نصف عام على الحرب
الثلاثاء / 11 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:52 - الثلاثاء 25 أغسطس 2026 19:52
كان ذلك هو التقدير الأمريكي في الأيام الأولى حين بدا أن التفوق العسكري الهائل للولايات المتحدة وإسرائيل قادر على حسم المواجهة خلال أسابيع قليلة، وأن إيران لن تتمكن من الصمود طويلًا أمام حجم الضربات التي تعرضت لها.
لكن الحروب لا تسير دائمًا وفق الحسابات التي تضعها الدول قبل بدايتها، وما يبدو سهلًا في غرف التخطيط قد يصبح أكثر تعقيدًا عندما يبدأ القتال على الأرض.
بل إن الوضع أصبح أكثر تعقيدًا وتأزمًا مما كان عليه قبل اندلاع الحرب؛ فقد امتدت المواجهة إلى دول الجوار عندما شنت إيران هجمات على عدد من دول الخليج بحجة استضافة قواعد عسكرية أمريكية، أو تقديم الدعم للعمليات الأمريكية، لتجد دول المنطقة نفسها أمام حرب لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، لكنها أصبحت تدفع ثمنها أمنيًا واقتصاديًا.
وهكذا بعد ستة أشهر من الحرب، لم يعد السؤال فقط: متى ستنتصر الأطراف المتحاربة؟ بل أصبح السؤال الأهم: متى تنتهي هذه الحرب؟ ومن سيدفع ثمن استمرارها؟
فالحرب العالمية الأولى انتهت عسكريًا في عام 1918، لكنها خلفت أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ساهمت في تشكيل العالم الذي قاد لاحقًا إلى الحرب العالمية الثانية. وفي فيتنام انتهت الحرب بعد عقود من القتال، لكن آثارها البشرية والاقتصادية والنفسية ظلت حاضرة لسنوات طويلة.
وحتى بعد اندلاع الحرب ظلت الدبلوماسية تحذر من مغبة استمرارها؛ لأن إطالة أمدها لن تعود على أطرافها ولا على العالم بفائدة حقيقية، وإنما ستوسع دائرة الخسائر والدمار، وتدفع المنطقة والعالم إلى مزيد من عدم الاستقرار. وقد يكون المستفيد الوحيد من استمرار هذه الحرب هو إسرائيل، التي ترى في إضعاف إيران فرصة لإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها ومصالحها، حتى وإن كان الثمن مزيدًا من الخراب في الشرق الأوسط بأكمله.
وبدلًا من أن تكون الحرب طريقًا إلى حل الأزمة، أصبحت الأزمة نفسها أكبر من ذي قبل، ودخل العالم كله في نفق مظلم لا تبدو له نهاية واضحة.
فالحرب لم تعد شأنًا يخص إيران والولايات المتحدة وحدهما، وإنما امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأصبح العالم يعاني من أزمات في الطاقة، وارتفاع في الأسعار، وغلاء في المعيشة، واضطراب في سلاسل الإمداد بسبب التهديدات التي طالت واحدًا من أهم الشرايين الحيوية لإمدادات النفط في العالم.
فقد بدأت أصوات كثيرة من المحللين والمراقبين تحذر من أن هذه الحرب قد لا تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار، وإنما قد تكون بداية لتحول أكبر في النظام الدولي نفسه مع عودة التكتلات السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى الواجهة، ومحاولة قوى دولية وإقليمية إعادة بناء تحالفاتها للدفاع عن مصالحها ووجودها في عالم ظل لسنوات طويلة يعيش تحت هيمنة قطب واحد على المشهد السياسي والعسكري. وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى في هذه الحرب: أنها بدأت بهدف تغيير معادلة في الشرق الأوسط، لكنها قد تنتهي بتغيير معادلات العالم كله.