الشعر والجماهير.. المجد للفن أم للحشود؟
الثلاثاء / 11 / ربيع الأول / 1448 هـ - 12:31 - الثلاثاء 25 أغسطس 2026 12:31
في تاريخ الشعر برز شعراء جماهيريون، تتغنَّى الحشود بكلماتهم، في الميادين، حيث تنفجر الثورات والاحتجاجات، وفي جبهات القتال، ضد المستعمرين والأعداء. وقد جمع قليل منهم تلك القدرة الفائقة على سبك الفن والغضب، فلم تنزلق قصائدهم إلى المباشرة، ولم تتحوَّل كلماتهم إلى هتاف، فالشعر ليس خطباً حماسية، والشاعر قد يكون جندياً، أو رجل مقاومة، كما كان الفرنسي أراغون، لكن قصيدته لا تتنازل أبداً عن جمالياتها.
عرفت الثقافة العربية هذه النوعية من الشعراء، مثل عبد الله البردوني، وصلاح عبد الصبور، ومحمود درويش، وأمل دنقل، وسميح القاسم، وعبد الرحمن الأبنودي، وغيرهم، لكن الحياة تخلو من أشباههم الآن تقريباً. صحيح أن ثمة شعراء جماهيريين، لكن قصائدهم عالية الصوت كأنها شعارات تُتلى في مكبرات صوتٍ، فهل انتهت القصيدة الجماهيرية الجميلة بلا رجعة؟
الشاعرة الأردنية زليخة أبو ريشة ترى أن الشعر الموجه إلى الحشود قد انتهى بعد أن بلغت الحداثة الشعرية منتهاها، لولا ردة شعرية حدثت منذ نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة تقريباً، فقد تسلَّل مدٌ أيدولوجي إسلاموي إلى الفنون لهدايتها إلى الطريق المستقيم، وهو طريق الآباء والأجداد قبل (هرطقة) الحداثة، وكانت القصيدة العمودية هي النموذج المَرْضيّ عنه، والمُتَطَلَّع إليه من المحافظين التقليديين والإسلام السياسي. تعلق: «لن ننسى الحملات التي شُنت لتكفير الشاعر أدونيس بسبب تبنِّيه الحداثة الشعرية والفكرية، بل لم ينجُ منها الناقد التنويري السعودي عبد الله الغذامي، ناهيك عن الحملات الكثيرة ضد قصيدة النثر، وضد الشعر الحديث كجزء من التوجه العلماني. فعلى سنوات المدِّ الإسلامي السياسي في البلاد العربية وفي العالم، كان الهجاء حثيثا لكل ما هو ليس قصيدة عمودية».
تلفت زليخة إلى أنه يحدث هياجٌ تجاه كل تغيير في بنية النص الشعري أو في شكله، فاستقرار القصيدة يعني الاعتياد والسيطرة على الذائقة. ومن جهة ثانية هناك الذائقة المؤدلجة التي ترمي كل اختلاف بالفجور والكفر، وتأليف القصص عن مؤامرة كونية ضد اللغة العربية (لأنها لغة القرآن).
تؤكد زليخة أنه مع ذلك بلغ النص الشعري العربي مبلغا بعيدا في التطور في مسعاه لتخفيض صوت المنبر الجماهيري، والتوجه نحو الهمس الموسيقي، والتأمل، وتطوير اللغة لتناسب التجريد الشعري، وهذا ما آل إليه مثلاً شعر محمود درويش في آخر ديوان نشره في حياته. فمن القصيدة التي تهيِّج الجماهير «أحن إلى خبز أمي» و«سجل أنا عربي»، إلى القصيدة التي تطرب الجماهير «على هذه الأرض ما يستحق الحياة» و«فكِّر بغيرك» و«لاعب النرد»، إلى القصيدة خافتة الصوت ذات الطبيعة التجريدية والتأملية «جدارية»، فمحمود هو الذي قال في إحدى مقابلاته إن الشعر العربي وصل إلى أعلى مراتبه الآن، أي أن التجريد هو أعلى سلم التطور، أي الحديث مع النفس، ومعاينة الفكرة الإنسانية، والتفكير في الكون والحياة والموت وألم الوجود البشري.
وفي الجهة الأخرى من التجربة الشعرية العربية – والكلام لزليخة أبو ريشة - كانت مدرسة أدونيس ومجلة «شعر» تسير بخطىً واسعة منذ ستين عاما ويزيد، بما يعادل مدة التجربة الدرويشية وشعر التفعيلة، وذلك نحو الانتشار وتجاوز مرحلة التأسيس إلى الاعتراف بها، ثم النضج، بل والاتجاه نحو اعتبارها جنسا أدبيا جديدا، وهذا خلق شريحة واسعة من جمهور الشعر، تستقبل شعرَ التأمل وشعر الفكرة المكثفة، والصورة الواحدة، والموسيقى الخافتة. حتى قيل إن هذا الشعر لا يصلح للقراءة بصوت مرتفع، أي لا يصلح للمنابر.
وتستدرك: «على أن ما بدأتُ به كلامي عاد ليقرقع، فقد ترافق برنامج (شاعر المليون) الموجَّه بمزاج الوزن الخليلي والذائقة التقليدية، وبمباركة من أحد أهمّ نقاد الحداثة صلاح فضل، ترافق وأنتج شعراء عادوا بالقصيدة إلى عموديتها، وانطلقوا في وسائل الإعلام ليصبحوا نجوما لهم أتباع وعاشقون، ومنهم وأعلاهم شأناً وتأثيراً تميم البرغوثي. يليه وليد الصراف، ثم روضة الحاج».
وتضيف: «حدثت الكارثة، فتميم البرغوثي ابن بيت الحداثة الفكرية والشعرية (رضوى عاشور ومريد برغوثي)، وبغواية النجومية الرنانة والطنانة، بدأ مقلِّداً لمحمود درويش، وانتهى في آخر قصائده إلى السير على خطى البوصيري وشعراء عصر الانحطاط في تصيد الصور التراثية، والحفر بحثاً في الموروث اللغوي عن غريب اللفظ، والتباهي باستحضار شيء من اللعب التي ملأت شعر تلك العصور الجامدة ذوقا وتقليدا. هذا وقد حقق تميم جماهيريةً ربما تضاهي جماهيرية محمود درويش، قائمة على الشعر المنبري الذي يخاطب الجمهور ويستثيره ليصفق، بعبارات وقفلات وقوافيَ مثيرة. بل إنه قد ذهب إلى كتابة شعر بحساب (الجُمَّل) أي أكثر أنواع النظم الشعري تكلّفاً وصنعةً بل ورداءة».
ترى زليخة أيضاً أن إيقاظَ الماضي، واستعادته وإحياءه قد تمَّت جميعها على المنابر اليوم، حتى إن أي مهرجان أو ملتقى شعريٍّ لم يعد يخلو من شعراء العمود، إلى جانب شعراء التفعيلة، إلى جانب شعراء قصيدة النثر. وإذ يبدو المشهد ديموقراطيا يعبر عن التعددية، فإني أطمئن النقاد إلى أن هذه التعددية مؤقتة، وأن المشهد يغذُّ السير نحو الصوت الواحد والنمط الواحد، فالردة إلى الماضي المعبود فنياً هي أقصى ما يمكن أن تبلغه. فبعد أسلمة المجتمع من المدن إلى الأرياف، وأسلمة المرأة، وأسلمة الشارع، وأسلمة اللغة، أتى أوان أسلمة الآداب والفنون، وأسلمة الشعر. فتخلَّقت القصيدة (المحجبة) التي تتبنى صور التراث ومنطق الماضي ولغته ومدائحه الدينية. وهكذا، فإن الإلقاء الشعري اليوم يتراوح بين شعر التأمّل والمتعة السرانية الغنوصية، وبين الشعر الصدَّاح الغنائي المطرب إلى المهيِّج الجماهيري. ولا مفر».
قصائد حية
أسأل الناقدة المصر»ية الدكتورة اعتدال عثمان: هل الشعر الجماهيري يفقد جزءاً من فنياته بالضرورة؟
وتجيب: «لا أعتقد، كما أن النخبوية ليست دليلاً على الجودة. فالعلاقة بين الفن والجمهور ليست علاقة تضاد، وإنما توازن لا يحققه إلا الشعراء الكبار. والتاريخ الأدبي يؤكد أن القصائد التي بقيت حية لم تكن رفيعة الصنعة فحسب، بل كانت أيضاً قادرة على الوصول إلى وجدان الناس، والشعر الجماهيري الحقيقي لا يقوم على تبسيط اللغة أو مجاملة الذائقة العامة، وإنما على موهبة أصيلة، وتجربة إنسانية عميقة، وثقافة واسعة، تُمكِّن الشاعر من استيعاب ما استقر في الوجدان الجمعي، ثم إعادة صياغته في لغة حديثة دون أن تنفصل عن التراث أو عن جماليات الشعر».
وتضيف: «الشاعر الذي يصل إلى جمهور واسع ليس بالضرورة شاعراً يكتب قصائد سهلة، بل هو من يحوِّل تجربته الخاصة إلى تجربة إنسانية عامة، فيشعر القارئ أن القصيدة تعبِّر عنه. وهنا تنشأ الجماهيرية بوصفها نتيجة طبيعية لصدق التجربة، لا هدفاً مقصوداً».
تميِّز اعتدال عثمان إذن بين شعر يحقق انتشاره لأنه يحمل قيمة فنية حقيقية، وشعر يسعى إلى الشعبية السريعة على حساب العمق. الأول يبقى، أما الثاني فيخبو مع الزمن».
تعلق: «لذلك فالسؤال الحقيقي ليس: هل يفقد الشعر الجماهيري فنّيته؟ بل: هل يمتلك الشاعر الموهبة والثقافة والرؤية التي تمكِّنه من الجمع بين الفن الرفيع والقدرة على مخاطبة الإنسان؟ والتجارب الكبرى تثبت أن ذلك ممكن، وأن القصيدة العظيمة تعيش لأنها صادقة ومبتكرة وقادرة على ملامسة الوجدان الإنساني».
أسألها من جديد: ما النماذج العربية والعالمية التي صالحت بين الفن الرفيع والجماهيرية؟ وما الذي يميز قصيدتهم؟
وتقول: «يقدم تاريخ الشعر نماذج كثيرة تؤكد أن القيمة الفنية والانتشار الواسع يمكن أن يجتمعا في القصيدة الواحدة. ففي تراثنا العربي يبقى المتنبي المثال الأبرز، إذ جمع بين قوة اللغة وعمق الحكمة والقدرة على التعبير عن الإنسان، فظل شعره حاضراً عبر القرون. وفي العصر الحديث استطاع أحمد شوقي أن يحافظ على البناء الفني للقصيدة مع حضور جماهيري واسع، ثم جاءت تجارب صلاح عبد الصبور وأمل دنقل لتؤكد أن القصيدة الحديثة قادرة على الجمع بين العمق الفكري والتأثير الوجداني. أما محمود درويش فقد انطلق من التجربة الفلسطينية ليصل إلى أفق إنساني أرحب، بينما حقق نزار قباني جماهيرية كبيرة بلغة شفافة لم تتخل عن شعريتها».
وتضيف: «عالمياً يمثِّل ويليام شكسبير نموذجاً للشاعر الذي كتب لجمهور واسع، وبقي في الوقت نفسه من كبار شعراء الإنجليزية، كما استطاع بابلو نيرودا وناظم حكمت أن يجمعا بين الغنائية العالية والانحياز لقضايا الإنسان. والقاسم المشترك بين هذه التجارب أنها لم تبحث عن الجماهيرية لذاتها، بل جاءت نتيجة لصدق التجربة، وإتقان الصنعة، واتساع الأفق الإنساني. فكل واحد من هؤلاء انطلق من بيئته الخاصة، لكنه استطاع أن يخاطب الإنسان في كل مكان. ولذلك بقي شعرهم حياً، لأنهم لم يضحوا بالفن من أجل الانتشار، ولم يعزلوا القصيدة عن جمهورها باسم المحافظة على مستواها الفني. وهذا في تقديري هو المعادلة التي يصنعها الشعر الخالد».
الأيديولوجيا والفن
ما زلنا مع رأي النقد. الناقد المصري ممدوح فراج النابي أجاب على سؤال هل الأيديولوجيا عدو الشعر؟
بدأ النابي من قاعدة يسلِّم بها كثير من نقاد الأدب ومنظِّريه، وهي أن الأيديولوجيا ضد الفن، أي تفسده، وهذا من وجهة نظره حكم عام، لأنه في المقابل ثمة مَن يقول لا يوجد أدب دون أيديولوجيا، فهي متغلغلة في كل شيء، بمعناها العميق، وباعتبارها الرؤية الفكرية والفلسفية التي ينبع منها النص أو تشيع فيه أو يجسِّدها، وليست تلك التي تعني مجموعة من الأفكار والقيم، تخدم طبقة مصالح مهيمنة عبر إنتاج وعي زائف (كما هي عند جورج لوكاتش)، وهو ما ظهر في بعض الأشعار، التي وُلِدت قي سياق انتماء بعض الشعراء إلى تنظيمات سياسية وحزبية. في الحالة الأخيرة تكون الأيديولوجيا عدواً للشعر وبالأحرى عدواً للجمالي، لأنها تفسده، وتجعله موجَّهاً، لا خارجاً عن تجربة إنسانية، أو رؤية فنية، وتغلب عليه المباشرة والسطحية، وكأن القصيدة أشبه ببيان تحريضي أو تعبوي، وهو ما أوقعها في فخ التعبوية والمباشرة، فغابت الجماليات على حساب الامتثال للأيديولوجيا المهيمنة أيّاً كان مصدرها حزبي أو ديني.
ينتقل النابي إلى الشعراء الذين غلَّبوا القيم الجمالية وإن كان بعضهم ملتزماً حزبياً وأيديولوجياً، على حساب القضايا السياسية والأفكار التعبوية الداعية للتغيير، فمحمود درويش على سبيل المثال يعترف بانتمائه إلى المبادئ الماركسيّة، وهو ما ترك «آثارا حاسمة على سلوكه وشعره» حسب قوله، إلا أنه حافظ على السمات الجماليّة لقصيدته. يورد النابي مقولة غالي شكري هنا: «كان درويش يُدرك الحدود الفاصلة بين الإبداع والموقف السياسي. كان يعطي ما لقيصر لقيصر، وما للشعر للشعر، فإذا تطلب الكفاح من أجل القضية حزباً، أو أيديولوجية، أو سجوناً، أو معتقلات لا يتردد في اتخاذ الموقف الصحيح إلى جانب شعبه. أما الإبداع فشيء آخر لا يخلط بين متطلباته ومقتضيات السياسة، حتى ولو كان في السياسة ما يغري بالجماهيرية والذيوع وسعة الانتشار، أما الانتماء فجاء لمنح نفسه الوقاية من تأثير انتسابه مع عدد كبير من المثقفين الفلسطينيين إلى حزب راكاح الشيوعي».
كيف يتجنَّب الشاعر إذن تأثير السياسة على قصيدته؟
يتفق النابي مع نقاد النظرية الاجتماعية في أن الشاعر والأديب بصفة عامة ابن بيئته وظروفها السياسية والاجتماعية، وبطبيعة الحال لا بدَّ أن يتأثر بما حوله، وبما أن الكتابة هي فعل لغوي، والفعل اللغوي في كل أبعاده فعل اجتماعي في المقام الأول، لذلك فإنه فعل أيديولوجي، بل يذهب رولان بارت إلى أبعد من هذا بإشارته إلى أن «الفاعليات الدلالية والنشاط الثقافي نابعة من بؤرة أيديولوجية»، لكن - وهذه هي المفارقة - تكمن قدرة الشاعر في التعبير عما يحس به دون الوقوع في فخ التقريرية والأيديولوجيا المحرِّضة، أو الانعكاس الآلي، فهذه التجارب الشعرية خلقت معالجات ورؤى جديدة بعيدة عن السطحية بالإيحاء دون الإفصاح، ومن ثم مهارة الشاعر الحقيقي هو وضع هذه المسافة الفنية (الانحياز لجماليات الشعر) التي ينجو بها شعره من المباشرة، ويتمرد بها على الواقع أو إعادة صياغته أو تغييره عبر الفن، لا عبر ترديد شعارات جوفاء لا طائل منها. والحقيقة أن كل شكل فني حامل أيديولوجيا، وليس مجرد وعاء فارغ الدلالة، وهنا تبرز مقاومة الشاعر واستجابته لواقعه دون التفريط في جماليات القصيدة.
ظاهرة أدبية
هل انتهى زمن الشعر الموجه للحشود؟ وهل يفقد الشعر قيمته كلما اتسعت رقعة جماهيره؟
وجَّهت هذين السؤالين لثلاثة شعراء عمانيين، ومع اختلاف رؤيتهم للشعر اختلفت إجاباتهم، لكن كلامهم معاً يمكن أن يمنحنا صورة أشمل لعلاقة القصيدة بالأيديولوجيا.
الشاعر العماني إبراهيم سعيد يقول: «في ظني أن الشعر الجماهيري شكَّل ظاهرة أدبية ليس في عالمنا العربي فحسب بل في العالم كله إذا استعدنا الشعر الذي كان يلقيه الشعراء في الملاعب الرياضية المليئة بالجماهير كحفل بابلو نيرودا في سانتياغو في السبعينات، وهي ظاهرة حديثة كان للتطور التقني دور رئيسي فيها، فالميكروفونات والبث الإذاعي والتلفزيوني ساهمت بشكل كبير في حدوثها، لكن الأخطر هو أن تلك التقنية تسببت في تطويع الشعر ليتحول عن أسئلته وأفكاره ومشاعره الذاتية إلى ما يمكن أن نسميه مجاراة الشعوبية، حيث يقوم الشاعر بتسخير فنه من أجل تعزيز الشعور العام، والناتج يكون أغلبه سياسياً وله طابع شعاراتي، وهذا واضح إذا تذكرنا مثلاً في حالة بابلو نيرودا نهاية عمله الشعري النشيد الشامل، والذي تحول إلى هجاء مباشر، وتجربة نيرودا لافتة في هذا المجال لإدارته حملة الحزب الشيوعي للانتخابات وفوز الحزب وما حدث لنيرودا بعد ذلك من ملاحقات ومحاولات تصفية».
يرى إبراهيم سعيد أن هذا تقريباً نفس الارتباط في عالمنا العربي حيث ساهمت أحزاب سياسية بعينها في صعود أصوات شعرية طوَّعت شعرها لخدمة نفس الأهداف بدون تعميم، فلدينا تجارب فريدة مستقلة رفضت الانضواء تحت راية أي حزب أو نظام حاكم، وحققت شعبية وجماهيرية كعبدالله البردوني.
يلفت إبراهيم سعيد إلى أن الجماهيرية اليوم صارت غاية بعض أنواع الشعر، كالشعر الشعبي الذي يسعى أصحابه لتلك القمة نفسها عبر وسائل التواصل التقنية والشاشات، وهي بمجملها تعبر عن مرحلة جديدة، تقودها التقنية كذلك. يستدرك: «لكن أظن أن المشروع القديم للشاعر الجماهيري قد تراجع اليوم في ضمائر القراء».
ويؤكد أنه من النادر أن يتمكن شاعر من الحفاظ على فنه، ولنا في مسيرة محمود درويش أبرز مثال معاصر، حيث تحول شعره الأخير عن أسلوبه السابق، وأبقى لنا روائع شعره الخالدة، وهو ما يصفه إدوارد سعيد في آخر كتبه بالأسلوب المتأخر الذي أنقذ تجربة محمود درويش من النمطية السائدة في القرن العشرين، وأبقت فنه رغم أن شعره الجديد آنذاك واجه معارضة شديدة خاصة من الجماهير، وبدأ الناس يستعيدون قصائده القديمة، لكنه أصر على الخط الجديد، وهو ما أنتج لنا أعمالاً مثل الجدارية وغيرها.
وأنهى حديثه قائلاً: «أظن أن الشعر كأي حالة فنية أخرى هو نوع من اللغز المزدوج الذي لا يكتفي بكشف الشاعر فحسب، بل يكشف الجمهور والعصر بأكمله في نفس الوقت، ولذلك تبقى أهمية الشعر بوصفه ينبوعاً مستمراً لبقية الفنون، كما نجده اليوم بألف صورة وشكل في السينما بجماهيريتها وبقية الأعمال البصرية والسمعيَّة، فالشعر عامل فني رئيسي تجده في كل شكل فني».
تكريس أنماط شعرية
«لعل الأيديولوجيات الكبرى الموجه للحشود هي التي انتهى زمنها» بهذه العبارة يستهل الشاعر عوض اللويهي رأيه؛ حيث أن هذه الأيديولوجيات كان لها أحزاب ومؤسسات إعلامية، ودور نشر ساهمت في تكريس حضور بعض الأسماء والأنماط الشعرية، ثم إن طرق النظر إلى القضايا الكبرى ومقاربتها وتبنيها والإيمان بها قد اختلفت.
بحسب اللويهي فإن الشاعر في ظل انهيار وتلاشي المحفزات التي كان الشعر يستجيب لها ويتماس مع نبضها وجد نفسه محاطاً بأسئلة أخرى وقضايا جديدة لا علاقة لها بتلك التي أفنى الشعر السابقون أعمارهم يدافعون عنها. يعلق هنا: «بالطبع لا بد من أن يكتب الشاعر بحساسياته الجمالية المختلفة استجابة للقضايا الشخصية والإنسانية والكونية على وفق محركات شعورية ورؤيوية فنية وجمالية، فالشاعر لا يوزع وصفات تتضمن حلولاً مباشرة لقضايا كبرى تفوق طاقة احتماله بل يقدم فناً يتجاوز الطرح المؤدلج».
ويضيف: «هناك تغيرات طرأت في سياق العلاقة بين الشعر والشاعر والعالم، الشعر لا يمكن أن يترك مكانته التي صارع لأجلها لقرون طويلة، ولكنها تحديات صعبة وحقيقية وتستدعي منه أن يجدد أدواته وعلاقاته وطرق تفاعله مع العالم الخارجي، وأن يعيد بناء بيته الشعري الداخلي وأن ينفض عنه الكسل فالقصيدة الجديدة تحتاج إلى أوراق وأحبار جديدة ليس لها ذات الروائح السابقة. باختصار على الشاعر أن يجيد تغيمس قصيدته وحبره وأوراقه في نهر هذا الزمان الجديد ومراياه، ولكن بما يحفظ للشعر فنيته وجوهره الأصيل».
وفي نقطة جديدة يتطرق إلى العلاقة الطردية بين قيمة الشعر واتساع الجماهيرية: «أولاً لكل فن رسالة، وكلما اتسع الجمهور المستقبل لها فلا بد أن تكون هناك طرق لتبسيطها حتى تصل إليه. ثانياً: إذا كان الشعر يأتي لإرضاء ذائقة الجمهور؛ فعلى الشاعر بالتالي أن يقدم ما يتلاءم مع المقاييس الجمالية وأفق توقع الجمهور، فهذا الشعر يولد تحت ضغط شروط فنية لا تنبع من رؤى وتأملات الشاعر، بل يولد في حاضنة الرغبات الجماهيرية».
ويقول: «على الشاعر أن يدرك موقعه في عالم يموج بالصراع المحموم والضجيج المقلق على الشعر والشاعر أن يعيدا تفسير وتعريف معنى أن يكون للشاعر صوت مختلف، وأن يكون للشعر مذاق مغاير لا يشبه الأنماط السائدة. على الشاعر أن يدرك ويستوعب قوة التقنيات الحديثة لإيصال صوته، وتأكيد حضوره، وتجديد فضاءات شعريته».
مستويات متعددة
أما الشاعر الدكتور محمد بن عبدالكريم الشحي فيؤكد أن ما انتهى حقاً «هو توهم وجود الحشد الواحد». يشرح: «مرة قال ابن رشد: «طباع الناس متفاضلة في التصديق»، أي لا يفهم الناس الخطاب ويقتنعون به بذات المستوى، وهي وإن وردت في سياق معرفي وفلسفي مختلف، تفتح لنا إمكاناً لفهم تفاوت التلقي. فالمعنى لا يصل إلى الجميع بالدرجة نفسها، ولا يستقر في الوعي على صورة واحدة».
يفرِّق الشحي بين تلقٍّ عمودي تتفاوت فيه طبقات النفاذ إلى النص من المعنى المباشر إلى الرمزي والتأويلي، وتلقٍّ أفقي تتجاور فيه جماعات وذائقات مختلفة، يقرأ كل منها النص من زاوية ثقافية وجمالية ومعرفية مغايرة، وبالتالي لا تعود القضية المركزية هي المفاضلة البسيطة بين الحشد والقيمة، ولا يصبح اتساع الجمهور دليلاً على انخفاض القيمة، كما لا تصبح محدودية الجمهور شهادة تلقائية على عمق النص. ولكن تتحول المساءلات نحو: أيُّ جمهور ينتجه النص؟ وأيّ قارئ يستدعيه؟ وما هي مستويات القراءة التي ينتجها؟
بحسب الشحي، الشعر إذا كُتب ابتداء وفق تخيل جمالي وتبرير معرفي موجَّه للجمهور يبحث فيه الشاعر قصداً عن استجابات عابرة للشرائح ومتعدية النطاقات فإنه لا يُسمَّى شعراً. إنه مجرد تهافت يقضي على العدة الجمالية للشاعر ويقلل من الكثافة والمقاومة التأويلية للنص، فيتحوَّل من الأدب للخطاب العمومي.
ويستحضر الشحي تحذيراً من المفكر المغربي علي أومليل من غرق النخبة في الحشد وضياع فردانية المثقف، ويخلص لفكرة أن هذا ينطبق على الشعر يوم يتنازل الشاعر عن متراكمه الجمالي وحدوسه التجاربية وبصمته الشعرية الخاصة حين ينعدم أفق المعنى الثقافي، وربما استسلاماً لراهن اللحظة الذي يعلي من قيمة «الكمي» على حساب «الجمالي» وبحثاً عن ذائقة واسعة النطاق على حساب الشعرية المحضة.
هناك مسألة أخرى جديرة بالتأمل بالنسبة للشحي، وهي أن التحشيد الافتراضي زاد المشهد تعقيداً، وفكك مفهوم الجمهور والحشد؛ فبعد ظهور النشر الإلكتروني وعبر مختلف المنصّات والتطبيقات، لم يعد الجمهور كتلة واحدة يحكمها الحيِّز المحدود، وإنما خرائط سائلة، وعابرة، ومتبدلة من جماعات التأويل، ولذلك فإنه لا تعارض بين القيمة والجماهيرية فقد يصل نص لمساحات جماهيرية عديدة ومتنوعة مع كثافتها التأويلية العالية وتنوع وحداته الدلالية.
ويقول أخيراً: «ما ينصف الشعر هو المسافة النقدية التي تخاف بها الشعرية على الاستقلال الجمالي سواء اقترب منها الجمهور أو ابتعد تظل وفية للروح المضمونية والعمق الجمالي وطبقات الشعرية ووجوهها المتعددة.
ابن الشك
هل الأيديولوجيا عدو الشعر؟
يرى الشاعر الأردني حسين جلعاد أنها تصبح كذلك حين تدخل القصيدة وفي يدها الإجابات كلها، فالشعر بطبيعته ابن السؤال والشك والقلق، وحين يُطلب منه أن يثبت فكرة جاهزة أو يدافع عن يقين مكتمل، فإن مساحته تضيق ويتحول تدريجياً إلى خطاب موزون أو منشور سياسي.
لكن هذا لا يعني، بحسب جلعاد، أن الشعر يعيش خارج التاريخ أو أن على الشاعر أن يكون محايداً أمام القتل والاحتلال والظلم، فكبار الشعراء اتخذوا مواقف حادة من عصرهم، وبعض أعظم ما وصلنا من الشعر الإنساني وُلِد في قلب الحروب والمنفى والقمع والمقاومة. المسألة كلها تتعلق بالطريقة التي تدخل بها القضية إلى القصيدة، ويبرز ذلك في تساؤل أساسي وهو: هل تدخل القضية بوصفها شعاراً سابقاً على الشعر، أم كتجربة إنسانية تعيد تشكيل اللغة والمخيلة؟
وكيف يجمع الشعر بين الشروط الفنية والمقاومة؟
يقول: «أعتقد أن المقاومة في الشعر لا تحتاج دائماً إلى الهتاف، فقد تكون هذه المقاومة في إنقاذ اسم إنسان من النسيان، أو استعادة بيت هُدِم، أو وصف طفل يتمسك بدميته تحت الركام. وأحياناً تستطيع صورة صغيرة كهذه أن تحمل من معنى المقاومة ما لا تحمله قصيدة كاملة من الشعارات».
ثم يحكي تجربة شخصية: «واجهت هذا السؤال بقوة وأنا أكتب ديواني الأخير «ورود يوم القيامة» عن غزة، حيث كان الخوف الدائم أن تبتلع القضيةُ القصيدةَ، أو أن تتحول فداحة الحدث إلى رخصة للتساهل الفني. وكنت أرى أن عدالة القضية لا تمنح النص حصانة جمالية، فالقصيدة الرديئة تظل رديئة حتى حين تدافع عن أنبل القضايا، وربما هنا يقع الامتحان الأصعب، وهو أن يكون للشاعر موقف أخلاقي واضح، وأن يترك للشعر في الوقت نفسه حريته وتعقيده وحقه في السؤال».
يؤكد جلعاد أن ثمة شعراً مقاوماً سيبقى هو الشعر الذي يستطيع أن يغادر مناسبته من دون أن يخونها، ونقرأه بعد أن تهدأ المعركة، فنجد فيه الإنسان الذي كان يقاوم، ويخاف، ويحب، ويفقد، ويحلم. عندها تتحول المقاومة من موقف سياسي عابر إلى تجربة إنسانية قادرة على عبور الأزمنة.
خلطة درويش
ظهر اسم محمود درويش في كلام عدة مشاركين فما هي خلطته إن جاز التعبير للجمع بين الشعر الجيد والجماهيرية؟ الإجابة تلك المرة لشاعر فلسطيني هو مهيب البرغوثي: «محمود درويش شكَّل جيلاً كاملاً. جيلاً مختلفاً عن جيل شعراء الأرض المحتلة، ومختلفاً عن جيله من فدوى طوقان إلى سميح القاسم، وبعد محمود درويش جاء جيل حافظ على نهجه، واحترم ما قدمه؛ لأن درويش كان حالة استثنائية في الشعر. على مدار أربعين أو خمسين سنة ظل محافظاً على رسالته الداخلية، وعلى احترامه للقصيدة من «عاشق من فلسطين» إلى «أحن إلى خبز أمي». صحيح أن هناك أربعة أو خمسة دواوين كتبها قبل خروجه من فلسطين عام 1972، وكان يعتبرها مرحلة مراقبة، وذكر في مقابلات أنه لا يحبها، لكنه فيما بعد نجح في المزج بين الجديد والانتشار. والجديد عند درويش كان في الثنائيات: الحياة والموت، الأرض والسماء، الألوان المختلفة، الأنا والآخر. والآخر هنا بمعنى المختلف عني، وليس بمعنى العدو. وهناك شعراء آخرون نجحوا في هذا المزج أيضاً بين التجديد والانتشار مثل غسان زقطان، ووليد الشيخ. هؤلاء هم الشعراء الذين حملوا همَّ القصيدة وهمَّ الشعر».
وعلى مستواك الشخصي، هل تكتب وفي ذهنك الجمهور؟
أجاب: «أكتب لأكون أمام نفسي، وأكون أمام الورقة بهذا الصدق وهذه الرؤية الخاصة. الشعر عندي وقائع وصور أحملها في داخلي، ويمكن أن تخرج في أي لحظة، نعم الشعر هو أحداث متتالية تنبع من الحروب والصراعات النفسية، أو من لقاءات الحب، أو قطف الأزهار، أو أي شيء آخر. أكتب الشعر حتى لا أفقد الجمال الذي في داخلي، وبإيمان حقيقي بأنه خلاصنا الوحيد. أنا لا أكتب لفئة أو جمهور، لأنني لست لاعب كرة أو ممثلاً».
***
انتهى كلام المشاركين في التحقيق والسؤال إليك أنت أيها القارئ: متى تشعر أن قصيدة ما مكتوبة لك؟ ومتى تقرر أن تقرأها بصوتك العالي؟ هل تحب الشعر الذي يوقظ خيالك، أم ذلك الذي يبث الغضب في أعماقك؟
حسن عبدالموجود صحفي وقاص مصري