أفكار وآراء

ما دخل الإسكان بالسياسة؟

تُعاني برلين من أزمة إسكان حادة. الطلب يفوق العرض، والمؤجرون يستغلون ذلك لرفع الأسعار. وليس مستغربًا أن يستأجر شخص غرفة في شقة مشتركة بثلاثمائة ريال عُماني.

يُقاوم الناس رفع الأسعار بحيل عديدة كأن «يتوارثوا» العقار فيما بينهم على نحو يستديم شروط العقد القديم متفاديًا الزيادة التي تأتي مع إبرام عقد جديد.

عند انتقالي إلى برلين انضممت إلى إحدى مجموعات الإسكان التضامني هذه، ونسيت الأمر إلى أن أفقت في أحد الأيام على دراما جديدة - قديمة لها تنويعات نراها في كل مجالات الحياة، أساسها الفصل المتوهم بين السياسة والحياة اليومية.

بدأت القصة بتغيير أيقونة المجموعة إلى صورة تحمل شعار حملة: «AFD Verbot Jezt» أي «حضر البديل من أجل ألمانيا الآن».

«البديل من أجل ألمانيا» هو حزب يميني متطرف لم يحقق صعودًا ملحوظًا خلال العقد الأول من تأسيسه، لكنه حقق نتائج قياسية في 2024 عندما حل في المرتبة الأولى في ولاية تورينغن، وثانيًا في في ساكسونيا.

ميول الحزب قومية ألمانية عنصرية معادية للأجانب معادية للسامية، لكنهم يُصبحون مدافعين عنها عندما يخدم ذلك عداءهم الأشد مع المسلمين.

استجاب «مجتمع الحريات المدنية» لذلك بتكوين فريق من ثمانية قانونيين قضوا 13 شهرا في الإجابة عن سؤال ما إذا كان حزب البديل معاديا للدستور. وضع الخبراء الإجابة الطويلة عن هذا السؤال في تقرير من حوالي 1500 صفحة، أما الإجابة المختصرة فنعم؛ إذ خلص الفريق إلى أن الحزب يُقوض مبادئ الديمقراطية والكرامة الإنسانية، وبالتالي يجب حضره.

في مجموعة الإسكان التضامني على تيلجرام بدأ النقاش بمشاركة صفحة العريضة الداعية لحظر الحزب، والساعية لجمع أكبر عدد من التوقيعات، وتغيير أيقونة المجموعة لشعار «حضر البديل من أجل ألمانيا الآن». الأمر الذي اعترض عليه أحدهم قائلًا: «ظننت أن هذه المجموعة متعلقة بالإسكان!» تأتي تعليقات كهذه بالعادة من موقف امتياز يتضح أكثر مع تطور النقاش.

يأتي الرد المقابل بأن الإسكان قضية سياسية؛ ضبط الأسعار على نحو يضمن سكنًا لائقًا للجميع متعلق بالدور الذي يُعطى للدولة لتنظيم السوق. أمام هذا يلجأ صاحب الامتياز إلى عذر الغرضية، فيقول مثلًا: إن الغرض من هذه المجموعة هو مساعدة الناس لإيجاد سكن.

مشاركات كهذه قد تكون طاردة لمن يعتازون السكن، ولكنهم لا يتفقون مع وجهة النظر المطروحة.

وإذا قيل مثلًا: إن مؤيدي البديل غير مرحب بهم هنا فسيستجيب الداعي لفصل السياسة عن الحياة على نحو يجعل القول برفض الحزب معادل لقول: إن مؤيديه لا حق لهم في السكن.

هذه بالطبع مغالطة؛ فثمة حقوق أساسية يكفلها القانون، ومهما تكن توجهات المرء السياسية والأخلاقية (التوجهات والميول وليس الأفعال بالطبع) فله الحق في العيش الكريم.

إنما هذه المجموعة ذات الطابع المدني والتنظيم الذاتي فهي مجموعة دعم. ما تفعله هو التحايل على النظام لتحدي الشروط التي تجعل النظام غير عادل؛ فالنظام يعمل على نحو يُصادر حق الناس في المسكن والعيش الكريم. مقاومته تأتي عبر مجابهة السياسات والأحزاب التي تسلب حق الناس، وتأتي عبر إيجاد آليات تضامن تقاوم هذا السلب.

يمكن للداعي إلى التحييد أيضًا اللجوء إلى عذر الكفاءة، أي القول إن الغرض من هذه المجموعة هو مساعدة الناس لإيجاد سكن؛ مشاركات كهذه تخرج عن الموضوع. الخروج عن الموضوع يؤثر على فعالية المجموعة في أداء وظيفتها.

نحن أمام لحظة تاريخية؛ فاليمين في صعود، والكوكب مشتعل بالعنف، حتى يبدو أننا على شفير نهاية العالم. ينبغي المقاومة بكل وسيلة، واستغلال أي منبر حتمي لمجابهة الفاشية، ثم إن مفهوم «الكفاءة» أصبح الوحش الذي يحول حياة العاملين إلى جحيم يجعلهم يجرون في قلق تحت ضغط جائر ولساعات طويلة من أجل رفع درجة الإنتاج إلى أقصاها.

مكان العمل الذي كان يومًا امتدادًا للمجتمع - وفضاءً ممكنًا لإقامة صلات اجتماعية، سواء بين العاملين أنفسهم، أو بين مقدم الخدمة والمستفيد منها - صار اليوم امتدادًا لعزلة الفرد محكوما ببروتوكولات آلية تُلغي التواصل البشري الحقيقي.

أمر له تبعات على صحتنا النفسية، وقدرتنا على الانتظام. فأي أمل في تفعيل الاتحادات العمالية إذا ما نجح النظام في أن ينزع من الفرد إحساسه بالانتماء للمجموعة، ومنظوره بأن مصلحته من مصلحة زملائه؟

بعد أن يُتحدى عُذرَا الغرض والكفاءة يأتي عذر الهشاشة الذي يتوسل بالصحة النفسية كمخرج من المسؤولية. عند هذه النقطة يُقر الداعي لفصل السياسة عن الحياة اليومية بأن كل شيء سياسي يُسلم بأنه لا بأس من جلب السياسة إلى فضاء كهذا، فيقول: إن اعتراضه لا يأتي من عدم تسييسه، بل لأن لقدرته النفسية والعقلية حدًا.

فهو يحافظ على صحته النفسية عبر تحديد ساعات لمتابعة الأخبار، والاهتمام بالشأن السياسي، لكنه عدا هذا يتحاشى الانخراط في الشأن العام، وإن إقحام مشاركات كهذه وفرضها على الناس قسرًا أمران يخلوان من المراعاة.

يكشف هذا الموقف بالطبع درجة الامتياز الذي يملكه الشخص؛ فبينما يُجبر الناس على مواجهة العنصرية والظلم على نحو يومي يملك صاحب الامتياز رفاهية اختيار أوقات الهمّ ودرجة الانخراط السياسي مقابل أوقات الراحة. يُمكن بالطبع لشخص كهذا تجاهل الرسائل ببساطة، ولكن الاعتراض على وجودها يكشف درجة الاستحقاقية: يستحق أن يوجد دائمًا في مكان آمن.

خلاصة الأمر أن تحييد الفضاءات الاجتماعية يعني إبقاء الأمور على ما هي عليه، ويعني تقديم راحة بال أصحاب الامتياز على فرصة استغلال المساحة للاعتراض، والعمل لتغيير الواقع، ويعني أن يبقى المضطهد والمستغل والمستفيد في موقع الامتياز.