ثقافة

في الذكرى العشرين على وفاته.. لقاء متخيل مع نجيب محفوظ

 

لا يزال نجيب محفوظ ظاهرة أدبية فريدة، بإبداعه المتجدد، وغزارته اللافتة، وقدرته على التعبير عن أحلام الطبقة البرجوازية التي ينتمى إليها، وصدقه، وعدم تهيُّبه من اقتحام المناطق الصعبة وإثارة الأسئلة الحرجة، كما أن شخصيته الساحرة وثقافته الرفيعة وإنسانيته التي حفظتها لنا حكايات معاصريه لا تزال تلقي بسحرها على الجميع.
خلال أغسطس الجاري تمر الذكرى العشرون على رحيل محفوظ وبهذه المناسبة يجيب كتَّاب عرب عن هذه الأسئلة: لو أتيحت لكم مقابلة نجيب محفوظ فما الحوار الذي ستديرونه معه؟ ما السؤال الذي ستطرحونه عليه؟ ما السر الذي ستخبرونه به؟ ما الذكرى التي ستشاركونها معه؟ وشهاداتهم، التي كتبها كل واحد منهم بأسلوبه الخاص، تعيد رسم صورة أخرى جديدة لكاتب نوبل.


باسمة العنزي: هربت إليك من كتب الجغرافيا والتاريخ والاجتماع!
أول ذكرى لي معك أديبنا الكبير كانت قبل حصولك على جائزة نوبل، كنت في المرحلة الثانوية فتاة تهوى القراءة، لوالدها مكتبة منزلية متنوعة، تبحث فيها عن كتاب يبدد ضجر العطلة الصيفية الطويلة، تتلقف العناوين الأدبية تاركة كتب الجغرافيا والسياسة وعلم الاجتماع في أرففها العلوية. وفي يوم اكتشفت كنزاً من عشرات الكتب مكدسة داخل صندوق حديدي تعلوه طبقة من الغبار في مخزن المنزل! فتحته كما تفتح علب الهدايا الثمينة، لتقع بين يدي رواية 'السكرية' أول عمل أقرأه لك، ذهلت من براعة الوصف وجرعة التشويق وبناء عالم كامل من الشخصيات المتحركة. بعدها وجدت في نفس الصندوق مجموعتك القصصية 'دنيا الله' ومن يومها أصبحت من كتَّابي المفضلين! كانت الجغرافيا والسياسة حاضرة في أعمالك كما كنت ضليعاً في علم الاجتماع.
وددت لو كنت بيننا اليوم أن يصلك سؤالي: هل ستستمر في الكتابة بكل واقعيتك الفنية في زمن تتراجع فيه المبادئ ويضيق الخناق على الكلمة الحرة وتنصب الأفخاخ لمن هم ضد التيار وخارج حفلة التفاهة؟ هل سيكون بإمكانك نقل شخصياتك الروائية بكل همومها وأوضاعها للقارئ دون أن تخشى محاكمة رأيك ومهاجمة نواياك وتفسير دوافعك؟ حتى في مرحلة كتابتك الرمزية كنت شجاعاً وواقعياً بشكل لن يتناسب مع معطيات وقتنا الراهن. رغم ذلك دفعت الثمن في فترة من حياتك! هل ستنجح في تحدي إحباطات الواقع وتراجع الحريات أم تخفق في التحليق بعيداً عن الحدود المرسومة وتختار الصمت؟
كثيراً ما تمنيت أن أكون بمثل انضباطك والتزامك الجميل حينما يتعلق الأمر بالكتابة. العمل وفق روتين يومي إعطاء الكتابة مساحتها الخاصة وتبجيل وقتها دون مقاطعة العالم الخارجي بكل ضوضائه ومتطلباته وتفاصيله التي لا تنتهي!
كاتبة كويتية


رمزي ناري: كم يسعدني أن ألقاكَ أخيراً
تجمَّدتُ من رهبة اللقاء، وفرَّت الكلماتُ من شفتي، بينما كانت دقّاتُ قلبي تعلو على كلِّ صوتٍ وضجيج.
أستاذَنا العظيم، مرحباً بك. كم يسعدني أن ألقاكَ أخيراً! لقد مضى على غيابك عشرون عاماً، غير أنك تبدو كأن الزمن لم يمسَّك؛ فما زالت الحاراتُ مفتوحةَ الأبواب، وما برحت الشخصياتُ التي أبدعتها تمشي بيننا، تتنفس، وتحلم، وتصارع الحياة.
ليتك تعود اليوم، فتتأمل عالمنا بما فيه من صخبٍ وتحولاتٍ رقمية وفكرية متسارعة. ترى، أيُّ مشهدٍ سيستوقفك أولاً؟ وأيُّ سؤالٍ سيقلقك أكثر من سواه؟
حدَّق إليَّ طويلاً، ولم ينبس ببنت شفة.
لو أذنْتَ لي، يا أستاذنا، أن أسألك: لو أنك شرعت اليوم في كتابة «ثلاثية» جديدة، تبدأ من الألفية الثالثة، فكيف سترسم ملامح الحارة المصرية؟ أكانت ستحتفظ بما عُرفت به من فتوَّةٍ ومروءةٍ ودفءٍ إنساني، أم أن زحام الشاشات، والعزلة الافتراضية، وهيمنة الذكاء الاصطناعي، قد بدَّلت ملامحها حتى غدت غريبةً عن نفسها؟
أستاذي، أودُّ أن أفضي إليك بسرٍّ قد يدهشك، ولعله يسرُّ قلبك أيضاً. إنك لم تكن تكتب عن ماضٍ انقضى، بل كنت تستشرف المستقبل من وراء ستار الحاضر. لقد رسمت، من حيث لا يدري كثيرون، خريطةً نفسيةً واجتماعيةً لعالمنا القادم.
فكلُّ شخصيةٍ عرفناها في رواياتك، لا تزال تتكرر بأسماءٍ جديدة ووجوهٍ مختلفة. كنت تكتب بعينٍ ترى ما وراء اللحظة، ولذلك بقيت أعمالك حيَّةً، لا يبهت بريقها.
هل تعلم، يا أستاذي الكبير، أنني منذ سنوات يفاعتي كنت أبحث بشغف عن رواياتك: «عبث الأقدار»، و«رادوبيس»، و«كفاح طيبة»؟ غير أنني لم أظفر بقراءتها إلا بعد أن تجاوزت تلك المرحلة بسنوات.
كاتب عراقي


بثينة الإبراهيم: أرجو أن تغفر لي!
أظن أنني سأصاب بحبسة الكلام إذا رأيت نجيب محفوظ، وسأنسى معظم ما كنت أود سؤاله عنه. سأسأله عن الزمن، أظنّه كان مشغولاً بهذا الهاجس بصورة أو بأخرى. أعني أني أودّ معرفة تصوّره للزمن والوقت، هل يراهما سائلين مثلاً على حدّ تعبير باومان؟ أما الأسئلة فكثيرة منها مثلاً هل أجّل عملاً ما ثم لم يعد يسعفه الوقت لإنجازه؟ (نعود للزمن والوقت مجدداً) فهو أمر يشغلني جداً وأشعر أنني في سباق معهما دائماً ولا تلوح في الأفق أي علامة على انتصاري في هذا السباق. سأسأله عن رأيه في هذا أيضاً! سأفضي له بسرٍّ كبير: لم أقرأ ثلاثيته إلى اليوم وليس ذلك إلا لأني أؤجل المتعة والدهشة اللتين سأحظى بهما عند القراءة، لكني سأفعل عما قريب وأرجو أن يغفر لي ذلك! أما الذكرى فهو المقطع من قصة 'بيت سيئ السمعة' الذي كنت أدرسه لطالباتي في منهج اللغة العربية مثالاً على الأدب الذي يناقش القضايا الاجتماعية، إضافة إلى أن تجربته الروائية، وانتقاله من الرواية التاريخية إلى الرواية الواقعية، كانت مثالاً على الرواية العربية وتطورها في المنهج أيضا.
مترجمة سورية


علي المجيني: حتى الآن أعود إلى رواياتك سراً
ربما سيكون سؤالي الأول له: لماذا لم يعد السهل الممتنع والكتابة الرشيقة من معايير تقويم الرواية الجيدة؟ وسأحاوره، في الغالب، حول الأشكال التي أنتجها التجريب في الأدب العالمي، وحول أثر الترجمة في الروائيين العرب وفي اللغة السردية العربية. وسأبوح له بأنني، رغم انشغالي بنشر الرواية العربية المعاصرة وما فيها من تجريب، ما زلت أعود إلى أعماله سراً لأختبر بها ما إذا كانت الرواية قادرة على أن تكون عميقة من دون أن تتخلى عن قارئها. وقد أطمع في أن أستأذنه في ترجمة أحد أعماله إلى الإنجليزية ونشره عبر دار عرب للنشر والترجمة. وطبعاً سأشاركه ذكرى اللحظة التي كشف لي فيها روجر آلن، مترجم عدد من أعماله، عن الحوار الذي دار بينهما إبان حصول محفوظ على جائزة نوبل للآداب، وكيف ازددت إعجاباً بروجر حين أخبرني بأن علاقته به لم تكن مهنية فحسب، بل ربطتهما أيضاً علاقة شخصية امتدت حتى رحيله.
ناشر عُماني


د. هيثم الحاج علي: 'رحلة ابن فطومة' هي درَّتك الفاتنة
لو أتيحت لي فرصة الجلوس أمام الأستاذ، في ركنٍ هادئ مثل مقهى الفيشاوي أو ريش، لكانت تلك اللحظة امتداداً لحديث طويل أدارته أجيال من القرّاء مع عالمه المتشابك بين الحارة والوجود.
سيبدأ الحوار دون تكلف، بعيداً عن صخب الجوائز، متتبعاً إيقاع الزمن في أدبه، وسينصبّ حديثي معه أولاً حول فكرة التحول؛ كيف استطاع أن ينتقل بالرواية العربية من النفس التاريخي والرومانسي إلى واقعية الحارة، ثم إلى الفلسفة والتجريب، وصولاً إلى كشوفية أحلام فترة النقاهة.
سأسأله عن تلك اللحظة السحرية التي تتحول فيها التفاصيل اليومية البسيطة، مثل وقع الخطوات على أزقة الحسين أو حركة المارة في المقهى، إلى رموز وجودية خالدة تخص الإنسان في كل زمان ومكان.
السؤال الذي سأطرحه عليه: يا أستاذ، هل كانت الحارة بالنسبة لك مجرد رقعة جغرافية شهدت نشأتك، أم أنها كانت المعمل الفلسفي الذي اختزلت فيه صراع البشرية الأبدي بين العدل والقوة، والزمن والخلود؟ وهل ترى أن الرواية الحديثة قادرة على الاحتفاظ بروح الحارة حتى وهي تتشظى في زمن الشاشات والذكاء الاصطناعي؟
السر الذي سأخبره به: أنني لا أنظر إلى مراحل كتابته كما ينظر النقاد إليها ويقسمونها إلى مراحل: التاريخية ثم الواقعية ثم الاجتماعية ثم النفسية.. إلخ، لكني أنظر إلى أعماله في ضوء تطورات الطبقة الوسطى المصرية، حين كانت تبحث عن هوية تواجه بها دعاوى الخلافة كما تواجه بها الاحتلال كتب الروايات الفرعونية، وحين بدأت الطبقة الوسطى تعاني اجتماعياً من ويلات الحرب كتب 'بداية ونهاية' و'زقاق المدق' و'الثلاثية'، وهكذا كل مرحلة هي تعبير دقيق عن تطور الطبقة الوسطى المصرية، وسأسر له أن أعمل على بحث أكاديمي في هذا الموضوع.
وسأشاركه في ذكرى لقائي الأول عام 1990 برواياته الفذة 'رحلة ابن فطومة'، تلك الرواية التي أدخلتني عالمه محملاً بدهشة وأسئلة كبرى لها علاقة بالكيفية التي استطاع بها رسم استراتيجية للرواية جعلتها توازي تاريخ العالم السياسي أجمع بالإضافة إلى تحميلها بالنقد الذاتي، وكيف أني أراها رواية فارقة هي الأولى بالترجمة.
ناقد مصري


تامر فتحي مبروك: على طاولة كازينو سان ستيفانو في انتظارك
المفترض أنني لم أولد بعد، لكنني بشكل ما أو بآخر وصلتني رسالة مفادها أن الأستاذ نجيب محفوظ وافق على أن يلتقي بي في كازينو سان ستيفانو بالإسكندرية، المدينة التي ستكون مسقط رأسي. لا أتذكر السياق الذي دفع الأستاذ للقائي، لكن على ما يبدو أنه قرأ لي شيئاً سأكتبه فيما بعد عنه، فأراد أن يلتقي بي محبة، وفرصة لصحفي ثقافي - لم يبدأ الطريق حتى- لكي يتعلم ويفهم أسرار الكتابة والصحافة.
موعدنا في العاشرة صباح صيف سبعينياتي في الكازينو، هو يحب أن يأخذ قهوته الصباحية هناك، لذا يجب أن أكون بالدقيقة أمامه، فهو سيقابل أصدقاءه ومريديه في الحادية عشرة. أتيت قبل موعدي وجلست أرتب أفكاري. ما أصعب أن تتخلى عن لذة القراءة من أجل التحليل وطرح الأسئلة! لماذا لا أجلس لأخبره كم فتنتني 'الحرافيش'، و'أفراح القبة'، وغيرهما؟ لماذا يجب أن أترك مكاني كقارئ لأفتش في النص وأسائل كاتبه؟ ماذا سأسأله؟ بالتأكيد عن حياته السرية التي لم يفصح عنها وأتتنا منها شذرات متناثرة، عن أكثر الناس الذين ألهموه، وأكثر النساء اللواتي جذبنه، وأكثر ما مارس من جنون ومجون.
سأخبره بأنني رغم محبتي لحياته وإخلاصه لفنه، لم أحب حياته الرتيبة وعمله كموظف، وأنني عشت حياة نقيض حياته؛ سافرت كثيراً وتزوجت كثيراً وأنجبت أكثر منه أطفالاً. وسأقول له إن في فترة ما في حياتي كان 'قاسم عمرو' في 'حديث الصباح والمساء' دليلي، وفي الليلة التي 'ناداه صوت ناعم للخروج من بيته فاشتمل بعباءته وخرج' خرجت أنا كذلك من أحزاني، وأن أول بنت أحببتها أهديتها رواية من رواياته كأن ذلك كان بالأمس.
اقترب الموعد وحان قدوم الأستاذ، وكل ما فكرت فيه غير قابل للنشر، فماذا أفعل؟
شاعر مصري


أمينة سعد الرويعي: حاولت ترميم روايتك!
لن أستهل حواري معه بالحديث عن الإنجازات الظاهرة كجائزة نوبل أو شهرة رواياته، بل سأغوص مباشرة في جوهر تجربته الإنسانية والإبداعية. سأشاركه سراً طالما حملته في نفسي، أن شخصياته شكَّلت معالم وعيي بالأدب وبالإنسان، وعلمتني أن القراءة ليست وسيلة للهروب من الواقع، بل هي الأداة الأعمق لفهم الذات والمحيط.
نشأتُ في بيت يعشق أدب نجيب محفوظ؛ كان والداي وخالتي يحيطون كتاباته بهالة من التقدير والمهابة، حتى إنني أذكر حادثة طفولية تعود لروايته 'السراب'. كانت لدينا طبعة قديمة جداً يحظر والدي المساس بها، وشاءت الأقدار أن تفككت صفحاتها بين يديَّ أنا وأختي، فما كان مني إلا أن قضيت الليل بطوله أحاول ترميمها وإعادة إلصاقها خوفاً ورهبة، في دلالة مبكرة على المكانة الخاصة التي احتلتها أعماله في وجدان عائلتي.
ومع مرور الأيام، كانت كتابات نجيب محفوظ المحطة الفاصلة في نضجي القرائي، حيث انتقلتُ بفضلها من البحث عن الإثارة السطحية وتتبع مجريات الأحداث، إلى التغلغل في أبعاد الشخصيات واستكشاف خبايا النفس البشرية. لقد أدركتُ أن الكتب العظيمة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تترك أثراً عميقاً يعيش مع القارئ طويلاً. وإن أبسط دليل على عبقريته هو أن شخصياته لم تعد مجرد حبر على ورق، بل أصبحت أنماطاً إنسانية حية نراها ونستحضرها في حياتنا اليومية ونشبِّه بها مَن حولنا.
لقد أتاحت لنا رواياته اكتشاف مختلف أطياف البشر، ودَفَعتنا للتأمل في السلوك الإنساني بكل تقلباته، فنجد أنفسنا نتأرجح بين التعاطف والغضب تجاه الشخصية الواحدة في آن، كما أن التجربة الحقيقية التي تستحق النقاش معه تكمن في قدرته الفريدة على الغوص في أعماق الذات لتحويل المعاناة والألم الشخصي والمشاهدات اليومية للناس إلى أعمال روائية خالدة، وكأن كل شخصية كتبها كانت جزءاً منه ومن كل إنسان في الوقت ذاته.
الحوار مع نجيب محفوظ هو حوار مع الفلسفة التي تقف خلف القلم؛ لذا سأطرح عليه سؤالاً يلامس عمق الوجود: 'هل أدركتَ، وسط كل ما مررت به من مواقف وتساؤلات، أن الحياة لا يمكن فهمها أو استيعابها إلا عبر الكتابة عنها وإعادة بعث المشاعر في أجساد الشخصيات؟ وما هو الدافع الأولي الذي جعل من الكتابة خيارك الوحيد لمواجهة هذا العالم؟'