ثقافة

الحفري في "أردية الجسد".. حين تتناسل الذاكرة وتتكاثر الأسئلة

 

لا يدخل الكاتب محمد الحفري إلى الحكاية من بابها المعتاد في أحدث رواياته «أردية الجسد»، ولا يمنح قارئه أرضا مستقرة يقف عليها منذ الصفحة الأولى. يفتح له باباً على الذاكرة، ثم يدفعه إلى منطقة ملتبسة بين الحلم واليقظة، والماضي والحاضر، والذكرى والتخييل، حتى يغدو السؤال عن حقيقة ما يحدث جزءاً من متعة القراءة نفسها.

فتقرأ رواية تنطلق من جسد يبدو حاضراً في زمنه، لكنها سرعان ما تكشف أن هذا الجسد يحمل أرواحاً وأزمنة وتجارب لا تنتمي كلها إلى اللحظة التي يعيشها.


يخرج 'المنتشل' من قريته إلى دمشق بحثاً عن عمل، مصطحباً معه دهشة القروي الذي يرى المدينة للمرة الأولى.

وهنا ينجح الحفري في بناء دمشق برؤية نابضة بالتفاصيل: الأسواق، الأزقة، المطاعم، المطاحن، أبواب المدينة، حاراتها القديمة وروائحها، وتتحول تدريجياً إلى فضاء لاستعادة الذاكرة واكتشاف الذات. يبدأ المنتشل رحلته مع 'الثرثار' الذي سيتحول لاحقاً إلى أبي مرزوق، الرجل الذي يمنحه العمل والمأوى ويؤدي دوراً إنسانياً بالغ الأهمية في انتقاله من عالم القرية إلى المدينة.


وتبدأ الحكاية الحقيقية حين يلتقي المنتشل بأبي عرب، صاحب المطحنة ذي العين الواحدة. منذ اللحظة الأولى يرتبط الرجل بصورة قديمة تطارده في أحلامه: عوسج، العبد الذي عاش في زمن آخر، وارتبط بذاكرة قاسية من العنف والقتل.

شيئاً فشيئاً يتضح أن أبا عرب وعوسج صورتان لشخص واحد في ذاكرته، وأن حياته الحالية ليست منفصلة تماماً عن حياة سابقة يتذكرها على نحو متقطع ومضطرب، وعندما يتعرف إلى ليلى تصبح الحكاية الظاهرة هي الطبقة الأولى من بناء روائي أكثر تعقيدًا؛ إذ سرعان ما تبدأ «الشقوق الصغيرة» في الذاكرة بالانفتاح، فتتسلل منها صور عوسج وليليان ويثرب والصحراء وقلعة الحصن وجوليات، ويصبح الحاضر بوابة إلى حيوات سابقة تتداخل مع حياة البطل الراهنة.
هذه واحدة من أهم ألعاب الرواية السردية.

فالحفري لا يقدم الماضي باعتباره استرجاعاً تقليدياً، وإنما يجعله يتسلل إلى الحاضر عبر الأحلام، والأصوات، والأسماء، والأجساد. المنتشل الذي يصبح إسمه موسى فيما بعد لا 'يتذكر' ببساطة، وإنما يعيش الماضي مرة أخرى.

لذلك تصبح الهوية نفسها سؤالاً مفتوحاً: هل نحن امتداد لما عشناه، أم لما عاشته أرواحنا قبل أن تتخذ أجساداً جديدة؟ وهنا تكمن أهمية الجسد في الرواية. العنوان له دلالات كثيرة فالجسد هو الوعاء الذي تنتقل عبره الذاكرة والحب والألم والرغبة. و«أردية الجسد» ليست مجرد ثياب تتغير من عصر إلى عصر، بل هي الأجساد نفسها التي ترتديها الأرواح في رحلتها الطويلة. يتغير الاسم والجنس والمكان والعصر، لكن شيئًا جوهريًا يبقى ثابتاً: الحب، والذاكرة، والجرح، والرغبة في الخلاص.


موسى يعيش انتقالاً جسدياً ورمزياً من الطفولة إلى الرجولة، ومن القرية إلى المدينة، ومن الجهل إلى المعرفة، لكنه في الوقت نفسه يحمل آثار أجساد أخرى عاش أصحابها الحب والموت والاضطهاد قبله.


وتتخذ شخصية ليلى مركزاً حاسماً في هذا البناء الروائي. تظهر أولاً كامرأة غامضة ومن خلالها تتسع الرواية من قصة عشق إلى حكاية عن الذاكرة والتاريخ وتعدد الهويات. وحين تكشف ليلى عن أسماء أخرى وحياة سابقة، يصبح القارئ أمام عالم تتداخل فيه الشخصيات والأزمنة حتى يصعب الفصل بين 'ليلى' و'ليليان' و'معاني' وغيرها من الصور التي تحملها الشخصية.


قوة الحبكة تأتي من تأجيل الإجابات. كل إجابة تفتح سؤالاً جديداً والحفري لا يقدم هذه الأسئلة دفعة واحدة، بل يوزعها على مسار الحكاية، بحيث يصبح القارئ شريكاً في عملية اكتشاف الحقيقة.

ولعل أكثر ما يمنح الحبكة فرادتها هو فكرة الدورات المتكررة، فالعلاقة بين الحب والموت لا تنتهي بموت العاشقين، كما أن الخيانة أو الانتقام أو المغفرة لا تنتهي بانتهاء حياة أصحابها. كل شيء يبدو قابلاً لإعادة التجسد. عوسج يعود، والحبيبة تعود، والعاشق يعود، والرمح يعود، وكأن الزمن في عالم الرواية ليس خطاً مستقيماً، وإنما دائرة واسعة تدور فيها الأرواح بحثاً عن فرصة ثانية لتصحيح ما عجزت عن تصحيحه في المرة الأولى.


ويبرع الحفري في التقمص السردي حين يجعل الشخصية تنتقل من صيغة إلى أخرى دون أن تشعر أنها تقوم بعملية تمثيل. في لحظة تكون الشخصية شاباً اسمه موسى، ثم تصبح في الذاكرة امرأة عاشقة في يثرب، ثم فارساً في زمن الحروب الصليبية، ثم تعود إلى حاضرها.

هذا الانتقال ليس استعراضاً تقنياً بقدر ما هو محاولة لتجسيد فكرة الرواية المركزية: أن الجسد متغير، فيما تبقى الروح حاملة لأثر ما عاشته. وحين يتعرف البطل إلى قلعة الحصن قبل أن يراها فعلياً، ويستعيد تفاصيلها العسكرية بدقة لم يتعلمها، تبلغ لعبة التقمص ذروة واضحة، ويصبح الماضي بالنسبة إليه معرفة حية لا معلومة مكتسبة.


غير أن هذا الأسلوب يضع الرواية أيضاً أمام مخاطرة فنية حقيقية. فالإفراط في الانتقال بين الأزمنة والأجساد يمكن أن يربك القارئ، خصوصاً حين تتسع مساحة الحكايات التاريخية وتتشعب التفاصيل، إلا أن الحفري يعوض هذا التشعب بخيط واحد يكاد لا ينقطع: الحب الذي يبحث عن جسده، والجسد الذي يبحث عن ذاكرته.


وفي السرد، يختار الكاتب ضمير المتكلم، وهو اختيار مناسب جداً لطبيعة الرواية؛ لأننا لا نقرأ الحكاية من خارج الشخصية، إنما نعيش اضطرابها من الداخل.
أجمل ما في الرواية أن الحفري لا يجعل الحب انتصاراً سهلاً. العاشقان يلتقيان، ثم يفترقان، ويتحول الجسد إلى ذاكرة، والذاكرة إلى سؤال، والسؤال إلى رحلة لا تنتهي.
تنتهي الرواية من حيث بدأت تقريباً: بالذاكرة والجسد والغياب.

لكن المنتشل يصل إلى تحول مهم؛ فهو يدرك أنه 'ابن الحياة' وأنه لم يخلق للقتل وإنما للحب. ثم تظهر ليلى في صورة حمامة، قبل أن تطير بعيداً، في مشهد يترك الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة: هل كانت ليلى جسداً حقيقياً؟ روحاً؟ ذاكرة؟ أم أن الحب نفسه هو الذي منحها وجودها؟ 'أردية الجسد' رواية جريئة في فكرتها، واسعة في عالمها، وتملك شغفاً واضحاً بالتاريخ والمكان والجسد والحب وكثافة الأحداث والأسماء والتحولات تتطلب من القارئ انتباهاً مستمراً... قوتها الأساسية في قدرتها على تحويل الذاكرة إلى فضاء روائي، وعلى جعل الأماكن طبقات من الذاكرة تتقاطع داخل شخصية تبحث عن نفسها في وجوه الآخرين.


رواية عن الحب في ظاهره، لكنها في العمق رواية عن الهوية والذاكرة والزمن والغفران. ومحمد الحفري يخوض هذه المغامرة بثقة روائي يعرف أن الحكاية الجميلة ليست بالضرورة الحكاية التي تقدم أجوبتها، إنما تلك التي تجعل القارئ يحمل أسئلتها بعد أن يطوي الصفحة الأخيرة، ليبقى السؤال الأجمل والأكثر إلحاحاً: ماذا يبقى من الإنسان حين يتغير الجسد، ويتبدل الزمن؟ هل يتغير القلب، أم أنه يظل يبحث عن الحب نفسه، في المكان نفسه، مهما طال به الزمن؟