قبة من حديد وطائرات من ورق !
الأربعاء / 12 / ربيع الأول / 1448 هـ - 21:28 - الأربعاء 26 أغسطس 2026 21:28
بحسب بيانات وتقديرات سابقة صادرة من الأمم المتحدة فإن حوالي مليون طفل في قطاع غزة هم في حاجة ماسة إلى الدعم النفسي والاجتماعي، للتخلص من الاضطرابات النفسية مثل: الاكتئاب والقلق، وذلك بسبب تداعيات حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على القطاع التي خلفت وراءها مآسيَ إنسانية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني.
أطفال غزة هم الشريحة الأكثر تضررا من حرب الإبادة الإسرائيلية، وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن أكثر من 22 ألفا منهم استشهدوا تحت وطأة القصف الإسرائيلي الوحشي والعشوائي على مدن القطاع منذ السابع من أكتوبر 2023، وتشير تقارير فلسطينية أخرى إلى ارتفاع عدد الأيتام بالقطاع ممن فقدوا أحد الوالدين أو كليهما إلى 85 ألف طفل، يعيشون في بيئة قاسية وغير صالحة للحياة الآدمية؛ حيث يتعين عليهم مكابدة الظروف القاسية للبقاء على قيد الحياة، تحت سطوة وجبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تستهدفهم بشكل مقصود ومتعمد.
نعم تتعمد إسرائيل استهداف أطفال غزة بصورة مباشرة كاستراتيجية معتمدة من أعلى هرم السلطة وتمارس ضدهم انتهاكات ممنهجة وترتكب في حقهم فظائع لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاَ، فالجيش الإسرائيلي يستهدف أطفال غزة بالقتل بصورة مباشرة، ويستخدم ضدهم أدوات أخرى غاية في القسوة مثل: التجويع المتعمد والحرمان من الغذاء والدواء وإمدادات المياه النظيفة الصالحة للشرب، وحرمانهم من المأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء بتدمير منازلهم وهدمها وتسويتها بالأرض، وحرمانهم من حق التعليم بتدمير مدارسهم ومنعهم من الاستمرار في تلقي الدروس حتى في العراء والساحات المفتوحة وبين أنقاض البنايات المنهارة.
وتشير تقديرات تقارير محلية أن إسرائيل دمرت ما نسبته 90٪ من المنشآت التعليمية في غزة، وكثير من هذه المنشآت تحولت إلى مراكز إيواء للنازحين الناجين والفارين من حمم القنابل الإسرائيلية بعد أن هدمت منازلهم على رؤوسهم، ولم تعد هناك من فرصة لمواصلة العملية التعليمية التي أصبحت ترفا لا أحد يتحدث عنها، ولم تعد من ضمن منظومة الأولويات أصلا، فالبقاء على قيد الحياة هو الغاية والأولوية القصوى في غزة، وهذا ما تريده إسرائيل وما عملت على تحقيقه كهدف ضمن الأهداف السامية لدولة الاحتلال الإسرائيلي.
الضمير الإنساني في أركان الدنيا كلها يهتز ويتأثر بمشاهد البؤس والتعاسة، وتؤلمه الأوضاع المزرية التي يعيش تحت وطأتها أطفال غزة فتنهمر الدموع وتتفطر القلوب حزناَ وشفقة على أطفال غزة، إلا إسرائيل التي تهتز طربا وترقص فرحا وهي ترى هذه المشاهد وتعتبرها نصرا تحتفي به وتتبادل الأنخاب والتهاني عليه في سلوك ينافي الفطرة الإنسانية السليمة التي ترى في الأطفال نسمات رقيقة بريئة ضعيفة تستحق الرفق والحماية والمعاملة الحسنة.
وقد ترجمت الإنسانية بمختلف مشاربها الثقافية والدينية والاجتماعية في قارات الدنيا السبع هذه المشاعر الإنسانية السامية إلى ميثاق دولي معروف تمت تسميته باتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، ومن عجب فإن إسرائيل وقعت على هذه الاتفاقية في العام 1990، وصادق عليها الكنيسيت الإسرائيلي في عام 1991، ولكن كما هو معهود فيها من نقض العهود وخرق المواثيق لم تأبه إسرائيل بالاتفاقية التي وقعت عليها بل خالفت كل موادها فيما يتعلق بأطفال غزة، ويبدو أن دولة الاحتلال العنصرية لا تعترف بآدمية أطفال غزة وبالتالي لا تشملهم مواد الاتفاقية.
القانون الدولي الإنساني أخضع معاملة الأطفال في أوقات الحروب لقواعد صارمة من أجل حمايتهم بصفتهم الفئة الأكثر ضعفا؛ حيث حظر على الأطراف المتنازعة استهدافهم أو تعريضهم للتعذيب أو العنف الجنسي أو الاحتجاز التعسفي، كما نص القانون على معاملتهم كمدنيين، وضمان وصول الغذاء والرعاية الصحية والتعليم لهم، فأين دولة الاحتلال من هذه القيم الإنسانية الرفيعة؟!
أين هي من هذه القيم والأخلاق والمبادئ الكريمة التي التزمت بها البشرية ورعتها حتى في العصور القديمة، أين إسرائيل من هذه القيم وهي تستهدف أطفال غزة، وتمنع عنهم الدواء والاستشفاء بتدمير المستشفيات والمرافق الصحية، أين هي من هذه القيم الإنسانية وهي تحظر نشاط وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأنروا»، ويقتحم جنودها الثلاثاء الماضي مركز «قلنديا» للتدريب المهني في القدس الشرقية المحتلة الذي تديره الوكالة والاستيلاء عليه في خطوة تعد انتهاكا واضحا للقانون الدولي، وتقويض لأعمال الوكالة التابعة للأمم المتحدة.
ولعل أغرب وآخر ما أنتجته آلة إنتاج الغرائب والعجائب الإسرائيلية حتى الآن في آخر «تحديث» لها إصدار جيش الاحتلال الإسرائيلي تحذيراته التي اعتبر فيها إطلاق الأطفال الطائرات الورقية في سماء غزة نشاطا يستوجب الاستهداف العسكري والإخلاء!!
نعم لا يرتفع لديك حاجب الدهشة عزيزي القارئ، ولا تتبسم ضاحكا من ذلك، فإن إسرائيل لا تتوانى عن الإتيان بالمضحكات المبكيات والأعاجيب ولديها القدرة الفائقة على التعلق بالذرائع الواهية دون أن يطرف لقادتها جفن أو تتقطب جباههم حياء وخجلا، فهاتان قيمتان لا وجود لهما في نفوس وعقول هؤلاء القساة المحتلين.
منعت إسرائيل أطفال غزة الناجين من آلة القتل الإسرائيلية، ومنهم معاقون بُترت أقدامهم وأيديهم بشظايا صواريخ جيش الاحتلال منعتهم من ممارسة حقهم الطبيعي في الرتع واللعب وهل للأطفال أغلى وأحب من اللعب واللهو البريء، منعتهم إسرائيل من آخر مظهر من مظاهر الفرح التي تبقت لهم إمعانا منها في تدمير صحتهم النفسية واغتيال طفولتهم وطمس البراءة فيهم.
إسرائيل التي هي عبارة عن «ترسانة» سلاح ضخمة تحوي بداخلها كل أنواع الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل من القنابل النووية والبيولوجية والكيماوية إلخ، وتَظِل أجواءها «قبة حديدية» صممت لتدرأ عنها هجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة وتمتلك منظومات دفاع جوي متقدمة ورادارات شديدة الحساسية ترصد رفة أجنحة الفراشة، ورغم ذلك تخشى إسرائيل من طائرات ورقية صنعتها أنامل أطفال يافعين أنهك الجوع أجسامهم الصغيرة، طائرات لعب ورقية يطلقها أطفال غزة وهم يتضاحكون ليفرجوا عن أنفسهم في بيئة يحيط بها البؤس والحزن والهم والغم من كل جانب، لكن إسرائيل تعتبر ذلك مهددا وجوديا لها يقتضي استنفار آلتها العسكرية وانعقاد اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي لبحث خطر الطائرات الورقية التي يطلقها أطفال غزة ليصدر بعده قرار بالتصدي العسكري لها.
الحكومة الإسرائيلية في تبريرها لقرارها العجيب تقول إن طائرات أطفال غزة (المكونة من ورقة وخيط رفيع) قد تستخدم لجمع معلومات استخباراتية، قالتها الحكومة الإسرائيلية بلا استحياء وبلا مخافة أن تكون مقالتها هذه محل سخرية واستهزاء من شعوب العالم!!
ولأن إسرائيل لا تؤمَن بوائقها وحالها كحال الثور في مستودع الخزف فقد سارعت العائلات وأولياء أمور الأطفال إلى منع أطفالهم من اللعب بالطائرات الورقية خشية وخوفا عليهم من تعرضهم للقصف الإسرائيلي أو تهجيرهم من أحيائهم بسببها، وقد انتشرت مقاطع مصورة توثق مشهد الأطفال وهم يمزقون طائراتهم الورقية تفيض أعينهم من الدمع حزنا عليها وعلى متعة بريئة ولهو بريء للتفريغ النفسي ومحاولة التكيف مع الظروف الصعبة حولهم وهو آخر ما تبقى لهم من مظاهر الفرح والسرور. ويتابع الأسوياء من الناس حول العالم هذا المشهد الدرامي المحزن بقلوب منكسرة متعاطفة مع أطفال غزة، بينما تتهلل أسارير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، ووزير الأمن القومي بن غفير ووزير المالية سموتريتش فرحا وسرورا على انكسار قلوب أطفال غزة وحزنهم وحرمانهم من حقهم الطبيعي.
الأمم المتحدة نددت بالمسلك الإسرائيلي وأعربت عن أسفها لما وصفته بالخطاب غير المقبول من «قادة إسرائيليين» ووصفت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان الخطوة الإسرائيلية بـ «الأمر المشين» وازدراء تام للقانون الدولي ولحقوق الإنسان والقانون الإنساني.
وقد استوقفني تعبير «الأمر المشين» في وصف المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة وهو تعبير جمع فأوعى، فالادعاء بأن الطائرات الورقية تهدد الأمن القومي الإسرائيلي ادعاء مشين، والتذرع بإطلاق الطائرات لتبرير الرد العسكري عليها وإخلاء السكان من المنطقة التي أطلقت منها الطائرات الورقية هو تذرع مشين، والقول بأن هذه الطائرات الورقية تطلق لجمع معلومات استخباراتية هو قول مشين، وإعلان كل ذلك على الملأ بلا استحياء هو عمل مشين، والاحتلال عمل مشين
ولا عجب فإن إسرائيل على بعضها «عمل غير صالح».