أفكار وآراء

هل تحتاج الصحافة إلى ميثاق أخلاقي جديد؟

في حفل استقبال الدفعة الجديدة بكلية الإعلام للعام 1980، وقبل أن نعرف شيئًا تقريبًا عن برنامجنا الدراسي أو المقررات التي سنقضي أربع سنوات في دراستها، وقف أمامنا أحد كبار أساتذة الإعلام في ذلك الوقت الدكتور خليل صابات، رحمه الله، وقال لنا إن لكل مهنة أخلاقيات، ومهنتكم التي اخترتموها لا تقل أهمية عن مهنة الطبيب وربما تتفوق عليها، فالطبيب يعالج أمراض الأفراد، أما أنتم فسيكون عليكم علاج أمراض المجتمع، ولذلك فإن لمهنتكم أخلاقيات تحكم ممارستها وتحدد مسؤولية من يعمل فيها تجاه الناس جميعا.

أذكر جيدًا أنني خرجت من ذلك اللقاء مدركًا، للمرة الأولى، أن دراسة الصحافة لن تكون مجرد تعلم كيف نكتب الخبر أو نجري الحوار أو نصنع الصحيفة، وإنما كيف نمارس هذه المهنة دون أن نتخلى عن مسؤوليتنا الأخلاقية.

ويبدو أن كلمات أستاذي الراحل تركت لديَّ أثرًا ظل يرافقني طوال مسيرتي العملية والأكاديمية. فقد ظلت أخلاقيات الصحافة واحدة من القضايا التي شغلتني، وحرصت على تدريس المقررات المرتبطة بها في الجامعات التي عملت فيها، وعلى أن أرسخ في أذهان طلابي أن تعلم مهارات مهنة الصحافة لا ينفصل عن تعلم مسؤولياتها.

وامتد هذا الأثر إلى البحث والتأليف، فأصدرت عام 2009 كتابًا عن قوانين وأخلاقيات العمل الصحفي، وشاركت مع زملائي بقسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس في إعداد أول ميثاق شرف إعلامي في سلطنة عُمان، الذي أقرته جمعية الصحفيين العُمانية في عام 2017، ثم عدت إلى الموضوع من زاوية أوسع في كتابي عن تنظيم الإعلام الصادر في عام 2022، والذي تناولت فيه أخلاقيات الصحافة باعتبارها أحد أشكال التنظيم الذاتي للمهنة، إلى جانب بحوث ومقالات ناقشت قضايا أخلاقية مختلفة في العمل الصحفي.

مرت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم، تغيرت خلالها الصحافة ووسائلها وأدواتها بصورة ربما لم يكن يتخيلها أحد. انتقلت الصحافة من الورق إلى الشاشات والمنصات الرقمية، واتسعت دائرة من ينتجون الأخبار خارج المؤسسات الإعلامية التقليدية، من الصحفيين المستقلين إلى صناع المحتوى والمؤثرين، وأصبحت المعلومات المضللة تنتشر بسرعة غير مسبوقة. وكان طبيعيًا أن تضع هذه التحولات كثيرًا من القواعد الأخلاقية التي عرفتها الصحافة أمام اختبار جديد.

فهل ما زالت مواثيق أخلاقيات الصحافة التي عرفناها قادرة على التعامل مع هذه البيئة الجديدة؟

لست وحدي بالطبع من يعيد طرح هذا السؤال. ففي الولايات المتحدة، طرحت جمعية الصحفيين المحترفين في العاشر من أغسطس الجاري مشروعًا لتحديث ميثاقها الأخلاقي، وفتحت مسودة التعديلات المقترحة للنقاش والمراجعة، في أول تعديل محتمل للميثاق منذ عام 2014، وذلك استجابة للتحولات الكبيرة التي شهدتها الصحافة خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها صعود الذكاء الاصطناعي، وانتشار المعلومات المضللة، وتغير بنية صناعة الأخبار، واتساع دائرة المشاركين في إنتاج المحتوى الإخباري خارج المؤسسات الصحفية التقليدية.

ولمن لا يعرف هذه الجمعية نقول إنها واحدة من أعرق وأوسع المنظمات المهنية للصحفيين في الولايات المتحدة الأمريكية. تأسست عام 1909 في جامعة ديباو بولاية إنديانا تحت اسم «سيجما دلتا كاي»، وتحولت عام 1916 إلى منظمة مهنية للصحفيين، وتضم اليوم نحو خمسة آلاف عضو، ولها نحو 250 فرعًا محليًا مهنيًا وطلابيًا.

وتتركز رسالتها في الدفاع عن حرية الصحافة وتدفق المعلومات، وترسيخ المعايير الأخلاقية، وتنمية مهارات الصحفيين، وإعداد الأجيال الجديدة للمهنة. ويعد ميثاقها لأخلاقيات الصحافة من أشهر المواثيق المهنية وأكثرها حضورًا في تدريس وممارسة أخلاقيات الصحافة.

اللافت أن لجنة الأخلاقيات أبقت في مشروع التعديل على المبادئ الأربعة الأساسية للميثاق، وهي البحث عن الحقيقة ونشرها، وتجنب إلحاق الضرر بالآخرين، والاستقلال، والمساءلة، والشفافية. وهذا يقودنا، في تقديري، إلى جوهر القضية.

فالصحافة لا تحتاج بالضرورة إلى أخلاق جديدة؛ لأن الحقيقة والدقة والاستقلال واحترام الخصوصية والمساءلة تظل مبادئ أخلاقية أساسية للصحافة لم تفقد صلاحيتها. ما تغير هو البيئة التي يعمل فيها الصحفي، والأدوات التي يستخدمها، والأطراف التي أصبحت تشاركه إنتاج الأخبار ونشرها.

هذه البيئة الإعلامية الجديدة تطرح أسئلة لم تكن موجودة وقت صياغة تلك المواثيق: من يتحمل المسؤولية عندما يستعين الصحفي بالذكاء الاصطناعي في إنتاج مادة تتضمن معلومات خاطئة؟ ومتى يجب الإفصاح عن استخدامه؟ وكيف نتعامل مع الصور والأصوات والفيديوهات المصطنعة؟ وكيف نتحقق من أصل المادة في بيئة أصبح فيها إنتاج المحتوى المزيف أسهل من أي وقت مضى؟

الواقع أن التعديلات التي تقترحها الجمعية تحاول التعامل مع بعض هذه الأسئلة، إذ تشدد على التحقق من أصل المعلومات وصحتها، وعلى أن استخدام التكنولوجيا لا يعفي الصحفي من المسؤولية عما ينشره. وتتعامل بصورة أوضح مع المعلومات المضللة، والصور المصطنعة، والمحتوى الممول، وتعارض المصالح، والمصادر المجهلة، والتمييز بين الخبر والتحليل والرأي.

ومن اللافت أيضًا أن الجمعية لم تربط القواعد الأخلاقية في مشروعها الجديد بالذكاء الاصطناعي وحده، واستخدمت تعبيرًا أوسع هو «الأدوات والتقنيات»، حتى لا يصبح الميثاق المعدل مرهونًا بتكنولوجيا بعينها ويحتاج إلى إعادة كتابته كلما ظهرت تقنية جديدة.

هذه المراجعة تفتح الباب أمام سؤال آخر: من هو الصحفي الذي نتحدث عن أخلاقياته اليوم؟ لقد كان الأمر أكثر وضوحًا عندما كان إنتاج الأخبار حكرًا، أو يكاد، على المؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية ووكالات الأنباء. أما اليوم، فقد يصبح صانع المحتوى بالنسبة إلى ملايين المتابعين مصدرًا رئيسًا للأخبار والمعلومات. لهذا تجنبت الجمعية الدخول في معركة حول تعريف الصحفي، وركزت على الفعل والمسؤولية الأخلاقية، حتى تخاطب مبادئ الميثاق كل من يقدم الأخبار إلى الجمهور.

لقد قامت مواثيق الأخلاق تاريخيًا على التنظيم الذاتي للمهنة، ولا تمثل في العادة قوانين تفرضها الدولة، وبالتالي فإن صانع المحتوى أو المؤثر قد لا يرى نفسه عضوًا في الجماعة المهنية التي وضعت هذه المواثيق. وهنا تظهر المفارقة: كلما اتسعت دائرة من يستطيعون التأثير في معرفة الجمهور بالأحداث، ازدادت الحاجة إلى المسؤولية الأخلاقية، بينما أصبحت القدرة على فرضها أضعف.

وإذا كانت جمعية الصحفيين المحترفين الأمريكية قد رأت أن ميثاقها يحتاج إلى المراجعة، فإن السؤال نفسه يستحق أن يُطرح عربيًا. فمواثيق الشرف الصحفي والإعلامي العربية أرست بدورها مبادئ مهنية وأخلاقية مهمة، لكن التحولات الرقمية الأخيرة تجاوزت كثيرًا من القضايا التي عالجتها عند صدورها.

وفي سلطنة عُمان، مثّل ميثاق الشرف الإعلامي الصادر عام 2017 خطوة مهمة في اتجاه التنظيم الذاتي للمهنة، وجمع بين حقوق الإعلاميين وواجباتهم، مؤكدًا حق المجتمع في المعرفة وحق الصحفي في الحصول على المعلومات وحماية مصادره، إلى جانب واجبات الدقة واحترام الخصوصية والفصل بين المادة التحريرية والإعلانية، واحترام حق الرد والتصحيح. ومنذ صدور الميثاق توسع حضور منصات التواصل، وتعاظم دور صناع المحتوى والمؤثرين، وتطورت تقنيات التزييف العميق، ثم ظهر الذكاء الاصطناعي التوليدي ليغير طرق إنتاج النصوص، والصور والفيديو. ولذلك ربما يكون من المناسب، بعد ما يقرب من عقد على صدور هذا الميثاق، فتح نقاش مهني حول تحديثه، ليس لتغيير المبادئ التي قام عليها، وإنما لضمان قدرتها على التعامل مع واقع إعلامي تغير كثيرًا منذ إصداره.

بعد كل هذه السنوات، أعود إلى كلمات أستاذنا الدكتور خليل صابات في ذلك اللقاء الأول، وأدرك أن ما قاله لنا عن أخلاقيات المهنة لم يفقد شيئًا من أهميته. نعم، تحتاج الصحافة إلى مواثيق أخلاقية متجددة، لكنها لا تحتاج إلى أخلاق جديدة. فقد تستطيع التكنولوجيا اليوم أن تكتب الخبر، وتقترح العنوان، وتصنع الصورة، وتقلد الصوت، وربما تستطيع غدًا أن تفعل أكثر من ذلك، لكنها لا تستطيع أن تتحمل المسؤولية الأخلاقية عما تنشره؛ فهذه المسؤولية ستظل مسؤولية الصحفي، وتزداد الحاجة إلى تأكيدها مع اتساع استخدام التكنولوجيا في العمل الصحفي.