لماذا لن تختفي القصة القصيرة
الثلاثاء / 11 / ربيع الأول / 1448 هـ - 12:14 - الثلاثاء 25 أغسطس 2026 12:14
جيس رو
ترجمة: أحمد شافعي
كثيرا ما يحدث، في وقت ما من شهر أكتوبر، حينما تصدر أنطولوجيا (أفضل القصص الأمريكية القصيرة) السنوية، أو حينما يفوز ـ في ما ندر من الحالات ـ كاتب قصة قصيرة أيقوني من أمثال جورج سوندرز أو أليس مونرو أو ليديا ديفيس بجائزة كبيرة، أن تظهر مقالة تطرح السؤال الأزلي، الذي صاغته صحيفة ذي جارديان في عام 2018 على النحو التالي: «ما القصة القصيرة؟ ولماذا يجب أن نقرأها؟»
تسليني هذه المقالات مثلما تحزنني. فهي تكرر نوعا من الطقوس، لكنها ليست الطقوس التي نصادفها في بعض أشهر القصص القصيرة من قبيل «اليانصيب» لشيرلي جاكسن و«فنان الجوع» لكافكا. حيث نرى شيئا مزعجا، أو شخصا مزعجا، أو ـ كما في حالة القصة القصيرة ـ جنسا أدبيا مزعجا، وقد بات معروضا أمامنا لكي نراه ونرى ماذا يمكن أن نفعل به. ما المشكلة في هذا الشيء؟ لماذا يبدو غير متسق مع محيطه؟ ولماذا يثير في أنفسنا مشاعر غريبة، هي مشاعر الشفقة والذنب والكراهية الغريزية، والرفض المتوتر؟ ترى هل يكون الحال أيسر لو تخلصنا منه، ونبذناه، وقمعناه؟
عندي نظرية بشأن ما يفترض من كراهية عامة للقصص القصيرة وهي أن الناس يربطونها بحصص اللغة الإنجليزية في مرحلة الدراسة الإعدادية، إذ يتعامل التلميذ أو التلميذة مع الحليب الدافئ في المقصف، ومع التدريب على ارتداء حمالة الصدر، ومع ورقة الخس العالقة في تقويم الأسنان، ومع المعلم الذي يضع بين يديه نسخة متسخة من «اليانصيب» أو قصة «هدية المجوس» [لـ أوه هنري] أو «القلب الواشي» [لإدجار آلن بو] ويطلب منه إجابة خمسة أسئلة عليها قبل حلول يوم الاثنين. ولا أحد يحب الواجبات، ولا أحد يربط بينها وبين اللذة.
كما أن القصص القصيرة تشبه تلاميذ الإعدادي، فهي مثلهم ذات حجم عجيب، ولا تتسق بيسر مع وسائط أيامنا هذه. فخلافا للمقالات الشخصية، بل وللشعر، لم تستوطن القصة القصيرة الإنترنت قط، برغم كثير من المساعي الجادة ـ في مواقع القصص القصيرة والبودكاست والرسائل الإلكترونية التي لم يحقق أي منها جماهيرية كبيرة. ولقد شهدنا بارقة أمل حينما انتشرت قصة «الشخص القططي» لكريستن روبنيان انتشارا فيروسيا في عام 2017، لكن ذلك حدث قبل عقد من الزمن، وشأن كثير من الأشياء في عصرنا ويومنا هذا، فإن ما يروج لا يروج إلا للحظة عابرة.
لا يبدو هذا منصفا، صح؟ فبما أن بالإمكان قراءة قصة قصيرة في جلسة واحدة ـ وذلك كان تعريف إدجار آلن بو للقصة القصيرة في مقالته (فلسفة التأليف)- ألا ينبغي أن يفضي هذا بالناس إلى مزيد من اللهفة على استهلاكها، شأن مقالات عمود (غراميات حديثة) أو بودكاست إعادة مشاهدة مسلسل (النمامة).
الحقيقة أن القصص القصيرة تستوجب تركيزا شديدا، وفي بعض الأحيان تعطيلا لقواعد اللغة الطبيعية لبرهة من الزمن. وتصعب قراءة الواحدة منها تلو الأخرى. وتصعب قراءتها على شاشة هاتفك؟ كما أنني أعتقد أن فيها مشكلة أساسية هي أنها ليست باعثة للاسترخاء. بالطبع لدينا من القصص القصيرة ما يعمل بمختلف مستويات الشحن الشعوري، ولكن من السهل علينا أن نفهم لماذا يعزف القراء عن إطالة أمد التركيز الشديد. ثم إنه لا أحد يحب الأفلام القصيرة أيضا، برغم أن من يتصادف أن يعيش على مقربة من دار عرض متخصصة في تقديمها، سوف يندهش من مدى جودتها.
لو أنكم نظرتم إلى الطريقة التي يستهلك بها الناس العاديون المحتوى السردي في أيامنا هذه فعليا لرأيتم خلافا للظن أنهم يحبون المطولات. فيحبون المسلسلات التليفزيونية أكثر من الأفلام. والسلاسل من قبيل «الكثيب» و«رجل العنكبوت». وسلاسل الروايات الفنتازية الممتدة لآلاف الصفحات. فدائما ما يتفوق الكم، والكتل الضخمة، على الكثافة.
والغريب أن هذا ينطبق أيضا على دارسي الأدب، أي أولئك الذين تحسبون أنهم أول من ينبغي أن يأخذوا القصص القصيرة مأخذ الجد. فخارج برامج الكتابة الإبداعية، قليل للغاية من أساتذة الأدب هم الذين يدرِّسون القصة القصيرة أو يؤلفون فيها الكتب. إنما هم يدرسون الروايات، والروايات فقط، وكأنه لا وجود لقوالب سردية أقصر. وقد حاولت قبل سنين إقناع دار (دبليو دبليو نورتن) ـ ناشرة الأنطولوجيات والكتب الدراسية في كل موضوع يخطر على البال ـ أن تنشر أول أنطولوجيا لنظرية القصة القصيرة ونقدها فقيل لي إن «مثل هذا الكتاب لن يكون له جمهور».
وهذا بالنسبة لي يشير إلى أهم شيء في القصة القصيرة، وهو أنه حتى من يفترض فيهم العلم والدراية يخجلون من الارتباط بها. فقوة الهدم في القصة القصيرة تتناسب عكسيا مع شعبيتها، بل مع مصداقيتها الأكاديمية.
ولو أنكم فكرتم في عظماء كتاب القصة القصيرة في تاريخ هذا النوع، لبدأتم تقتنعون بهذا. فبرغم شهرتهم الآن، لم يحظ كتاب من أمثال بو وكافكا وخورخي لويس بورخيس وهينريش فون كلايست وإيزاك بابل وجين باولز ولو شون في حياتهم بأي قدر من الشعبية. بل إنه من قبيل المعجزات، في حالة بعض الكتاب، أن أعمالهم بقيت أصلا. فقد لقي اثنان من أعظم كتاب القصة القصيرة في تقديري الشخصي -وأعني برونو شولتز وهنري دوماس- مصرعيهما على أيدي حكومات كارهة لهما، وكانا في شرخ الشباب، فمات شولتز على أيدي النازيين سنة 1942 ومات دوماس على يد شرطة نيويورك سنة 1968، ولم ينجوا من النسيان التام إلا بعد وفاتهما.
ومن أجل هذا السبب أقول دائما لطلبتي إن عليهم أن يتقبلوا حياة الظل في القصة القصيرة، لا لذاتها، وإنما لأنها المنصة التي يمكن بناء أي شيء تقريبا عليها. فبوسعك أن تنشر الشيفرات النووية لبلدنا هذا في قصة قصيرة فقد تنقضي شهور قبل أن ينتبه إليها أحد. وبوسعك أن تفعل مثلما فعلت أنا في العام الماضي فتحكي كيف تم اغتيال هنري كيسنجر سرا.
وهكذا يجب أن تكون القصص القصيرة: جامحة، منفلتة، متغطرسة، عاصية. وحينما سألت بعض أصدقائي في مجال الكتابة عن السبب في إصرارهم على كتابة القصص القصيرة بدلا من (أو إضافة إلى) الرويات، أوجز نيكولاس مونتيمارانو أفكاري بالكلمة تقريبا إذ قال «إن ثمة تحررا في كتابة أجناس أدبية لا تقدّرها الثقافة بصفة عامة تقديرا كبيرا، فتكتب وكأنما لن يقرأ أحد أبدا ما كتبته».
وترددت مثل تلك النغمة المعارضة عند ريون أميلكار: «إنني أريد أن أستمر في طرح حجة عنيدة، وقد تكون خاطئة، مفادها أن القصة القصيرة قادرة أن تكون في قوة الرواية»، وفي كلامه هذا صدى من مقولة بورخيس الشهيرة (التي قد تكون مدسوسة عليه) بأن القصة القصيرة تجعل الرواية عديمة القيمة. وقال لي مانويل مونوز الذي فاز بوسام مكآرثر للعبقرية سنة 2023 عن قصصه القصيرة التي تجري أحداثها في أوساط المكسيكيين الأمريكيين في وادي كاليفورنيا الأوسط: «في ضوء من أكتب عنهم، وما أكتب عنه، والمكان الذي تدور فيه كتاباتي، فإنني دائما واقعي مفتوح العينين واع بالاهتمام النقدي، والنشر، وحجم القراءة. لكن الأهم عندي هو أن أفعل ما يعنيني حقا على المستوى العقلي والعاطفي، أي القصة دائما».
لكن لعل كارمن ماريا ماتشادو (كدأبها في كثير من الأحيان) هي التي قالتها على خير نحو: “إنها القالب الطبيعي عندي. أنا أفكر بالقصة».
بعبارة أخرى، كتاب القصة القصيرة هم ما ينبغي أن يكون عليه الفنانون: منفتحو العيون، واقعيون، مستقلون بعنف، وفي سلام مع المكان الذي يشغلونه في هامش ثقافة لا تنظر باتجاههم إلا على استحياء وعلى غير انتظار. فهم يقولون: تعالوا اعثروا علينا. ولا تنتظروا أن نبحث نحن عنكم. وصدقوني: إنكم لا تعلمون ما الذي تضيعونه على أنفسكم.
• نشر المقال أخيرا في موقع ليت هب تزامنا مع صدور مجموعة قصصية أخيرا لجيس رو بعنوان (Storyknife).
جيس روا قاص وروائي أمريكي، صدرت له من قبل (وجهك ملكي) وكتاب مقالات بعنوان (رحلات بيضاء: العرق، والقص، والخيال الأمريكي) ومجموعتان قصصيتان هما (القطار إلى لو وو) و(لا أحد يتوه مطلقا). وهو أستاذ في جامعة نيويورك.