الأدب جسرًا
الأربعاء / 12 / ربيع الأول / 1448 هـ - 20:36 - الأربعاء 26 أغسطس 2026 20:36
رسائل دخان تنتظر من يراها ويفهمها. ذلك الغريب، في مدينة غريبة. الذي لا يعرفه الكاتب، لكنه يحكي له جزءاً من حياته، مخترقاً حواجز اللغة والزمن والجغرافيا. يبدو الأدب كمحاولة لنقل التجربة الإنسانية بين البشر، كاسراً العزلة التي تفرضها الحياة.
يخبرنا الأدب أننا لسنا وحدنا. إننا جزء من مجموعة إنسانية كبيرة، نتبادل معها الخبرات والحكايات عن طريق الأدب. يقول سي. إس. لويس: «نقرأ لنعرف أننا لسنا وحدنا». لا يعلمنا الأدب أننا متطابقون، لكنه يخبرنا أننا وإن كنا معزولين لكننا لسنا وحيدين.
فكشف للعالم -بمقدار كوة في سور البلاد المعزولة- عن حكايا ثرية مدهشة.
صنع الطيب صالح سودانه الخاص، وحكى عنه متبعاً الحنين. بهذا الحنين يمكن أن نقرأ محبته الكبيرة لبلاده وأهله، مع غيابه عن قريته وانقطاع تواصله عن أماكن كتب عنها وجمّلها قبل أن يطأها الزمان. الرجل الذي اتخذ الكتابة رابطاً بينه وبين الماضي ربما عاش إلى الأبد في تلك الذكريات. سكن الجسر، ليحفظ صورة ملونة في الذاكرة، بينما تمشي على الحقيقة الأيام بمعاول الهدم أحادية اللون.
ما رجع الطيب صالح لبلاده ليرى كيف أكل «الهدّام» دومة ود حامد فذهب بها شمالاً كجثة. ما رجع ليرى كيف فاض النيل فهدم بيت العمدة وأطاح ببنيان المسجد القديم. أمّا الذين ما نجوا من الموت فما نجوا من الحياة. كتب الطيب صالح عن شخصيات حقيقية عاشت في قريته كرمكول بشمال السودان.
لذلك ربما كانت افتتاحية روايته الأشهر «موسم الهجرة إلى الشمال» تقول: «عدت إلى أهلى يا سادتي بعد غيبة طويلة». يصبح الأدب هنا جسراً مع الأصل. رابطاً الإنسان بماضيه وبما خلف وراءه.
مقترباً مما قاله الشاعر محمد عبدالحي في «العودة إلى سنار» : «الليلة يستقبلني أهلي/ أرواح جدودي تخرج من/ فضة أحلام النهر، ومن/ ليل الأسماء». يبدو الأدب هنا باباً سرياً يقطع صحراء الحنين ليعيد المرء إلى أهله. هل لذلك اختار الطيب صالح لشخصية الولي الصوفي في رواية «عرس الزين» اسم «الشيخ الحنين»؟
يصف كافكا الكتابة أنها «الفأس الذي يحطم البحر المتجمد داخلنا». عنده تصبح الكتابة جسراً مع الذات. بها يتعرّف المرء على نفسه ويكشف ما يختبئ تحت سطح الجليد. تقربنا الكتابة عند كافكا من أخطر الوحوش وأكثرها ألفة، أنفسنا. يقول مارسيل بروست: «كل قارئ حين يقرأ هو قارئ لنفسه». بهذا يبدو الأدب أقرب إلى عملية تنقيب ذاتي، يتصالح فيها المرء مع نفسه بعد اكتشافها.
هل يجعلنا الأدب -حسب مفهوم كافكا- أكثر عزلة إذ يغرق المرء في ذاته؟ ربما. لكن هل من غربة في تصالح المرء مع نفسه التي بين جنبيه؟ يستطيع الأدب أن يكون الجسر الذي ينقل المرء من عزلة أن يكون «وحده مع الآخرين»، ليفهم الآخرين بفهم نفسه.
وهذا بعض ما يقدمه الأدب، شارحاً الذات لصاحبها ومرتباً فوضى الوجود ليصبح أكثر معقولية. ففي الأدب، وربما في الأدب وحده، يكون العالم منطقياً قابلاً للفهم. قد لا يقتل الأدب الوحدة، لكنه يجعلنا أقل عزلة. ربما لا يعيدنا إلى أحبابنا، لكنه يحفظ سيرتهم غضة. يقيناً لا يغير الأدب العالم بشكل مباشر، لكنه على الأقل يجعل الإنسان أكثر قابلية للفهم وألا يكون وحيداً.