السيد فيصل بن علي: سادن التراث العُماني
عندما تتكلم الوثائق
الخميس / 13 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:52 - الخميس 27 أغسطس 2026 19:52
من يتصفح مقدمات المصادر الفقهيَّة والأدبيَّة والتاريخيَّة التي تم تحقيقها وطباعتها أو ترجمتها في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، سيجد حتمًا اسم صاحب السمو السيد فيصل بن علي حاضرًا، متوسدًا الصفحات الأولى، شاهدًا على حراك عُماني دؤوب لنبش التراث وتقديمه كوثيقة عابرة للزمن على المنجز العُماني في الحضارة الإنسانية، ليعيد لنا صوت الأجداد وحبر الأقلام.
ولتبقى حروفه التي سطَّرها في تلك المقدمات صوتًا يتردد على مدى الأزمان، صادحًا بإسهاماته الجليلة في حفظ التراث والتاريخ والثقافة العُمانية إبّان عهد النهضة المباركة.
في تقديم سموه لكتاب «قصص وأخبار جرت في عُمان» لمحمد بن عامر المعولي، يقول: «يشكل التراث التاريخي العُماني أنماطًا مختلفة من الكتب المخطوطة، تتناول مادتها التاريخية حقبًا زمنية وأوضاعًا معيشية تتغاير فيها أحاسيس المؤلفين لهذه الكتب، وتتباين بها مشاعر المؤرخين. والوزارة حريصة في انتهاجها خطة نشر هذه المخطوطات على أن تزود المكتبة العربية بهذه الألوان من الكتب؛ ليكون التراث العُماني في أشكاله مرادًا لحركة فكرية تضيء للنشء طريق حياتهم على هدى من ماضي آبائهم وأجدادهم».
والشاهد أن صاحب السمو السيد فيصل قاد حركة إحياء للتراث العُماني، ففي تقديمه لكتاب «السيَّر والجوابات» الصادر في عام 1986م، يقول: «إنه لمن دواعي الفخر والاعتزاز أن تشمل النهضة الحالية في عُمان حركة إحياء التراث العُماني ونشره نشرًا علميًّا». وأضاف: «ونحن إذ نقدم للعالم اليوم تاريخنا الصحيح الذي دوَّنه أبناء عُمان أنفسهم من خلال السير والجوابات، نحرص أشد الحرص على ربط ماضينا العريق بحاضرنا المتطور الناهض، وأن نستمد من تراثنا المجيد ما يجعلنا ننهض بمسؤولياتنا الجسيمة في عصرنا الحاضر وفي مستقبلنا الزاهر، إن شاء الله».
إن هذا الفكر الذي حرَّك تلك الجهود كان منبعه إيمان حقيقي بأن الإنسان العُماني ما هو إلا امتداد لماضٍ عريق، وبالرغم من حالة الجمود الحضاري التي مرت بها عُمان خلال فترة زمنية سابقة، فإنها تمكنت، من واقع هذا الأساس الحضاري المتين، من الانطلاق من جديد ومواصلة العطاء، وهو ما تحقق بالفعل على يد قيادات عُمان إبّان النهضة المباركة، كلٌّ في مجاله، وكان للتراث والثقافة مجالهما الرحب الفسيح الذي قاده السيد فيصل برؤية ثاقبة وعزيمة وثَّابة. وقد كانت الإشادة بجهود سمو السيد فيصل حاضرة أيضًا في مقدمات المحققين والمترجمين، ففي مقدمة المحقق عبد المنعم عامر لكتاب «الجامع» لابن جعفر، يقول: «وإذا كان لنا من قول آخر، فهو الإشادة بتلك الجهود التي يوليها الوزير الهمام سمو السيد فيصل بن علي آل سعيد للتراث العُماني، وقد آتت ثمارها طيبة في تلك السلسلة من الكتب الدينية الضخمة التي تغطي مساحة واسعة من آفاق الفكر الإسلامي. سدد الله خطاه، إنه نعم المولى ونعم النصير».
ولنقترب قليلًا من سادن التراث العُماني سمو السيد فيصل، الذي سُمِّي على اسم جده السلطان فيصل بن تركي، فهو فيصل بن علي بن فيصل بن تركي بن سعيد بن سلطان البوسعيدي. وُلد بمسقط في عام 1346هـ/1927م.
وتدرّج سمو السيد فيصل في التعليم، بدءًا من المدرسة السلطانية، ثم المدرسة السعيدية النظامية، وأكمل تعليمه بها، وعند تخرجه منها عام 1942م، عُيِّن مدرسًا بها، واستمر في التدريس حتى عام 1954م، حيث نُقِل إلى الشؤون الخارجية سكرتيرًا. مكث سمو السيد فيصل في وظيفته بوزارة الخارجية قرابة ثلاث سنوات، ثم غادر عُمان إلى القاهرة، وعند بزوغ النهضة المباركة في عام 1970م، عاد لشغل عدة مناصب وزارية، حيث عُيِّن مديرًا للمعارف حتى شهر مارس من عام 1971م، ثم وزيرًا للاقتصاد حتى عام 1972م، وفي بداية عام 1972م عُيِّن سفيرًا للسلطنة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، ومندوبًا دائمًا لعُمان لدى الأمم المتحدة حتى نهاية عام 1973م. وفي بداية عام 1974م عُيِّن وزيرًا للتربية والتعليم حتى عام 1976م. ومنذ عام 1976م، كان على رأس أول وزارة في الوطن العربي والإسلامي للتراث القومي والثقافة حتى فبراير عام 2002م، تاريخ صدور مرسوم سلطاني بتعيينه مستشارًا لجلالة السلطان قابوس -طيّب الله ثراهما- لشؤون التراث.
وعلى المستوى الإنساني والشخصي، اشتهر سمو السيد فيصل بن علي بكرمه ولطيف تعامله مع كل من كان حوله، فكان عميد الأسرة المالكة في حينها، وقد عاش لفترة من الزمن في مصر، وعمل بإذاعة صوت العرب من القاهرة، وهو مؤلف كتاب «سلطان واستعمار».
تنقل سمو السيد فيصل بين الدبلوماسية والاقتصاد والتعليم، واستقر في قطاع التراث والثقافة مدة 26 عامًا، واضعًا أساسًا متينًا لقطاع التراث والثقافة، حتى وفاته يوم الأربعاء، 26 من ذي القعدة 1423هـ/29 يناير 2003م، تاركًا بصمات واضحة في كل ما قام به من أعمال، وعلى وجه الخصوص في مجال حماية التراث وتنمية الثقافة وتعزيزهما، والنهوض بالتراث والثقافة بعُمان.
وتكريمًا وتخليدًا لهذه الشخصية الجليلة في خدمة التراث الثقافي العُماني، تم تأسيس متحف سمو السيد فيصل بن علي من قبل وزارة التراث والثقافة، وتم افتتاحه برعاية كريمة من جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه -عندما كان وزيرًا للتراث والثقافة لمدة 18 عامًا- في 7 يناير 2008م.
وكلمحة تنويرية، فقد تدرجت وزارة التراث والثقافة تاريخيًّا حتى ظهرت بهذا الاسم، ففي عام 1976م تم إنشاء وزارة التراث القومي، وفي عام 1979م تم نقل اختصاصات الثقافة من وزارة الإعلام والثقافة إلى وزارة التراث القومي؛ ليكون مسماها وزارة التراث القومي والثقافة، وفي عام 2002م تم تغيير مسمى الوزارة إلى وزارة التراث والثقافة، وتعيين السيد هيثم بن طارق وزيرًا، وأصبح سلطان عُمان في 11 يناير 2020م بعد وفاة السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه. وفي عام 2020م تم فصل قطاعي التراث والثقافة إلى وزارة التراث والسياحة، ووزارة الثقافة والرياضة والشباب.
واليوم، في عهد النهضة المتجددة التي يقودها رجل الثقافة والسلام، جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه-، نشهد تطورات كبيرة وجوهرية في استكمال هذا البناء المتين لقطاع التراث والثقافة في عُمان، ويجسد مجمع السيد طارق بن تيمور الثقافي قمة هذا البناء الذي وضع جلالته أساسه في 21 يناير 2024م، ويشتد البناء عوده، وسنشهد قريبًا، بإذن الله، افتتاح هذا المعلم الثقافي الحاضن للتراث والتاريخ والثقافة العُمانية، وواجهة حضارية لعُمان الإنسان والحضارة.