عمان الثقافي

كل شيء عن عوض دوخي قراءة في رواية «دوخي- تقاسيم الصبا» لطالب الرفاعي

 

الرحلة في اتجاه عكسي: 

تبدأ رواية «دوخي - تقاسيم الصبا» للروائي الكويتي طالب الرفاعي بداية عكسية، ليس من الطفولة والصبا مرورا بالشباب، إنما عكس جدول التاريخ، وفي ذلك إبداع من الكاتب الذي وإن استلم مادته من تاريخ الفنان إلا أنه قدمها عن طريق خطاب غير تأريخي، خطاب يتلمس نفسيات السيرة ومحيطها الصامت حول فنان في ساعاته الأخيرة لحظة المرض، والانتباه لدقائق تلك اللحظات وظلالها، وكأنما تسرد بوفاء همسات رحيل صامتة لا بد من ذكرها. 

تبدأ الرواية إذن في لحظة الضعف والحيرة على حياة المريض بطل الرواية. بعد ذلك تنتقل إلى حالة القوة كما يوحي العنوان الموالي: «موسيقى المطارق» وفي هذه الأثناء نكون أمام بدايات الشخصية في صراعها مع الحياة الشاقة، فلا بد للأخ الكبير من عمل ليساعد به أسرته، خاصة إذا كانت صحة الوالد لا تسمح له بالعمل ثم رحيله عن عائلته، فتسرد الرواية جدول هذا الشقاء وبمختلف الأعمار: 

«حياتي جاءت من البحر. في صغري عملت تبابًا بين البحارة، واشتغلت سبيًا أسحب الغواصين على حافة السفينة، وصرت مطربًا أغني بين البحارة. كنت أسرق نفسي، أذهب مساء إلى البحر بعيدًا عن الأعين، نتسامر أنا وهو، أشكو إليه حالي، ويرد عليَّ القول بالموج.. أنت يا بحر تعرف، كرامتي لا تسمح لي بأن أطلب من أصدقائي مقابل غنائي، ولا هم يقدمون شيئًا لي. وكم واجهت نفسي: كيف أطلب؟ كيف أقف أمام رجل، أيا كان، وأمد يدي له قائلًا: أريد مائة روبية أو مائتين عن غنائي. -الله سبحانه وتعالى- أعطاني صوتًا حلوًا، وأنا أغني بخفق قلبي، ولن أبادل أنفاسي بمال ونقود. لذا صرت أعتذر منهم، وصار البعض يصفني بالتكبر». ص142 

عاش الطفل عوض في موسيقى البيت قبل أن يعيش موسيقى البحر، كان والده النهام وعمته المنشدة، وقد غذى ذلك الإحساس بالقراءة، كان الشاب كثير القراءة، كما كان راصدًا للفرق الشعبية التي كانت تطوف السكك بين البيوت وتغني في المناسبات الاجتماعية والدينية «فتسرع بعض الأسر وتدخلهم إلى أحواش بيوتهم فيغنون بحضور أفراد الأسرة الصغير والكبير، في حين شاطئ البحر مزروع بالسفن، فالبحر مصدر رزق الكويتيين الأهم، وأغاني العمل موجودة في كل زاوية من زوايا السفينة، وفي كل حبة رمل على الشاطئ، وفي رجع صدى كل موجة. منذ طلوع الفجر يحضر «القلاليف» نجارو وصناع السفن والغناء مخبأ تحت جلودهم. يؤدون عملهم مخضبًا بموسيقى مطارقهم وغنائهم، وفي أحيان كثيرة يتوقفون عن العمل، يتركون أشغالهم، يلعب الغناء بأرواحهم، ويدور الطرب بينهم وترتفع الأكف بالتصفيق». ص 39 

تباعد الأزمنة وتلاقيها: 

كان لضمير المتكلم الذي استخدمه الكاتب إجراء لتقديم مادته الحكائية دور في التعرض لمختلف جوانب الحياة الخارجية والداخلية المضمرة في تلك الفترة من فترات كويت ما قبل النفط، وبالتالي كَشَفَ لنا رحلة الفضاء والمكان، ليس فقط طوبوغرافيا شكليًّا، إنما أيضًا في تفاعله الإنساني بوصفه للأحوال وهشاشتها الإنسانية. 

كما نرى أن ثمة تباعدًا بين ثلاثة أزمنة، بين زمن الرواية الذي ينسب إلى زمن النشر 2026 عن دار الشروق بالقاهرة، إلى جانب زمنين للقصة، أحدهما يعود إلى أواخر السبعينيات حيث كان بطل الرواية دوخي طريح الفراش قبل وفاته، وزمن آخر يبدأ من الثلاثينيات حيث ولد عام (1932)، ونرى في هذا الزمن تقلبات أطوار حياة الشخصية من حال إلى حال وطبيعة إنجازاتها الفنية والعقبات التي مرَّت بها حياة الشخصية حتى فترة بلوغه ذروة المجد الفني الذي قطعه إصابته بالمرض الخبيث. 

الزمن الأول (زمن أواخر السبعينيات) يتولى سرده فريق من عائلته على رأسهم أخوه يوسف، وهم يحيطون به على سرير المرض، تكون هنا الشخصية الرئيسة صامتة معظم الوقت، لا تفعل شيئا سوى قراءة وجوه من حولها، والاستسلام لقدر الله بهدوء، بينما ينتاب المحيطين السهر والحمى على حالته، والحسرة مع التسليم بقضاء الله وحتمية الفناء التي يرونها تقترب بمهل من حبيب قلوبهم. بينما الزمن الممتد الطويل من الطفولة إلى جلوسه على فراش الموت، يتولى تقديمه سارد عليم خفي يحيط بكل صغيرة وكبيرة من حياة ومنعطفات بطل الرواية، وتفاصيل نشأتها وطبيعة همومها وهواجسها، ويسمي الوظائف التي شغلها، ومشاعر الإحباط والفرح التي اعترضت طريق البطل، ثم وصوله إلى المحطة الأخيرة في الحياة إبان مرضه، وصراعه وعناده مع هذا المرض ومقاومته بالعمل الجاد ثم الرضوخ له حين هزمه نهائيًّا. 

يتقاطع الساردان في الزمنين ويتراوحان في تقديم الشخصية ومحيطها من مختلف الجوانب. لتكون البداية مع أصوات عائلته، ثم يستلم السارد العليم زمام تقديم الشخصية، وهكذا حتى نهاية الرواية عند الصفحة 252. 

فضاء متعدد:

يقف القارئ أمام فضاء متعدد، ينتمي إلى أكثر من زمن، فهناك زمن الأبناء، وزمن الشخصية الرئيس (الفنان عوض دوخي)، وزمن الآباء والأجداد (زمن العيش البحري وزمن صيد اللؤلؤ). في مثل هذا الفضاء المتعدد تتجدد الرؤية كل مرة، فكل زمن يستمد وجوده باعتباره امتدادًا لزمن سابق له، من الحاضر الذي يعيشه الأهل والأبناء في بيت مرفه متحلقين حول مريضهم، هذا الزمن يستدعي زمنًا سابقًا، حين كان بطل الرواية صبيًّا ثم شابًا ثم صاعدًا في طريق الشهرة إلى أن يصل إلى حاضره وهو على فراش الموت. ولأن الزمن يقدم هنا ضمن خطاب حميمي، بضمير المتكلم، فإن الرحلة التي يشقها قارئ هذه الرواية مشوقة، وسينصت هذه المرة إلى الصوت الداخلي للفنان الذي طالما سمع غناءه مترددًا. هذا الصوت لن يكون له وجود لو لم يشق الكاتب طالب الرفاعي طريقًا وعرًا للبحث والتقصي والنبش في أدق دقائق الفنان الراحل عوض دوخي، 

وهو في كل ذلك سيسأل ويقرأ وينبش ويقترب من إخوته ثم أبنائه. حيث يهدي الرواية إلى «أمي الغالية، موضي الفهد. إليك مرة جديدة ودائمًا». ثم يورد اقتباسًا للمتصوف جلال الدين الرومي «الموسيقى غذاء كل المحبين». ثم تأخذ هذه السيرة الروائية بعدًا آنيًا، نقرأ تقديمًا لباسم عوض الدوخي ابن الفنان الراحل، جاء فيه: «بداية، أتقدم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان للأديب طالب الرفاعي على ما بذله من إبداع مميز وجهد أدبي مخلص في كتابة الرواية، مما يدلل على حرصه في سرد سيرة والدي الفنية الغنية، بما قدمه لبلده الكويت ووطنه الخليجي العربي». 

ينتقل الابن بعد ذلك لذكر ملخص موجز لحياة والده، وكأنما يورد نقاط الارتكاز الزمنية التي ستسير عليها هذه الرواية مستقصيًا، سيرة والده عبر متخيل روائي لا يستجيب للتتبع التأريخي الكرونولوجي بقدر ما يسبح سباحة حرة بين الأزمنة: «تعايشت كثيرًا مع أغاني والدي، واستمتعت بطريقة أدائه الفريدة من نوعها، وتلذذت بسماع ألحانه سواء لأغانيه أو لغيره من المطربين. فلقد عاصر والدي فترة ما قبل ظهور النفط، وركب على ظهر السفن الشراعية ما يقارب تسع أو عشر رحلات بحرية، ما بين الغوص للبحث عن اللؤلؤ، والسفر لنقل البضائع، وقد مارس عشقه في الغناء على ظهر السفينة أي «نهام»، وفيما بعد واكب عصر التطور والعمران في بلادي الحبيبة الكويت، حيث أصبح مطربا في وزارة الإعلام الكويتية. وإن كان لي أن أطلق لقبًا يختصر السنين الطويلة والشاقة التي عاشها والدي، فإن الفنان عوض دوخي يستحق بجدارة لقب: «نوخذة الطرب»ص 10 

أيام آلة العود:

يظل الحلم يراود الصبي عوض بامتلاك عُودٍ خاصٍّ، وكان شحُّ ذات اليد يقف عائقًا بينه وبين تحقيق هذه الأمنية، وبمساعدة والديه، وبالقليل الذي استطاع جمعه من مال استطاع أن يقتني عودًا بالمناصفة! بينه وبين شاب آخر لديه الشغف نفسه، لذلك سيبيت العود أسبوعًا في حضن عوض ليفارقه بعد ذلك أسبوعًا آخر كاملًا، ولكن بسبب هذا الضغط الذي يؤدي إلى النجاح، استطاع عوض أن يبذل قصارى جهده في ذلك الأسبوع الذي يمكث العود في حضنه، وكأنما يرفض أن يفارقه دون أن ينال كامل مبتغاه منه، وأثناء أسبوع الانتظار، الأسبوع الذي يفارق فيه عوده، كان يجدُّ في القراءة والمتابعة والحفظ حتى يمر الأسبوع ثم يستقبل عوده مرة أخرى ويطبق عليه ما سعى إلى حفظه وما التقطته حاستُه المرهفة من أصوات الحياة وعطاياها: «لحظة صار العود بين يدي تغيرت حياتي، ما كنت لأفارقه، وكنت كلما سنحت الفرصة ليلًا، أصعد إلى سطح بيتنا، وأبقى في عزفي إلى حين أذان الفجر». ص 104 

ثم ترصد الرواية المعاناة التي واجهها الطفل عوض قبل أن يصير فنانًا، وذلك الفراغ الذي كان يعيشه نتيجة رفض استقبال صوته من قبل المنتجين، ومن أبرز الحوادث في هذا المجال، ما تعرض له حين عرض صوته على استوديو«طه» حيث قوبل طلبه بالرفض مشفوعًا بعبارة «يا أخ أنت مرفوض»، وقد وصف الكاتب المشاعر من الداخل إلى جانب التصوير السينمائي للمشاهد العيانية، ونجد هنا مزاوجة موفقة بين التصوير الجواني والتصوير الخارجي، حين صار الصبي رغم الفشل، وفي ما يشبه الاستشراف، يرى صورته معلقة في كل جدار حوله: «خرجت من عنده فخيل إلي أن ظلمة سوداء تغشى ضوء النهار. حمدت الله أن أحدا لم يكن في المحل وسمع الجملة التعيسة «أنت مرفوض» رحت أمشي وبالكاد أسحب قدمي. ابتعدت قليلًا. جلست على الأرض، وأسندت ظهري إلى جدار خلفي. شعرت بفمي ناشفا، ولساني قد تحول إلى قطعة خشب. استخرجت علبة سجائري، ولففت سيجارة بللت طرف ورقتها الصغيرة بحرقة قلبي.. أخذت نفسا أضغط تعاسة صدري، وأنفخ دخانا أرد به ضيق روحي!.. ولكن ما لبثت أن طبعت صورتي بواجهة المحل. وراحت صورتي تتكرر على جدران البيوت، وكدت أجن حين رأيتها قد طبعت على جدران البيوت المقابلة أيضا، تلونت تلك الجدران بصورتي. لملمت نفسي وأطفأت سيجارتي في التراب أمامي، ونهضت نافضًا الغبار عن دشداشتي، وبهدوء رحت أقترب من المحل، لكن حين دنوت منه، لم تكن هناك سوى الواجهة بأسطوانة عبدالله فضالة، ولم يكن سوى طه يجلس خلف مكتبه» ص 126 

تمضي حياة الشاب عوض في طريق إثبات أهمية صوته وعمقه بين إقبال وإدبار، ولم يكن في تلك الأيام يعترف سوى بالغناء البحريني، حيث كان هو متسيد المشهد في الكويت، ولكن يقدر لهذا الشاب أن يغني في إذاعة هامشية، وهناك يلتقط صوته الفنان أحمد الزنجباري الذي يستضيفه في بيته ويبدأ بتقديمه، وقال له رأيًا بمثابة شهادة: «أنت في بداية الطريق، والمشوار ليس سهلًا، لكنك إن واصلت فسيتغنى الجميع بصوتك.. ثم توقف ثواني قبل أن يكمل: لك خامة صوت بمساحة قرار عريض ورخيم، وكأنه خيوط حرير، وقلما سمعت قرارا شجيًّا كما صوتك». ص 129 

ولكن العثرات والانكسارات اعترضت طريقه، إلى أن أنشأت الإذاعة الكويتية أول فرقة كويتية حكومية للفنون، فتقدم عوض بأغنيته الأولى التي كانت للمصادفة من قصيدة لشاعر عماني بعنوان «يامن هواه أعزه وأذلني» التي تنسب للشاعر الإمام سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي (ثاني أئمة الدولة البوسعيدية). وقد غنَّاها الشاب في البداية بإحساس عالٍ وشعور مضاعف فكانت بمثابة جواز عُبور حقيقي له ومنذ تلك الساعة تكون وطار في سماء الكويت - دون رجعة- صوت فنان كبير اسمه عوض دوخي.. نقرأ على لسان السارد بضمير المتكلم: «مثل السحر انتشرت أغنية (يامن هواه أعزه وأذلني)» بين أهل الكويت. فما أن انطلقت من الإذاعة حتى صارت حديث الناس، وصار اسمي يقفز متنقلًا من شاب إلى شاب، ومن ديوان إلى ديوان، ومن بيت إلى آخر، وصار الجميع يردد «مطرب جديد» وكم أفرحني سماع عبارة «يغني بأسلوب جديد». شعرت أن هذه الأغنية عوضتني عن كلِّ آلامي وتعبي، وأنها أوصلتني إلى المستمعين بأفضل صورة». ص 164 

الحياة بنبضاتها، عود على بدء: 

تراوح الرواية توزيع مادتها الحكائية عبر الأزمنة، وكـأنما بذلك - وعبر خطاب ذي طبيعة تنقلية- تحاول أن تجري مسحًا شاملًا لحياة بطل الرواية، عوض دوخي، إنسانًا أولا في طريق الحياة المتعرج الشاق، وهو يتلمس خيوط الفن الأولى، متتبعًا ذبذبات حاسة سمعه المرهفة، واجتهاده المنقطع للتفوق في المجال الذي ساقته له الأقدار؛ مجال الفن والطرب الأصيل: 

«كنت أجلس قرب البشتختة أستمع بكل حواسي، أتذوق كلمات الأغنية وأحفظ إيقاع لحنها، وأسرع عائدًا كي أعزفه على عودي. وكم تحديت نفسي بقدرتي على الوصول إلى لحن أغنية جديدة أغنيها. أمضيت سنوات وأنا أغني على السفن، وفي حفلات السمر، وبين أصدقائي، حتى صار الغناء هو حياتي، وحياتي هي الغناء» ص 121 

خطاب النقلات هذا يتيح للقارئ التعرف على فضاءات متعددة للكويت في أزمنتها المتعاقبة، قبل اكتشاف النفط، وكيف كانت الحياة غيرالحياة، والناس يضطرون للتكاتف من أجل مقاومة صعوبة العيش وضنك الحياة وعسر طلب الرزق، ولكن النقلة التي حصلت للمجتمع الكويتي بعد اكتشاف النفظ لم تكن دون ضرائب، حيث تغيرت حياتهم من حالٍ إلى حال: «في عام ألف وتسعمائة وستة وأربعين صدرت الكويت أول شحنة بترول، وكان ذلك بدءا لتغير كبير أثر في كل وجوه الحياة في الكويت، البشر والحجر». ص 121 

تفصل الرواية طبيعة هذا التغيير «في البشر والحجر» بانتشار ثيمة الهجر والتخلي، واستبعاد الحياة السابقة بكل ما فيها من مرارة وحلاوة، وبالتالي من كان يتشبث بأمل وخيط للتقدم في الغناء، فإن ذلك الخيط ما لبث أن انقطع، وكان من الصعب لملمته وربطه في غياب البيئة الفنية الحاضنة له، التي اختارت التشتت والانعزال في بيوت سميكة تحيط كلًّا منها الجدران والأسوار، وبالتالي تبددت الحياة الجماعية المبنية على التكافل والتعاضد وما يتبع ذلك من حاجات متبادلة وفنون مشتركة: 

«هجر الكويتيون البحر، وأداروا وجوههم عنه! تمددت السفن بحسرتها خشبًا يابسًا يئن على السيف بوحدته وحزنه، وليس من أحد يسأل عنه أو يهتم لبؤسه. وحدها الريح ظلت تلعب وتصفر بين جنباته. بعض السفن فككت واستخدم خشبها لأسقف المنازل الجديدة. توقفت رحلات الغوص، وخفت كثيرا رحلات السفن الشراعية والتجارية، وراح شباب الكويت يقصدون إدارات الدولة وشركة النفط والشركات الجديدة للتوظيف عندها. وهنا صعد السؤال الصعب إلى قلبي: ماذا يمكن لمطرب أن يعمل في إدارات البلد والشركات التجارية؟» ص 122 

قلب يمتص الأحزان: 

نتيجة لهذا التحول بين حياة قاسية، ولكنها طبيعية ومتحركة، وحياة ما بعد اكتشاف النفط التي كانت الأسواق المفتوحة والحياة التقليدية وما يصاحبها من فنون أحد ضحاياه، وجد الشاب الطموح نفسه مرميًّا في فوهة فراغ قاتل. 

من أبرز تجسيدات هذا التحول ما أطلق عليه في الرواية بـ «التثمين»، وكان من المهم أن يكون له تفصيل في الرواية، وذلك لأنه عامل زمني أساس في ما حدث من تصدع اجتماعي إيجابي في الكثير من جوانبه، ناحية رفاهية الإنسان والاهتمام بالعيش الكريم والصحة والتعليم، ولكنه كارثي بالنسبة لحياة الفنان التي تقتضي التجمع والتفاف الناس والحاجة العضوية إلى الفن والطرب، الذي كانت مادته الحيوية تستقى من تدافع الناس والحياة البسيطة وحياة البحر والبحارة؛ فحين حصل ما سمي بالـ «التثمين»، انقلبت حياة الفن رأسًا على عقب، ما دفع الفنان الشاب الصاعد (عوض) إلى خوض غمار وظائف بسيطة بعيدة كليًّا عن طموحه وأمله وأحلامه، وكان السارد في وصفه لفقرة التثمين هذه، يعرفنا السرد على فضاءات وأمكنة. 

عامل إطفاء ومهن أخرى:

انعكست التطورات الجديدة على حياة الفنان في بداياته، ولم يكتف الأمر بهجره لما كان قد بدأ به مشواره الوجودي، إنما أدى إلى امتهانه مهنًا شاقة لم تكن تنسجم مع ميولاته المرهفة المرتبطة بالإحساس وحبه للكلمة الجميلة والموسيقى: 

«مرت علي أيام وأيام وأنا أتنقل من دائرة إلى أخرى بحثًا عن عمل، وإلى حين عثرت على وظيفة في مطافئ مدينة الأحمدي كعامل إطفاء. بقيت ستة أشهر. شهدت حرائق كثيرة، وآلمني أن أرى نارًا عمياء تأتي على بعض بيوت البشر وتأكل تعب أعمارهم. ولأني بقيت أتألم كل يوم، قلت لنفسي: شاب عاش عمره على الماء لا يقدر على مصادقة النار. وكان أن تركت عمل الإطفائي وانتقلت للعمل في وزارة الأشغال عاملًا في المخازن. وكان العمل يدويًّا متعبًا وليس من راحة فيه طوال اليوم. لذا عطف صديق علي وأخذني للعمل معه في وزارة الصحة. لكن بعد أقل من شهرين جاء قرار نقلي للعمل في المستشفى الأميري فرفضت ذلك تمامًا، قفز علي الهاجس: أحب الحياة ولا أريد العمل بقرب المرضى والمرض. وكان أن عدت لوحدة غرفتي. وحينها ساعدني أحد أقاربي بتوسط من أمي وعملت سائق لوري في البلدية. لكن سرعان ما جزعت روحي بانهمار الأوامر علي، ووجدت نفسي لا أطيق قول كلمة «حاضر» طوال الوقت. فاعتذرت وتركت العمل، وحينها اشترينا أنا وأخي يوسف سيارة خصصناها لتكون «تاكسي». ص 144 

فضاء التحول والصعود:

كان إنشاء الفرقة الوطنية بالكويت بداية تحول في مسيرة شخصية الرواية، عوض دوخي، بعد أن امتهن مهنًا بعيدة عن مجال اهتمامه وشغفه، فقد فتحت له الأبواب بإنشاء الفرقة الوطنية وبتعرفه على رئيسها الموسيقار المصري نجيب رزق الذي سبق أن عزف خلف سيدة الطرب العربي أم كلثوم. وتفرعت هذه العلاقة بين غناء كويتي وغناء آخر مقلد، كان عوض الشاب شغوفا به، وهو صوت أم كلثوم، رغم اعتراض أخيه يوسف أن يغني أغاني غير كويتية، وكان لقراءات عوض السابقة في بحور الشعر العربي الذي كان شغوفًا به أيام فراغه في صباه، كان له الأثر في تلمس كلمات الطرب العربي واختيار كلمات لأغان فصيحة، وفي هذا الجانب من التحول الذي طرأ على حياة بطل الرواية، يعبر بنا السارد راصدا فضاء هذه المرحلة وأهم مكوناتها الجيونولوجية من أدوات موسيقية وحوارات. 

وكان من نتاج هذه الفترة، تطور علاقات دوخي بملحنين كبار وكان من أبرزهم رياض السمباطي الذي كتب عنه في أول لقاء له. 

«استمعت كثيرًا للصوت الحبيب المعبر الدافئ، وهو صوت الأستاذ عوض دوخي، فكنت أتأثر وأطرب كثيرًا لهذا الإحساس المرهف، وإني إذ أعبر عن إحساسي به، أتمنى له كل توفيق ونجاح دائم». ص 220 

ذروة النجاح المهني مصحوبًا بانهيار الوضع الصحي: 

من الشخصيات المهمة التي وقفت وقدرت صوت الفنان عوض دوخي، الشيخ جابر العلي وزير الإعلام الكويتي، الذي ربطته علاقة مباشرة بالفنان وكان وراء مجموعة من الاقتراحات المهمة في مسيرته الفنية وتعزيز اختياراته: «كنت حين أزور مبنى وزارة الإعلام أبدأ بمكتب الوزير الشيخ جابر العلي. أجلس ومدير مكتبه، أدخن سيجارة، مع كوب قهوة، وأعرف منه الجديد: «الشيخ يريدك أن تسجل أغاني أم كلثوم للإذاعة والتلفزيون»، أخبرني مدير المكتب. أطفأت سيجارتي ونهضت بهدوء. دخلت مكتب الشيخ: «صبحك الله بالخير طويل العمر»، «هلا بالنوخذة» كالعادة بدا المكتب غارقا في رائحة البخور. ما إن جلست حتى بادرني «نريد منك تسجيل أغاني أم كلثوم للإذاعة والتلفزيون» تلاقت نظراتنا. آنست تلك النظرة المحبة في عينيه. «اختر ما تشاء، وأنا متأكد ستكون التسجيلات جميلة». وقد كان وزير الإعلام يزوره في بيته أثناء مرضه ليطمئن عليه ويسانده معنويًّا. 

اللقاء المباشر بسيدة الغناء العربي:

من المحطات الأساسية في حياة عوض الدوخي هو لقاؤه المباشر بسيدة الغناء العربي، نقرأ على لسان عوض دوخي حين شاهد أم كلثوم عيانا أول مرة، قبيل حديثه المباشر معها: «جلست صامتا أراقب هذه الفنانة التي طالما حلمت بلقائها، كانت تجري بروفات لإحدى أغنياتها في شركة مصر فون. دار ببالي، هذه السيدة العظيمة هي صوت مصر. وتساءلت: كيف يحول الفن الإنسان ليكون أسطورة. ها هي سيدة الغناء العربي، امرأة من لحم ودم. امرأة ولكنها ليست ككل النساء. ها هي صوت القاهرة والعرب، ها هي المرأة التي تجاوزت بحنجرتها وصوتها وأغانيها مطربي عصرها. هذا هو الصوت عينه الذي احتل وشغل عليّ طفولتي وأحلامي. هذا الصوت الذي قلدته وشهقت روحي بألحانه.. وحين انتهت، تقدمت منها. تلاقت عيناي مع نظرة عينيها فرأيت شواطئ النيل وقصص حبها بآهاتها. سلمت عليها، تصافحنا، وكم هز روحي لحظة سمعتها تقول: «أستاذ عوض، أهلا وسهلا. أهلا وسهلا بالكويت». ص 187 

ومن الكلمات التي قالتها له أم كلثوم: «قليلون جدًّا من أحب أن أسمعهم يؤدون أغانيّ وأنت أحدهم»، «أنت تغني أغانيّ بإحساس عميق ومرهف لا يشوه الأغنية وبشكل خليجي أحببته»، «أنت عندك طبقة صوت ممتازة.. عندك «قرار عظيم». 

محمود الرحبي روائي عماني