عبدالعزيز في الخمسين
السبت / 15 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:44 - السبت 29 أغسطس 2026 19:44
في إحدى قصص عبدالعزيز الفارسي تغضبُ زوجة السارد عندما تسأله عن عُمْر الميت فيجيبها: «أصغر منا بكذا سنة أو أكبر منا بكذا سنة». تصرخ في وجهه: «قل عُمْر الميتِ مُجرّدًا من أي مقارنةٍ بأعمارنا». كان عُمْر عبدالعزيز حين كتب هذا الحوار في قصة «نامي ليستيقظ الدمع ويحكي» سبعة وعشرين عامًا فقط، هو الذي بلغ منذ يومين عامه الخمسين.
كتب جورج أورويل في مذكراته قبل تسعة أشهر من رحيله: «في الخمسين، يكون لكل إنسان الوجه الذي يستحقه». وإذا كنتُ قد فهمتُ ما يرمي إليه فهو يعني أننا في مرحلة الشباب نحمل إلى حد كبير الوجه الذي ولدنا به، أما في الخمسين فنحمل الوجه الذي صنعتْه حياتنا وشخصيتنا وتجاربنا العديدة. فالخمسون إذن سنٌّ تبدأ فيها ملامح التاريخ الداخلي للإنسان بالظهور على وجهه، فيصبح الوجه نوعًا من السيرة المختصرة لصاحبه، أو كما يقول التعبير القرآني: «سيماهم في وجوههم».
لكن المفارقة أن جورج أورويل وعبدالعزيز الفارسي لم يتسنَّ لهما بلوغ الخمسين في حياتهما الفعلية؛ فقد رحل كلاهما في السادسة والأربعين تقريبًا. فهل يعني موتهما في هذه السن أن عمريهما توقفا هناك فعلًا؟ في تصوري أن الأمر ليس بهذه البساطة، لأن عمر الإنسان -عند محبيه في الأقل- لا يتوقف بموته، فهو يظل يكبر ويكبر دون أن يشيخ، ويظل حاضرًا في كثير من لحظات أحبابه البهيجة والحزينة، كأن الغياب لم يقطع صلته بحياتهم. ومن هنا أفهم تلك الشذرة السردية المؤثرة التي كتبها الأديب الكولومبي إكتور آباد فاسيولينسي في كتابه «النسيان» عن أخته مارتا: «لم تتجاوز أختي عمر السادسة عشر قط حينما ماتت.. إلا أن أمي قالت بينما نتناول الحساء بصمت: اليوم تتم مارتا عامها الخمسين»!
وهنا لا تبدو عبارة أم مارتا بعيدة عن عبدالعزيز؛ فإذا كان موت مارتا في السادسة عشرة لم يمنع أمها من تذكّر خمسينها، فما الذي يمنعنا نحن أيضًا من أن نقول إن عبدالعزيز بلغ الخمسين؟ نحن الذين نستحضره في تفاصيل حياتنا، ونتذكره في مواقف كثيرة، كأنه لم يغادرنا قَط.
ماتت مارتا بالسرطان رغم أن أباها إكتور آباد غوميس طبيب، لكنه لم يستطع إنقاذها، فهو متخصص في الصحة العامة لا السرطان. بيد أن عبدالعزيز الفارسي كان طبيب سرطان متمرسًا، وأنقذ الكثيرين من براثن هذا الوحش، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه لو كانت مارتا ابنته لتمكن من إنقاذها. هو نفسه وثق أدبيًّا عدة حالات خطفها الموت من بين يديه، أشهرها ربما خالد بطل قصته «أخائف من الموت يا أبا هاجر؟». ذلك أن الموت حين يقرر اقتحام مكان ما، لا يمنعه بابٌ موصد، ولا حارسٌ يقِظ، ولا خبرةُ طبيب، ولا دعاءُ حبيب.
ولأن عبدالعزيز بلغ هذا العمر بطريقته، خطر لي أن أتأمل قليلًا في الخمسين نفسها: ماذا تعني لمن يبلغها حيًّا، وماذا يمكن أن تعني لمن بلغها فقط في ذاكرة محبيه؟ الخمسون عمرٌ ملتبس، فالداخل فيه لا هو بالشاب، ولا بالعجوز، وربما لهذا السبب هناك من ينظر إليه بتوجّس، مثل إريكا يونج مؤلفة كتاب «الخوف من الخمسين» التي تُشبِّه هذا العمر بالطيران: ساعات من الضجر تتخلّلها لحظات من الرعب الشديد. لكن ثمة من يرى في المقابل أنه العمر الذي يدرك فيه المرء النظام الذي يحكم الحياة، وموقع الإنسان فيه، ولذلك قال الحكيم كونفوشيوس: «في الخمسين عرفت مشيئة السماء»، وكأنه يقول: في هذا العمر فهمتُ لماذا أنا هنا، وما الذي ينبغي عليّ أن أفعله، وما الحدود التي لا أستطيع تجاوزها.
في قصة أخرى لعبدالعزيز الفارسي، هي «شيزوفرينيا»، شخصية تؤمن أن «العمر قصير وسريع»، لذا تهتم بمراقبة أعمالها ومحاسبة نفسها يوميًّا لسبب غريب: «لن تكفي أيام ما بعد التقاعد لمحاسبة نفسي على كل ما فعلت في حياتي. من الأفضل البدء الآن لآخذ قدرًا من الراحة في آخر العمر»! ينطوي هذا القول على يقين ضمني من هذه الشخصية أنها ستعيش حتى تبلغ التقاعد، وهو يقين يعيشه كثير من الناس، فالموت في نظرهم في النهاية هو الأمر الذي يحدث للآخرين فقط. وهذا بالضبط ما سخر منه الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين في مقالته الشهيرة «في العمر». يرفض دي مونتين الطريقة التي نحدد بها مدة حياتنا، ويتساءل مستنكرًا: «أي وهم هذا أن ينتظر المرء موته من وهن القوى الذي تأتي به الشيخوخة القصوى، وأن يجعل ذلك غاية عمره، مع أن هذا النوع من الموت هو أندر أنواع الموت وأقلها وقوعًا؟»، ويضيف: «الموت من الشيخوخة هو موت نادر وفريد واستثنائي، وهو لهذا أقل طبيعية من سائر أنواع الموت. إنه آخر ضروب الموت وأقصاها».
وهذا يعيدني مرة أخرى إلى عبدالعزيز. فإذا كان لا قانون يحدد متى تنتهي أعمارنا، فهل يعني الموت أن العمر نفسه يتوقف؟ أظن أن الإجابة عند المحبين ستكون لا. فقد يداهم الموت رضيعًا لم يكمل الشهرين، وقد يتلكأ كثيرًا حتى يتجاوز المرءُ مائةَ عام، لكن أرواح من ماتوا لا تغادرنا بسهولة، إذ تبقى عالقة بتفاصيل حياتنا، ونستمر في استحضار أصحابها كلما مررنا بمكان أحبوه، أو سمعنا عبارة كانوا يرددونها، أو عشنا موقفًا يشبه موقفًا مررنا به معهم، أو مرّ تاريخ يذكرنا بهم.
وهكذا مرّ السابع والعشرون من أغسطس قبل يومين، فوجدنا أنفسنا نتذكر عبدالعزيز الفارسي في عيد ميلاده الخمسين، ونستعيد مواقفه وحكاياته وكلماته، كأنه ما زال حاضرًا بيننا بطريقة ما. وكأن روحه أطلت علينا منشدةً هذه الأبيات الفاتنة لصلاح جاهين: «عمري مش تلاتين، ولا حتى أربعين ولا خمسين/ عمري بيكبر ويصغر مع كل كلمة حنين/ أو كلمة قاسية تخلي قلبي حزين!».
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني