أعمدة

هل هو محض حنين؟

تنشدّ الأفكار وأعمال الفن والأدب اليوم بشكل لافت إلى مختلف مظاهر الماضي، تسترجعه، وتحنّ إليه، تستدعيه وتُعْمله في واقعها، تحتمي به من تغوّل الواقع المخيف، الضبابيّ، القاتم أحيانًا، تريد البشرية استعادة الإنسانية، تتشبّث بها، وهي على هوّة مفارقتها. إنسان اليوم لم تتوضّح له الإجابات ولم يعد مُدركًا حتّى لأوهامه وأحلامه، فَقد الرؤية، والحلم وإدراك الكون من حوله.

الحنين إلى الماضي مكوّن أساسيّ للشعوب، وقدر رئيس يحيا به الإنسان، إذ يحنّ دومًا إلى الأزمنة المنقضية بكدرها وبؤسها وببهجتها ومرحها، ولكنّها على مستوى الفرد تشتدّ وتقوى بتقدّم العمر، كلّما شاخ الإنسان رجع إلى ماضيه يعيشه في ذهنه ويرويه للناس، أمّا على مستوى الشعوب، فإنّ هذا الحنين يظهر في منتجها الفنيّ والأدبيّ والفكري، وطالما نُعِتنا نحن العرب، بأنّنا شعوب عالقة في ماضيها، لم تنعتق بعدُ من تاريخها، ولم تقدر أن تقطع حبل الصلة الذي يشدّها إلى الماضي، إلى التراث، بل الأعمق من ذلك أنّ أفكار التحديث والتنوير أغلبها قد حثّت شعوب العرب على القطع مع سالفها الذي أثقل كاهلها وعطّل تقدّمها وعثّر لحاقها بشعوبٍ عُدّت متطوِّرة، غير أنّنا تمسّكنا بتاريخنا وبمظاهر حضارتنا وبسلوكنا «المتخلّف»، نلبس في كلّ مناسبة ملابسنا التراثية، ونحتفي بأكلاتنا القديمة، ونتمسّك بعاداتنا، ونحيي قصة تاريخنا، ونعلّمها أبناءنا في البيوت قبل المدارس. حوار الحداثة والتراث معنا ما زال قائما في أذهاننا وحياتنا الاجتماعية قبل أن يكون في سجالاتنا الفكريّة وفي أعمالنا الإبداعية.

هل هو محض حنين لماضينا الذي لم يكن كلّه صفاء وهناء، أو هو تمسّك بهويّة يسعى الكون لإذابتها، أو هو فعلا انغماس في أعراق اندرست وجذور بليت وتمسُّك بماض انقضى وولّى؟ ألا نشترك مع شعوب عديدة، بما فيها الغرب، في تمسّكها بهويّتها ودفاعها بشكل متعصّب أحيانًا في استعادة موروثها وتربية أطفالها على تقديس مظاهر الماضي؟ نلحظ هذا الحضور القويّ للماضي في حياتنا وفكرنا، في حنيننا إلى عوالمنا القديمة، إلى مدارسنا الأولى، إلى جدّاتنا، إلى أفلاجنا وغابات نخيلنا، إلى ألعابنا الطفولية، إلى شقاوات الصبا والشباب، إلى أيّام انقضت وإن كانت مُرّة، في أدبنا الذي لا ينغمس في حداثته مطلق الانغراس، وإنّما الماضي القريب حاضرٌ باستمرار في فكرة، في عقيدة، في سلوك، فهل هو الحنين أو عجز الإنسان عن التخلّص من الماضي الذي منه يتكوّن.

يعود الإنسان اليوم إلى زمن الجمال، إلى زمنٍ يقرأ فيه كتابا، ويفتح صحيفة الصباح على مهلٍ يقرأ ويُعمل عقله، يقرأ أدمغة تُعرَض عليه، يشرب قهوته بتمهّل، يرى العالم بعينيه، لا بعيون الآخرين، يتذوّق الطعام، يشمّ الروائح، يجلس على الأنهار، يُداعب الحياة ويُلاعبها.

ملّ الإنسان أن يكون صورة، أن يتحوّل إلى خوارزمية، لا يفكّر، لا يحسّ، لا يركِّز، لا يرى، ملّ الإنسان أن يجلس في العالم وهو منفصل عنه، يعيش في عوالم أخرى، لا يستمتع بجلسة مع أصدقاء حقيقيين، ولا يتفاعل مع الطبيعة التي تضمّه، ولا يتحرّك إلاّ وشاشة تقوده وخوارزمية تُحكم لجامه.

بدأت اليوم ثقة الإنسان تهتزّ في كلّ ما أتاه من العوالم الافتراضيّة ومن الأكوان الذكية، شرع الشباب الواعون في قيادة حملة ضدّ هذه العوالم والعمل على استرجاع الجمال الإنساني، لذّة الاكتشاف والحكم، فكيف نسمح لمؤثر اجتماعي أن يُوجّهنا إلى مطعم أو مسرح أو فندق أو جهة، وهو مأجور؟ وكيف لنا أن نهنأ بانكشافنا الفكري والشعوري وعرض خواصّنا وخصوصياتنا لتصبح بيد الآلات تفعل بها فعلها.

وها العالم اليوم يُصابُ بصدمة وجودية ويُوجِد السُبل للتخلّص من الانسياق الإرادي إلى تدجين العقل البشري وهيمنة الخوارزميات والبرمجيات على النفوس والعقول، فقد أدرك نخبة من الشباب المنغمس بامتلاء في عوالم التكنولوجيات الرقمية مخاطر استلاب العقول وفقدان الإنسانية وعملوا على استرجاع الماضي الإنساني، والعودة إلى ما قبل الهيمنة الرقمية واحتجاز العقل البشري وارتهان الحياة الإنسانية، فظهرت حركات مقاومة عالمية منظمة واحتجاج ثقافي واسع للعمل على الخروج من حال التعب الوجودي والإنهاك الخوارزمي، منها حركة اللّوديين الجدد وثورة الجيل الجديد، والحركة اللّودية هي رمز لثورة عمّال النسيج وتحطيمهم للآلات التي استُحدثت وعطّلت وظائفهم، فقاموا في أوائل القرن التاسع عشر في بريطانيا بتدميرها، واستعاد شباب الجيل الجديد هذا الرمز لإعادة التحكّم في هيمنة التكنولوجيا الرقمية، وقد قاموا باستبدال هواتفهم الذكية بهواتف «غبية» لا تحتوي شبكة ولا برمجيات ولا تطبيقات، وعادوا إلى استعمال الكاميرات القديمة والاستماع إلى أشرطة الكاسيت والأسطوانات، وهم يجتهدون في إعادة تعلّم حياة البشر، واسترجاع المهارات الأساسية للإنسان مثل التواصل البصري المباشر، والقدرة على البقاء خارج فوضى الويب والتواصل الاجتماعي، وتأمل الوجود بعيدا عن صخب الحياة الافتراضية.

لقد أصبح زمن ما قبل الارتباط بالشبكة عصرا ذهبيا للإنسانية، يحنّ إليه الناس وإن لم يحيوه، الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وحتى التسعينيات، زمن حنين، ومثال، يُستعاد ويُسعى إليه، في الملبس والموسيقى والأدب والفن ومختلف مظاهر الحياة، ففي هذا الزمن القريب، كان الإنسان يعيش تمام حواسّه، ويتّصل بالطبيعة ولا ينفصل عن الوجود بِشاشة تتحكّم فيه. ظهرت حركات أيضا تعمل على الدعوة إلى التكنولوجيا البطيئة والتخلّص من اقتصاد الانتباه الذي تعمل على ممارسته شركات التكنولوجيا من خلال الدعوة إلى إحداث مناسبات للتخلّص من الشاشات والرقميات والشبكات داخل المنازل والمقاهي والمطاعم والمدارس وفي السفرات، للاستمتاع بالحياة بتمهّل، والحثّ على الاستعمال الورقي.

إنّ دخول الكون اليوم في محاولة استرجاع الحياة، يمثّل درسا لنا ألاّ نفقد تشبثّنا بهويّتنا وتراثنا وعاداتنا، لأنّ عادتنا وثقافتنا تدعوان إلى الاجتماع، إلى مقاومة التوحّد الذي تيسِّره الرقميات، حياة الإنسان على الفلج، على البحر، في الجبال، في الصحراء، في الحارات وأزقّتها، عوالم نسترجعها، وما زلنا نعيشها، تآزر الناس في الأفراح والأتراح وجلوسهم مع بعض، الأعياد، الدعوات، الاحتفاء بملابسنا التقليدية، وغير ذلك من مختلف السلوكيات الحاملة لآثار التقاليد من مبادئ وأخلاق تضمن تواصل البشر، واعتراف الحادث بأثر المنقضي.

نحتاج اليوم هذا التراكم الموروث، حتّى نحافظ على إنسانيّتنا وعلى جوهرنا.

ولهذا السبب، فلا غرابة أن نجد الأدب والفنون في حالتنا العُمانية قد جعلت الموروث ركنا مكينا وبئرا ماتحًا وجوهرًا أصليا لا يُفارقه أيّ عمل، في ما خطّه زهران القاسمي في «الروع» و«تغريبة القافر» و«جوع العسل» وغيرها، وفيما يفعله محمد اليحيائي الماسك على التاريخَ جمرًا، يُتقن فنونه، ويُحسن السفر في تجاويفه، ويُنصت إليه بإمعان وتدبّر، في روايات لها بالعادات والمواريث ورؤية التاريخ صلات ووشائج، في رواياته «حواليس» و«الحرب» و«حوض الشهوات»، وفي سينما خالد الزدجالي، الممتلئة وعيًا وإدراكًا بقدرة المجتمع العماني على التأصّل والإصرار على التشبّث بالأرض وبالماء وبالجبال، في أفلامٍ أعادت تمثّل هذا التأصّل، «البوم»، وعادات البحّارة وأهازيجهم وتقاليدهم، «أصيل»، «زيانة»، وفي لوحات أنور سونيا، الراصد باللون والظلال والعين النافذة أصولا لا تمّحي. الفنّ حياة تحمي الإنسان من الذوبان في الرقمنة والتألية.