من طرق اللبان إلى جسور الحضارة
الثلاثاء / 11 / ربيع الأول / 1448 هـ - 21:20 - الثلاثاء 25 أغسطس 2026 21:20
عبرت من ظفار طوال قرون قوافل وسفن حملت اللبان إلى موانئ بعيدة، وكانت الطرق التي سلكتها تحمل معها حكايات الناس وأفكارهم وعاداتهم، وتضع عُمان في قلب شبكة واسعة من التجارة والتواصل. واليوم تستقبل المحافظة وفد منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ضمن برنامج «جسور الحضارة» في لقاء يستعيد بأدوات العصر الوظيفة التي أدتها طرق اللبان في وصل الأمكنة والثقافات.
تنبع أهمية البرنامج من الطريقة التي يعيد بها تعريف التعاون الثقافي بين الإيسيسكو ودولها الأعضاء؛ فانتقال خبراء المنظمة إلى المواقع والمؤسسات، ولقاؤهم بالمسؤولين والفاعلين في الميدان، يمنح الدول الأعضاء موقع الشريك المنتج للمعرفة والخبرة، ويجعل البرامج المشتركة أقرب إلى الاحتياجات الوطنية والخصوصيات الثقافية لكل مجتمع.
ويحمل اختيار ظفار دلالة تتصل بطبيعة المحافظة وتاريخها؛ فقد تشكلت هويتها الحضارية عبر صلات ممتدة بشبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي وشرق أفريقيا، واحتفظت بتراث مادي وغير مادي يكشف أثر ذلك التفاعل في حياة الناس وذاكرة المكان. وهي تشهد في الوقت نفسه حركة تنموية وسياحية تمنح الوفد فرصة لرؤية العلاقة بين صون التراث والاستفادة منه في بناء اقتصاد محلي أكثر تنوعا.
هذا البعد مهم للعالم الإسلامي الذي يضم مجتمعات شديدة التنوع أسهم كل منها في تشكيل حضارته من موقعه وتجربته التاريخية. وتحتاج هذه المجتمعات إلى معرفة أعمق بعضها ببعض، وإلى مؤسسات قادرة على جمع الخبرات المتفرقة وتحويلها إلى معرفة مشتركة. فالحضارة الإسلامية لم تتكون في مركز واحد، وإنما صنعتها مدن وموانئ وطرق تجارية ومدارس علمية امتدت عبر قارات عدة، وكانت عُمان حاضرة في جوانب مهم من هذا التاريخ.
وتستطيع زيارة الإيسيسكو أن تفتح مسارات عملية للتعاون مع المؤسسات العُمانية في صون المواقع الأثرية، وتوثيق التراث غير المادي، وتدريب الكفاءات، ورقمنة السجلات، وتطوير السياحة الثقافية، وإشراك المجتمعات المحلية في حماية إرثها. كما يمكن لخبرة ظفار أن تدخل ضمن شبكة أوسع لتبادل التجارب بين المدن والمناطق التاريخية في الدول الإسلامية.
وتمنح الدبلوماسية الحضارية سلطنة عُمان مجالًا إضافيا لتوسيع حضورها القائم على الحوار وبناء الثقة. فالثقافة تهيئ للعلاقات بين الدول أرضية إنسانية عميقة، وتمنح التعاون المؤسسي امتدادًا يتجاوز عمر البرامج والاتفاقيات.
وعندما تختتم الزيارة في الثامن والعشرين من أغسطس ستكون أمام الجانبين فرصة للبناء على ما رآه الوفد وناقشه. عندها تمتد الجسور من طرق اللبان القديمة نحو مشروعات جديدة تحمل المعرفة والخبرة، وتعيد إلى الثقافة دورها في جمع المجتمعات وصناعة مستقبلها.