أعمدة

«طوبى للغرباء» في سباتهم

قبل أكثر من 1448 سنة بدأت رحلة الإسلام، رحلة نحو الخلود، أنقذت الإنسان من شروره، واستطاعت أن تنطلق به في فضاءات الروح، تحمل ملكوتها، وتشعل في نفسه جذوة العقيدة، سنوات طوال استغرقتها تلك الرحلة من مهدها الأول، من منبتها في مكة، حتى استقرارها في المدينة المنورة؛ حيث كان الناس متعطشين لمن ينقذهم من براثن الجاهلية الأولى، إلى نور الحق المبين، وهناك -في المدينة- بدأ الإسلام في الظهور، فعلا شأنه، وارتقت مدارك المسلمين، ورأوا في هذا الدين ملاذهم الآمن الذي يوفر لهم الحياة الكريمة، والقوة، والعزة.

وتوالت السنون، وبعد ارتقاء الرسول الأعظم إلى ملكوت الله، توالت الخطوب، وتمرد المتمردون، وأراد (المتنفذون) فرض شروطهم الجديدة على المؤمنين، ولكن المتمسكين بأهداب الدين، أخمدوا تلك الفتنة، وأزاحوا من طريقهم أول تمرد في الإسلام، ثم توالت الفتوحات، وبدأت ثمار العقيدة ترسخ في قلوب المسلمين، فكان الجهادُ في سبيل الله،

ونشرُ الدين في أنحاء الأرض، واحدا من ركائز المعتقد، وبذلك تمت فتوحات عظيمة، من قبل مؤمنين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، غير أنّ الحال تغيّر بعد فترة من الزمن، حين توسعت الدولة الإسلامية، وترامت أطرافها، وظهرت حركات التمرد واحدة تلو الأخرى، وتحولت حروب العقيدة، إلى معارك لبسط النفوذ،

والإمساك بزمام السلطة، فبدأ الوهن يدب في أطراف الخلافات، واحدة تلو الأخرى، وكلما جاءت خلافة أبادت من قبلها، حتى فُرّغ الإسلام من محتواه، وأصبحت الخلافات الوراثية -بعد عهد الخلفاء الراشدين- هي الشكل الجديد للحكم، حتى أن جاء عام 1924م، حين انتهت الخلافة العثمانية، فانتهت الدولة الإسلامية بهيبتها، وسطوتها، وجبروتها، وتم تقسيم التركة التركية من الممالك والأراضي المسلمة على دول أوروبا المستعمرة؛ حيث عاثت فسادا في البلاد والعباد، واستطاعت بكل بساطة أن تسيطر على العقل العربي، وأن تطبق مبدأ (فرّق تسد)، ومن حينها صمت الصوت الإسلامي ولم يعد له صدى.

هذا التطواف السريع، والعام، يلخص ملحمة طويلة مرت بها الدولة الإسلامية بين رحى القوة، والضعف، والسيادة والخضوع، والوحدة والتشرذم، حتى استقر الوضع على ما نحن عليه اليوم، وبتنا ننادي الأموات في قبورهم كي ينقذوا واقعنا من سطوة الأحياء،

وصار عدو الأمس هو صديق اليوم، وصال اليهود وجالوا، وعاثوا فسادا في مساحات الأرض العربية والإسلامية، ولم يستغرق الوقت أكثر من سبعين عاما كي يحوّل اليهود سرديتهم المريضة عن فلسطين إلى واقع نعيشه،

ويفرضوا واقعا تراجيديا مخيفا، وبعد أن صرخ العرب على المنابر الأممية، وبكوا وتباكوا، يجدون أنفسهم اليوم مجرد أمة على هامش العالم، أمة لا تملك قرارها، ولا كلمتها، وتستجدي عدوها كي ينصرها على عدوها ! حيث يباد أخوتهم في فلسطين، ولا يلقون من يمد لهم يد العون من المسلمين.. فإلى أي حال سقطت هذه الأمة، وإلى أي طريق مظلم تسير؟!

قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا، فطوبى للغرباء..)، وها هو واقع الغرباء أسوأ من الخيال، وها هي أمة الحق تغط في سبات عميق، وبات إنقاذها من موتها السريري بحاجة إلى معجزة ربانية كبرى، وما ذلك على الله بعزيز.. فطوبى للغرباء في يوم مولد سيّد الثقلين، الذي ترك لنا رسالة عالمية إنسانية خالدة، فأضعنا بوصلة الطريق، واكتفينا باحتفال، وخطب جوفاء في يوم مولده الكريم.