عادة تشن الحروب لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية من خلال خطة واضحة وتقديرات وحسابات دقيقة، ومع ذلك قد يحدث الإخفاق في مرحلة ما من الحرب لأسباب لا تعود إلى خطط الحرب، ولكن بسبب عوامل خارجية أو حتى داخلية كالانتخابات مثلا أو لمتغيرات اقتصادية تؤثر على المجتمعات من خلال زيادة أسعار البنزين والتضخم وزيادة الدين العام.
في الحالة الأمريكية تشن الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ظل حسابات غير دقيقة، وفي ظل مناخ سياسي إيجابي كان الأقرب إلى تحقيق الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال الجهد الدبلوماسي العماني المتواصل على عدة جولات شهدتها مسقط وروما وجنيف.
وتحقيق الأهداف من خلال الحرب كانت تقديرات غير دقيقة من الموساد الإسرائيلي، ورغم المعارضة من بعض جنرالات الجيش الأمريكي إلا أن الرئيس الأمريكي ترامب ومعه وزيرا الحرب والخارجية وهم من المتشددين في البيت الأبيض خاضوا الحرب، وكانت الضربة الأولى كبيرة فعلا؛ حيث قتل المرشد الأعلى وعدد من القيادات العسكرية والسياسية، وكانت الخطة تقتضي خروج ملايين من الشعب الإيراني إلى شوارع طهران وبقية المدن الإيرانية، وهذا يعني إسقاط النظام الإيراني.
في علوم الاستراتيجيات العسكرية تعد الضربة الأولى مهمة، ولكن الأكثر أهمية هو: هل تستوعب إيران الصدمة الأولى أم يسقط النظام؟ فهذا كان هو الهدف الاستراتيجي للحرب.
ونجاح إيران في استيعاب الضربة الأولى أوقع الرئيس الأمريكي ترامب في مأزق كبير يعاني منه حتى الآن، خاصة أن الاستراتيجية الإيرانية تعتمد على حرب الاستنزاف، وهي من أقسى الحروب.
ومن هنا ظهرت الجوانب السلبية العسكرية الأمريكية من خلال استنزاف الصواريخ وظهور عقدة مضيق هرمز، التي أهدتها واشنطن لطهران لتكون هي العقبة الأساسية للحرب، وأصبحت معركة مضيق هرمز هي المعركة البحرية الأساسية؛ حيث التأثيرات الكبيرة على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة، وخلق حالة من عدم الاستقرار في المنطقة.
تأثرت دول المنطقة اقتصاديًا وتجاريًا وأمنيًا بسبب الحرب التي تعد مقامرة غير محسوبة. وفي ظل الفشل العسكري بعد أسابيع من الحرب والهدنة وتوقيع مذكرة التفاهم توصلت الإدارة الأمريكية إلى تطبيق الحصار الاقتصادي لتحقيق الأهداف السياسية التي عجزت إدارة الرئيس الأمريكي ترامب عن تحقيقها عسكريًا. ومن هنا أشعل ترامب حربًا اقتصادية كارثية، ليس فقط على إيران، ولكن على العالم، وهنا تكمن الكارثة.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية واجهت العقوبات الاقتصادية منذ عام 1979، وتأثر اقتصادها بشكل كبير، وأصبحت العملة الإيرانية تعاني الأمرّين، وهذا شيء صحيح.
ومع ذلك، فإن العقوبات الاقتصادية، مهما كانت قسوتها، لا تغيّر أنظمة سياسية، وهنا يحدث الخطأ الاستراتيجي الثاني لإدارة ترامب، علاوة على أن دول العالم، من الناحية الفعلية، لا يمكن أن تقاطع إيران وتخسر الكثير من مصالحها الاقتصادية والتجارية، خاصة في مجال الطاقة.
ولعل الصين نموذج مهم في هذا الإطار، علاوة على روسيا الاتحادية ودول آسيا الوسطى التي ترتبط مع إيران جغرافيًا وعرقيًا وحضاريًا، إلى جانب عدد من الدول في القارات الخمس.
العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران تعد غير قانونية لأنها لم تصدر بقرار من مجلس الأمن الدولي، وهذا يعد تعديًا صارخًا على منظومة القيم القانونية. كما أن الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران سوف تضر بالداخل الأمريكي من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت تجاوز فيه الدين العام الأمريكي 40 تريليون دولار، وهو الأعلى في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن سياسة العقوبات الاقتصادية أسلوب غير أخلاقي؛ لأنها تضر بمصالح الشعوب أكثر من الأنظمة السياسية.
وعلى ضوء ذلك، فإن خيار العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران سوف تكون له تبعات كبيرة على الشعب الإيراني، لكنه سوف يفشل سياسيًا كما فشل الخيار العسكري. ومن هنا، فإن الخيار الأوحد هو العودة إلى الدبلوماسية من خلال جهود الوسطاء، سلطنة عُمان وقطر وباكستان، ومن خلال تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقعها الجانبان الأمريكي والإيراني.
الرئيس الأمريكي ترامب يريد مخرجًا من المأزق، خاصة أن الوقت يزحف بسرعة نحو شهر نوفمبر، حيث الحدث الانتخابي الأهم، وهو الانتخابات النصفية للكونجرس، التي يخشى الرئيس الأمريكي أن يخسر فيها حزبه الجمهوري الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ.
وإذا حدث ذلك، وهو الأرجح حسب استطلاعات الرأي، فسوف تكون النتيجة كارثية على مستقبل الرئيس الأمريكي ترامب خلال ما تبقى من وجوده في البيت الأبيض، وعلى مستقبل الحزب الجمهوري، وأيضًا على سلطة ترامب، وهو يواجه الحزب الديمقراطي الذي سوف يوجه سهام اتهامات كثيرة إلى الرئيس ترامب.
الحرب الاقتصادية تعد كارثية على الشعوب، كما تمت الإشارة، وهي سابقة غير أخلاقية لتحقيق الأهداف السياسية. ومن هنا، فإن هناك 90 مليون إنسان في إيران سوف يعانون بسبب تلك العقوبات الاقتصادية القاسية، مع التأكيد أن إيران، ووفق تجارب سابقة، لن تذعن للعقوبات الاقتصادية، ليس فقط لأسباب سياسية، ولكن تدخل هنا الكرامة الوطنية وتراكم الخبرة الإيرانية فيما يخص فلسفة العقوبات الاقتصادية التي تتواصل منذ عام 1979، وإن كانت بشكل متدرج.
إن عودة المفاوضات هي الخيار الأفضل، وهناك جهود دبلوماسية تبذلها سلطنة عُمان من خلال زيارة مهمة يقوم بها وزير الخارجية معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي إلى طهران، حيث يترقب العالم حدوث انفراج سياسي بين واشنطن وطهران، نحو التقدم إلى طاولة الحوار مجددًا، وتنفيذ مذكرة التفاهم وإنهاء الحرب التي وضعت منطقة الخليج العربي في فوهة بركان، كما أشرت في مقال سابق تحت هذا العنوان.
تواجه منطقة الخليج العربي مشكلات كبيرة وحالة من عدم الاستقرار، إلى جانب مخططات الكيان الصهيوني.
ومن هنا، فإن الإدارة الأمريكية لا بد أن تراجع حساباتها ومصالحها في المنطقة، وألا تكرر الأخطاء الاستراتيجية من خلال الانسياق وراء مخططات نتنياهو، الذي يريد أن تعم الفوضى منطقة الشرق الأوسط.
إن العالم، كما يقال، يقف في مفترق طرق، ويترقب جولة جديدة من المفاوضات الأمريكية الإيرانية وإنهاء الصراع والعودة إلى بعض محددات الاتفاق النووي الإيراني الموقع عام 2015، الذي كان أكثر إحكامًا على البرنامج النووي الإيراني قبل أن ينسحب الرئيس الأمريكي ترامب من ذلك الاتفاق النووي الجيد عام 2018، ويدخل بلاده والعالم في مأزق كبير بشن حرب لم تكن واقعية.
يواجه الرئيس الأمريكي ترامب ضغوطًا داخلية معقدة، ولعل خيار العقوبات الاقتصادية جاء بعد فشل الخيار العسكري، ومعه فشلت الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في تحقيق أهداف الحرب.
وعلى ضوء ذلك، فإن خيار العقوبات الاقتصادية سوف يفشل هو الآخر، والسبب أن الكثير من دول العالم لن تضحي بمصالحها، وثانيًا ليس هناك حجة قانونية في فرض العقوبات الاقتصادية، كما أن الداخل الأمريكي يضغط على الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في ظل مؤشرات اقتصادية سلبية.
ومن هنا، فإن الآمال معقودة على نجاح جهود بلادنا سلطنة عُمان والآخرين في تجنب الأسوأ وعودة المفاوضات للوصول إلى حلول واقعية وعادلة تنهي معها معاناة المنطقة، حتى يبدأ التفكير مجددًا في أخذ العبرة والدروس في أهمية إقامة نظام أمني إقليمي بدأت بعض ملامحه في الظهور.