عمان الثقافي

رحيل النحات الكويتي سامي محمد روح إنسانية متمردة طوعت الصخر والصلب

 

لطالما أثارت انتباهي، وخصوصًا خلال فترات حياتي في سلطنة عُمان، المشاهد المهيبة لمرور السحب على قمم الجبال في مسقط وغيرها من المدن العُمانية، حيث يتجلى حوار بصري ساحر بين صلادة الصخر ورقة الغيوم. فرغم هشاشة تلك السحب لكنها تطوق الحجر، بسطوةٍ ناعمة وتغزل ضبابها حوله. ولعل هذه الصورة هي أكثر ما يخاتل مخيلتي كُلما تأملت أعمال الفنان الكويتي سامي محمد (1943-2026)، رائد فن النحت في الكويت والخليج، والذي فجعت الساحة الفنية العربية والعالمية برحيله قبل أيام بعد صراع مع المرض. 

هذه الصورة لا ترد في ذهني بسبب ما أبدعه الفنان الراحل من قطع فنية تنطق بالموهبة الهائلة التي تمتع بها، وتكشف عن قدرات فنية رفيعة ومعرفة مذهلة بالتشريح، وتطويع الفن للأفكار المجردة لتنطق بها بشكل فني، بل أيضًا بسبب جانب شخصي في سلوكيات الفنان الراحل؛ فبالرغم مما أنجزه من منجز فني يضاهي نتاج أي نحات عالمي، فقد احتفظ بشخصية شديدة التواضع، والدماثة، واللين. وهو ما لمسه كل من تعامل معه من قرب، والتقى به شخصيًّا. 

عصامي ينحت طريقه 

أما الجانب الآخر اللافت في شخصيته -رحمه الله- فيتمثل في العصامية الشديدة التي تمتع بها، وبناء أسطورته كفنان عملاق في فن النحت، بنفسه، وفي ظروف صعبة قد يصعب فيها تصور أنها تُسهم في أن يتخذ فيها الفرد قرارًا بأن يكون نحاتا. 

كان والده خياطا متخصصا في صناعة «البشوت» وتطريز حواشيها بزخارف دقيقة. ويبدو أن هذا التماس المبكر مع فكرة تطويع المادة، والصبر على غزل التفاصيل بـ«اليد»، ترك أثرًا باطنيًّا في وجدان الطفل؛ حيث تعلّم أن المادة القاسية يمكن أن تلين وتتحول إلى جمال خالص إذا لاقت يدًا حانية تمتلك القدرة والصبر. 

بل إنه وجد في البيئة الفقيرة من حوله ما لم يمكن لغيره أن يراه، ففي تلك الأيام، كانت بيوت الكويت تُبنى من الطين وصخور البحر. فوجد الطفل فيها مادة طيّعة أخذ يعبث بها ويبتكر أشكالًا مستلهمة من الطيور أو الحيوانات. وبهذا بدأت علاقته الأولى لفهم العلاقة بين الكتلة والفراغ. 

عندما التحق بمدرسة الصباح، حظي بتشجيع كبير من مدرسي الرسم الذين أدركوا نبوغه الفني المبكر. في عام 1956 (وكان في سن الثالثة عشرة تقريبًا)، طلبت المدرسة من الطلاب التعبير عن تضامنهم مع مصر إبان العدوان الثلاثي؛ فشارك سامي في صنع مجسم لـ«معركة بورسعيد» على مسرح المدرسة، وصنع بيده تماثيل صغيرة للجنود والنساء والأطفال تحت ركام الطين، ونال هذا العمل إعجاب المشرفين، ومثّل نقطة تحول حاسمة حين نودي اسمه عبر مذياع المدرسة؛ ليتسلم أول جائزة في حياته (قلم جاف) من راعي الحفل الشيخ عبدالله الجابر الصباح. وربما تكون تلك اللحظة هي التي أدرك فيها في ذلك العمر الصغير أن المنحوتة ليست مجرد عمل فني، بل يمكنها أن تغدو صوتًا لقضية كبرى. 

ومثل كل فنان كبير، فقد استحوذ عليه فن النحت تمامًا، وجذبه سحر تشكيل المادة الصلبة وتطويعها وفي عام 1960، بدأ يتلقى نوعا من التدريب الجاد على يد النحات المصري أنور السروجي، وبحلول عام 1962، اتخذ قرارا بترك المدرسة الثانوية ليلتحق بـ«المرسم الحر» كفنان متفرغ. ومن هناك، وبعد تطور إمكاناته بدأت رحلته الأكاديمية التي قادته لاحقًا إلى القاهرة ثم الولايات المتحدة. 

دار مريم 

وقد أحسن صنعا بتفرغه خلال السنوات التي سبقت وفاته بتأسيس محترفه، أو بالأحرى؛ متحفه الشخصي، لكي يعرض به كافة أعماله الفنية غير المقتناة، سواء في النحت أو التصوير، بالإضافة إلى توثيق مذهل لكافة مراحل حياته، وثائقه الشخصية، والتعليمية، مراسلات الأساتذة والفنانين، شهادات التقدير، الميداليات والأوسمة، وحتى علبة سجائره الأخيرة من نوع (كنت) التي تركها شاهدة على اللحظة التي قرر فيها هجر التدخين عام 1977، إضافة إلى مقتنياته من الأعمال الفنية، وأعمال الفنانين الأجانب الذين استلهموا شخصيته وصنعوا منحوتات له شخصيًّا، وغيرها. 

وفي الزيارة التي أتيحت لي لهذا المتحف، الذي منحه اسم والدته -رحمهما الله- وأطلق عليه «دار مريم»، لمستُ توثيقًا أصيلاً لعصاميته الاستثنائية التي كانت وقودًا لقراراته المصيرية، ومنها حزم حقائبه في الستينيات والمضي نحو القاهرة لدراسة النحت، في زمن كان فيه هذا الخيار مغامرة غير مألوفة. حيث تعلم الأصول وأتقن مهاراته، ثم بعد عدة سنوات إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليتعلم المزيد عن تقنيات صب المنحوتات الحديثة. 

ناهيك عن أن هذا المتحف الضخم قد صممه ونفذه بنفسه ونسق معروضاته بنفسه خطوة بخطوة، رغم أنه عمل مؤسسي تقوم به مؤسسات ضخمة وليس مجرد جهد فنان فردي، وقد فعل ذلك بشكل يوحي لزائر المعرض أنه قضى جانبا كبيرا من حياته يشاهد ويتأمل ويتعلم من متاحف العالم حتى يتمكن من إنجازه الفريد هذا. 

تلميذ السجيني 

وهذه العصامية التي لاحت شواهدها مبكرا تجلت في عام 1966، حين حصل محمد على منحة دراسية حكومية للدراسة في الخارج. بعد اجتيازه امتحان القبول في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة، فبدأ أربع سنوات من التدريب الأكاديمي. 

شمل المنهج الدراسي وسائط فنية وألوانًا مختلفة من الرسم والنحت وتاريخ الفن ومبادئ التكوين المستخدمة في مختلف الحركات الفنية، وعلم التشريح البشري. 

وكان مبهورًا بشدة بإمكانيات التشريح في فن مايكل أنجلو. كان جمال السجيني من أبرز أساتذته الذين عرّفوه على تقنيات النحت، وهو أستاذٌ مُقرب شجع طموحات محمد وسعيه نحو أسلوب خاص. أتاحت له منحةٌ حكومية لاحقة (1974–1976) الالتحاق بـ«معهد أتيليه جونسون التقني للنحت» في برينستون، نيو جيرسي. وهناك، قدمَ دروسًا في علم التشريح لزملائه الملتحقين، واستغل الفرصة لزيارة متحف رودان في فيلادلفيا بشكل متكرر. 

وخلال ندوة حوارية أقيمت قبل عدة سنوات مع الفنان الكبير في منصة الفن المعاصر بالكويت، وتشرفت بإدارتها تحدث الفنان سامي محمد عن رحلته إلى مصر، وأنها كانت سفرته الأولى، وعن أستاذه جمال السجيني، الذي عرف في ذلك الوقت بتطوير النحت، «كنا محظوظين أن يكون السجيني أحد أساتذتنا»، أما محمود مختار فقد كان هو الركيزة والأساس في النحت المصري. ثم استذكر رحلته إلى أمريكا، لافتا إلى أنها كانت تجربة مختلفة بالنسبة له، حيث أتيحت له فرصة الاطلاع على عالم فني مختلف تمامًا، مشيرًا إلى أن فترة السبعينيات شهدت شيوع الفنون المركبة «installation»، والكثير من الأعمال التي تنتمي للتجريد. وذكر أنه طوال فترة إقامته بأمريكا اعتاد زيارة المعارض الفنية، كما دأب على الاحتكاك بالمدارس الفنية، وتبادل الآراء مع الفنانين الكبار أصحاب الباع الطويل في الفن، والتقى، بين من التقى بهم آنذاك، بالنحات جورج سيجال، أحد مطوري الفن الأمريكي. 

وبفضل مثل هذه التجارب نحا نحو تجارب فنية أكد بها عالميته، وهو ما أكدته مشاركاته ذات الطابع الدولي؛ إذ مثـل الكويت في الكثير من المحافل الفنية العالمية، مثل تورونتو ومونتـريال الكنديتين، وفي إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، وأيضا في بينالي فينيسيا عام 2013.

وحمل جناح الكويت عنوان «أعمال وطنية»، تولت القيّمة علا يونس تنسيقه. وضم هذا المعرض تمثالًا نصفيًا برونزيًا للشيخ عبدالله السالم الصباح، ونسخة مصنوعة من الألياف الزجاجية لذراع الشيخ صباح السالم الصباح الممدودة (1989)، بالإضافة إلى مجموعة من الرسومات والصور. والمعروف أنه أنجز تمثالا ضخما للشيخ عبدالله السالم مؤسس الدستور ونهضة الكويت الحديثة، وكذلك تمثال آخر للشيخ صباح السالم. 

سر المنحوتة! 

من المقولات الشائعة والخالدة للفنان مايكل أنجلو أن دور النحات ليس خلق شكل جديد من العدم، بل «تحرير» أو إطلاق التمثال الكامن والمحبوس داخل كتلة الرخام. على قناعة منه بأن الشكل الحي موجود مسبقًا في الحجر، وبالتالي تقتصر مهمة الفنان الحقيقية على إزالة الزوائد والأتربة لكشف الفن الماثل في باطنها. 

وهي، في تقديري؛ فكرة لا تنطبق على فن نحت الحجر فقط، بل تمتد لتفسير طبيعة العملية الإبداعية في كافة الفنون. 

فوفق فلسفته في مواجهة النحات للكتلة، كان سامي محمد يرى في المنحوتة كائنًا غامضًا يختلف تمامًا عن اللوحة المسطحة؛ فاللوحة تمنحك مرونة اللحظة بالخط واللون، أما النحت فبناءٌ ومواجهة بين الفنان والكتلة. ويقول في ذلك ما معناه: «إنني أطارد ومضة بعينها، أريد للمشاهد أن يتسمر أمام العمل لا أن يمر به عابرًا. ورغم أن يدي طيّعة وتملك مهارة البناء السريع، إلا أنني كثيرًا ما كنت أكسر مجسمات الطين أو الجبس في الصباح التالي، إن لم أشعر بروحها؛ فأقوم بإعادة بنائها من جديد. أنا لا أمنح العمل خلوده البرونزي النهائي بالصبّ، إلا إذا تيقنتُ أنه يملك القدرة على إيقاف المتلقي أو العابر واختطاف دهشته». 

من بين أعمال سامي محمد التي اشتهر بها، مجموعة أعماله الشهيرة باسم «الصرخة»، التي تمثل حالات مختلفة لمواجهة الفرد للقهر، أو لمحاولات إسكاته أو منعه من التعبير، ولديه مجموعة أخرى تعرف باسم «الخروج» وأغلب هذه الأعمال معروضة في متحف الفن الحديث في الكويت، وتضم أعمالا ضخمة من البرونز تمثل كل منها فكرة محاولات الإنسان الخروج من أسر القوى التي تسيطر عليه، أو من إسار الظروف التي تكبله، أو تقيد حريته، وأيضا اشتهرت بين أعماله مجموعة أعمال بعنوان «صابرا وشاتيلا». 

ويمتاز متحف «دار مريم»، (افتتح للجمهور العام في 2024)، بأنه يضم الكثير من الأعمال الفنية التي تنتمي لهذه المجموعات، بالإضافة لتوثيق الأعمال المقتناة من المتاحف أو الأشخاص أو من بعض المؤسسات، إما بمجسمات مثيلة صغيرة وإما بصور توثقها. 

خبرات شخصية 

تشير الباحثة زهرة حسين علي؛ في دراسة لها عن الفنان الكبير، إلى الظروف التي أسهمت في اهتمامه بالتعبير عن القضايا التي اختارها موضوعات لأعماله الفنية بإشارتها إلى بعض التجارب الذاتية أو الشخصية التي ارتبطت بالألم والعنف المفاجئَين تركت أثرًا في ذاكرة محمد. 

وتتوقف عند ثلاثة منها تراها جديرة بالذكر: خلال طفولته في الصوابر، وعند دخول شاحنة توصيل إلى زقاق، تعلق لهوًا هو ورفاق له بجوانب الشاحنة، وفجأة وجد ثوبه عالقًا في أسلاك عجلة الشاحنة، فارتطم جسده بعنف وكانت حادثة مؤلمة استدعت دخوله المستشفى. وفي حادثة أخرى عام 1969، شهد ذبح جملٍ، حيث استخدم الجزارون الحبال والسكاكين الحادة لذبح الحيوان العاجز. كما شهد تجربة أخرى تداخلت فيها الجوانب الشخصية مع السياسية بشكل مباشر، وكان ذلك خلال غزو العراق للكويت عام 1990، حين رأى بعينيه الدمار الذي ألحقه الاحتلال العراقي بينما كان هو في البلاد لرعاية والدته المسنّة. 

«فهو في ذلك، كغيره من المثقفين والأدباء العرب في العقود التي تلَت الاستعمار، انشغل بمسائل حرية التعبير ونقد الممارسات الاستبدادية وضرورة صون حقوق الإنسان. هو صاحب الوعي الاجتماعي والسياسي، لطالما استنكر الفن المستخدم سواء للتعبير عن الذات الضيقة والمعزولة أو للأغراض الدعائية. إن المؤكد في النحت لديه أنه بمثابة تعليق مستقل مدعوم برؤية إنسانية وأخلاقية، وذلك كما في أعماله المبكرة مثل «الجوع» (1970). وكما تكشف مقابلاته، يؤمن محمد بأن الدور العمومي للفنان لا غنى عنه في المجال المدني. فحتى أثناء إقامته في الخارج، ظل منخرطاً في جهود زملائه الفنانين الكويتيين لتأسيس «الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية» والتي تأسست عام 1967». 

وتكشف زيارة متحفه الشخصي أيضًا التطور المطرد لأسلوبه الفني، وكيفية انتقاله من الطابع الكلاسيكي إلى المفاهيم الأكثر حداثة التي تميل للتجريد وهو ما يمكن تأمله في أعمال نحتية مثل مجموعة الخروج مثلا التي أنجزها في نهاية الثمانينات، أو في بعض المنحوتات التي يبدو فيها هيكل الشخصيات الخارجي مفصلا، لكن الوجه مجرد فجوة مظلمة، مثلا بين أمثلة عديدة. كما يمكن ملاحظة هذه النزعة الحداثية كذلك في أعمال التصوير والرسم، على المساحات المسطحة، إذ يغزل طابعاً يفيض بالغموض في فكرته، بينما يحرر في الوقت ذاته طاقة لونية ساطعة وكاشفة؛ تكشف مهارته الكبيرة في مزج الألوان، وكأنه ينحت بالضوء واللون في هذه الأعمال. 

رحل الفنان الكبير سامي محمد بجسده لكنه خلّف إرثًا فنيًّا هائلًا، قدّم به وثيقة فنية على إبداع فنان كويتي، يمتلك أفقًا إنسانيًّا عالميا، عبّر عن هموم ومعاناة الإنسان في عصر كان شاهدًا عليه، وحفر في الصخر لإعلاء رسالة الفن رغم كافة القيود الاجتماعية المحافظة التي واكبت بداياته، ومراحل من تجربته، لتأكيد الدور الحيوي للفن وبذلك حفر لاسمه مكانا بارزًا في قائمة رواد الفن العربي والعالمي المعاصرين.