ظهور الصورة في آخر لقطات الفيلم وما يطرحه من سؤال ربما كان إشارة للمضي إلى جزء ثانٍ من الفيلم في المستقبل.
هذه الحصيلة من الأحداث تم التحشيد لها من خلال استخدام متميز للأدوات التعبيرية، ومنها إدارة التصوير المتميزة لبيتر ديمينغ، فقد واكبت الكاميرا تطورات الأحداث وتوالي المشاهد بديناميكية عالية وزوايا ومستويات تصوير متنوعة، أضافت لها موسيقى كولين ستيتسون بعدًا جماليًا إضافيًا.
...........
إخراج: جيمس آشكروفت
سيناريو: بين جاوبي وتشيز بالمر
عن رواية للكاتب أليكس نورث
تمثيل: روبرت دي نيرو، مايكل كيتون، آدم سكوت، هاميش لينكليتر
مدير التصوير: بيتر ديمينغ
موسيقى: كولين ستيتسون
ميزانية: 50 مليون دولار