هل نحارب الفساد بما يكفي؟
السبت / 15 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:54 - السبت 29 أغسطس 2026 19:54
تناقلت وكالات الأنباء والصحف مؤخرًا إعفاء الحكومة الصينية لمسؤولين رفيعين هما الجنرال تشانغ يوشيا النائب الأول لرئيس اللجنة العسكرية المركزية، وليو تشن لي رئيس الأركان المشتركة التابعة للجنة العسكرية المركزية، وهذان المنصبان يعدان من أرفع المناصب العسكرية، وذلك على خلفية تحقيقات سابقة أطاحت من قبل بوزيري الدفاع وي فنغ خه، ولي شانغ يو، اللذين حكم عليهما بالإعدام مع وقف التنفيذ، كما حكم على رئيس الصناعات الدفاعية تشانغ جيان هو بالسجن لعشر سنوات مع الغرامة، وكل ذلك على خلفية تحقيقات وفضائح فساد، تطال كبار المسؤولين الصينيين، ولا شك أن مثل هذه الأحكام والمحاكمات إن لم تقض على الفساد تمامًا فإنها تخيف الفاسدين والمرتشين والمسؤولين الذين يستخدمون مناصبهم ومراكزهم للاستنفاع الشخصي وزيادة الثروات والممتلكات الشخصية. لكن لماذا لم تكتف الصين بإعفائهم من مناصبهم فحسب، حفاظًا على صورتها، ولماذا اليوم في عالمنا أصبح طلب الشفافية والرقابة أهم من ذي قبل؟
الفساد في واقع الأمر يتعدى كونه مسألة شخصية، تتعلق بأخلاق أو بسلوك الفرد، حتى يهدد النظام بأكمله، فحين يعمد مسؤول ما إلى استغلال منصبه وعلاقاته من أجل مصلحته الشخصية فإن ذلك لا يتوقف عند حدود زيادة أمواله وممتلكاته فحسب، بل في الواقع يتعدى ذلك إلى نشر الفساد في كل مكان، وذلك ما يهدد سير النظام وسيادة القانون واستقراره، ويتعدى ذلك إلى هدم أركان النظام بأكمله، وقد يتعداه إلى تهديد وتعطيل الدولة برمتها.
لو استعدنا قضية ملفات إبستين، القضية التي خفتت ضجتها، فإن ما كشفته تلك الملفات كان عبارة في الواقع عن منظمة متكاملة من الفساد، تحولت إلى الجريمة باستهداف القصّر، وكان كشفها فضيحة أطاحت بشخصيات من الطبقة العليا كان أبرزهم أندرو وندسور الأمير السابق الذي سحبت عنه ألقابه. ومثل هذه الشبكات الإجرامية لا شك موجودة هنا أو هناك في عالمنا المعاصر، لكن هذه الشبكات تقوم على شبكة أخرى تحتها من الفساد المالي، فالفاسد لا يتوقف فساده عند الرشوة والاستنفاع الشخصي فحسب بل يتحول إلى فساد أخلاقي شامل.
المسؤول الفاسد عادة قصير النظر، أناني، يرى أن منصبه وسيلة لتأمين رفاهه المادي وزيادة ثرواته، فهو يتجاوز كونه فاسدًا وبسبب مركزه ومنصبه يتحول إلى مفسد وهذا أكثر خطورة، أو يشعر أن منصبه يعطيه الحق في نهب الأموال العامة، أو الخاصة، وخطورته كامنة في أن تلك الممارسات تجعله يغض النظر عما تشكله ممارساته ومنهجه من تهديد مباشر يتجاوز منصبه ووظيفته ومركزه إلى تهديد للشعب والدولة والنظام القائم.
إذا عدنا للنماذج العربية مثلًا نستطيع أن نلمس بوضوح أن الأنظمة العربية التي سقطت في العقود الماضية كان الفساد ينخر في أعمدتها لمدد طويلة، وكانت محاباة الأقارب والمسؤولين الكبار قاعدة غير مكتوبة، وكان فسادها معروفًا للقاصي والداني دون أن تكون هناك محاكمات للفساد، أو تحقيقات، إلا الشكلي منها؛ وذلك الفساد هو الذي جرأ الناس والشباب على الثورة عليها ومحاربتها، ذلك أن النظام الفاسد يتدرج في فساده حتى يعادي الشعب والدولة بشكل سافر، ولا يخدم غير طبقة صغيرة متنفذة، وهذه الطبقة نفسها تبدأ ببيع البلاد وعدم المبالاة بمصائر الناس في تنافس محموم بين أفرادها لزيادة أرصدتهم البنكية وممتلكاتهم، حتى يصل الأمر بهم للفرار من البلد والهروب مع أول اضطراب.
واقع الأمر أنه في اللحظة التي يركز فيها المسؤول على أعمال شركاته الشخصية، وفي استخدام مركزه ومنصبه لزيادة ثرائه مدفوعًا بجشع متعاظم لا يقف عند حد، فإنه يقامر بأكثر من حاله وماله وبأشياء ليست ملكه كحال ومال الدولة والشعب والنظام، لأن فساد أحد أفراد النظام يتمدد بسرعة وينتشر حتى ينخر الأسس الاقتصادية، ويحول الدولة من دولة نظام وقانون إلى دولة فساد وجريمة.
يكبر الفساد ويبدأ في تطوير روابطه الخاصة وحلقاته وجماعته واحتكاراته، حتى يجد الناس معاملاتهم وأعمالهم متوقفة لأسباب لا علاقة لها بقانون الإجراءات، بل لأنهم لم يدفعوا الرشوة المطلوبة، وتتعطل الأعمال والمشاريع، وينتقل رجال الأعمال بشركاتهم إلى بلدان أخرى بحثًا عن مشاريع وأعمال، لا لشيء إلا لأنهم يجدون أنفسهم لسبب أو لآخر خارج الدائرة التي تحتكر الأعمال والمشاريع لشركاتها ومصلحتها الشخصية، وبالتالي لا تحيق الخسارة الحقيقية بالفاسدين وحدهم، بل بالمنظومة الاقتصادية الوطنية كلها، ويتفشى الفساد اجتماعيًا بين الناس حتى يجدوا أنفسهم خاضعين له، لا يمكنهم تخليص معاملة عادية بدونه، ولا حتى أبسط الإجراءات، من الخدمة الصحية للتعليمية للتوظيف إلى الختم على الشهادة أوالجواز، فالفساد في واقع الأمر مرض اجتماعي وداء عضيل تصعب معالجته إذا تفشى، وقد يهدد حتى رؤساء الدول إذا حاربوه، ولنا في الدول الإفريقية أكثر من مثال.
في المثال الصيني فإن النظام والقانون يحظر على القادة امتلاك شركات خاصة بهم، لكن التحايل حدث بإنشاء شركات عائلية بأسماء زوجاتهم أو أبنائهم وبناتهم، كما أثبتت التحقيقات أن الأمر بلغ أن الترقيات العسكرية لرتب أعلى كانت تتم بالرشوة، هذا غير العقود المخصصة لشركات مفضلة على غيرها من الشركات، ما يعني أن المناقصات كان يتم التلاعب بها لصالح أولئك المسؤولين، والمحصلة حلقة محكمة من الاحتكار الفاسد تقتل معنى المنافسة الشريفة، وعلى كل من يرغب في الحصول على أي عقد أن يشارك وينضوي بطريقة أو بأخرى في منظومة الفساد، والمحصلة شيوع الفساد إلى درجة مخيفة، وإلى حدود الجريمة.
مع انتشار الفساد ابتداء من المال العام يتحول المجتمع من مجتمع صحي يحترم الفضيلة والأمانة والمبادئ إلى مجتمع مصلحة وجشع يغلب كل مبدأ، ويبدأ أفراد المجتمع خاصة طبقاته العليا في التنافس على تجميع الثروات، وتحطيم بعضهم بعضًا في ذلك السبيل، والفساد لا يتوقف عند المال والثروة بل يتعداهما إلى الأخلاق وانتشار الرذيلة، ويتزامن ذلك عادة مع الحرص المرضي الوسواسي على المظاهر والشكليات والبروتوكولات والرسميات، والمزيد من الكلام الأجوف عن العادات والتقاليد، وهي العادات والتقاليد نفسها التي يضرب بها عرض الحائط أو توطأ بالأقدام أمام الطمع والجشع والرغبة.
إن خطورة الفساد والمحاباة لا تقف عند حدود أصحابها أو محيطهم، بل تفسد النظام نفسه، وبفساد النظام يفسد المجتمع وبفساد الاثنين تنهار الدول ولا يفلح معها أي علاج، لذلك فإن العلاج الحقيقي هو نهج مكافحة الفساد، خاصة في الطبقات العليا وبين القادة والمسؤولين الكبار، وعدم التغطية على فضائحهم، فبالعكس كلما كان الفاسد من أصحاب المناصب كان الفساد أكثر خطرًا وضررًا وانتشارًا، وكان التهديد محققًا بأركان الدولة برمتها، وبثرواتها ومقدراتها واقتصادها وأمنها ومجتمعها وحاضرها ومستقبلها.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني