أفكار وآراء

أزمة سندات الحكومة الأمريكية تكشف بؤسَ أوضاعِها المالية

ترجمة: قاسم مكي

في تحرُّك يُناسِب إدارةً أمريكية هي الأكثر تدخلا في الاقتصاد خلال نصف قرن، أعلن سكوت بيسنت وزير الخزانة يوم الأربعاء 19 أغسطس عن نيته التدخل للحد «اصطناعيا» من انفلات عوائد دين حكومة الولايات المتحدة. (أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رسميا مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سنداتها طويلة الأجل من بليوني دولار إلى أربعة بليون دولار على الأقل لكل عملية اعتبارا من 9 سبتمبر. والهدف غير المعلن هو خفض تكلفة اقتراض الحكومة في المستقبل - المترجم.)

هذا الإعلان، الذي كان له أثر إيجابي ضئيل جدا استمر لأقل من يوم، دليلٌ على تعاظم رعب إدارة ترامب من ارتفاع عوائد ديونها طويلة الأجل. فعوائد سندات الخزانة لمدة 10 سنوات و30 سنة ظلت عند أعلى مستوى لها خلال 20 عاما. وهذا مؤشر على أن المشترين يحتاجون إلى حوافز جادة لشراء الدين الحكومي الأمريكي الذي تزداد مخاطره.

السؤال: لماذا أسعار الفائدة التي تدفعها الحكومة الأمريكية على سنداتها أعلى من أي وقت مضى منذ الأزمة المالية 2007-2009؟

يعود ذلك أساسا إلى الوضع الكارثي لموازنة الولايات المتحدة وماليتها العامة؛ فواشنطن تشهد عجوزات منفلتة للموازنة ومستويات مذهلة للدين الحكومي وعدم وجود خطط واضحة عند الجمهوريين الذين يسيطرون على الكونجرس والبيت الأبيض لعمل أي شيء بخصوص ذلك.

يقول موريس أوبستفيلد الخبير بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي «لا أعتقد أن (إعادة شراء السندات) تبدِّد حقا المخاوف المستمرة منذ فترة طويلة بشأن أية خطة لمواجهة عجز الموازنة أو أوضاع عدم اليقين بشأن السياسة النقدية. إنها مثل قطرة في سطل».معظم الزيادة في الدين في السنوات الأخيرة مصدرها التخفيضات الضريبية أثناء الفترة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب والتي توّجَها بخفض ضريبي أكبر بموجب «القانون الكبير والجميل» في فترته الرئاسية الثانية. وهنالك حصة كبيرة أخرى أضافتها إدارة بايدن بحزمة التحفيز الطارئة في مواجهة التراجع الاقتصادي التاريخي أثناء جائحة كوفيد-19.

سجل إجمالي الدين الأمريكي الذي لا يتباطأ رقما قياسيا بلغ 40 تريليون دولار هذا الشهر. فحتى الآن وصل عجز الموازنة الفيدرالية للسنة المالية 2026 إلى حوالي 1.8 تريليون دولار. وهو في زيادة؛ فالسنة المالية للحكومة الأمريكية بدأت في أكتوبر الماضي.

ما يعنيه ذلك أن مدفوعات الفائدة على ذلك الدين تتضخم مع إنفاق حوالي تريليون دولار حتى الآن لسدادها في السنة المالية الحالية. ومن المرجح أن يتضاعف ذلك المبلغ خلال العقد القادم إذا مضت الأمور على هذا النحو.

ارتفع الدين الوطني للولايات المتحدة بحوالي أربعة تريليونات دولار منذ تولِّي ترامب الحكم في العام الماضي. وتضاعف منذ تنصيب ترامب رئيسا للمرة الأولى في عام 2017 حيث ارتفع من 20 تريليون دولار فقط إلى 40 تريليون دولار اليوم. هذا يعني أن نصف إجمالي الدين القائم والمترتب على الولايات المتحدة منذ عام 1789 نشأ منذ الفترة الرئاسية الأولى لترامب.

ذلك سبب كبير لفقدان مستثمري السندات الثقة في الدَّين الأمريكي. ولن تعالج تدخلات بيسنت التجميلية والمحدودة التي ستبدأ في الشهر القادم المشكلة الأساسية وهي «أنفق الآن وتوقَّع أن يُخرجك نموُّ الاقتصاد من حفرة الدين».

لكن ذلك سيخلط الأمور بجعل استخلاص العائد «الحقيقي» من الدين الحكومي طويل الأجل أكثر صعوبة. وقد يعرقل تدخل بيسنت خطةَ كيفن وارش رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي التي تهدف إلى الحصول من الأسواق على تغذية راجعة «غير مُزيَّنة» عن الوضع الحقيقي للاقتصاد.

يقول أوبستفيلد «لا أحد يتحدث عن المشكلة الأساسية. فهي ليست أن الأسواق تقلق بلا سبب ولكن الأسواق لديها سبب يدفعها إلى القلق». هنالك سبب آخر لارتفاع عوائد السندات وهي أن الناس الذين يشترون الدَّين الأمريكي ليسوا هم أولئك الذين اشتروه قبل ما يزيد عن عشر سنوات.

في وقت قريب لا يتعدى عام 2015 كان ما يقارب نصف الحائزين على السندات طويلة الأجل التي تصدرها الحكومة الأمريكية جهات أجنبية. ومعظمها بنوك مركزية تريد فقط مكانا آمنا من المخاطر لحفظ أموالها والحصول على عوائد يمكن توقعها. ولم تكن هذه الجهات تهتم كثيرا بالسعر (سعر السند).

لكن اليوم الغالبية الطاغية من حائزي هذا الدين الحكومي تتشكل من صناديق التحوط والبنوك والمؤسسات الاستثمارية الأخرى والتي هي بمصطلح صناعة المال «حسَّاسة للسعر». وربما يفسر ذلك الاستقبالَ الفاتر لآخر مزاد سندات لأجل 30 عاما أجرته وزارة الخزانة الأمريكية.

ليست الولايات المتحدة وحدها التي تواجه في هذا الصيف كارثةَ الارتفاع المنفلت لعوائد السندات؛ فالعديد من بلدان الاقتصادات المتقدمة الأخرى خصوصا اليابان وألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، شهدت أيضا قفزات في عوائد سنداتها بسبب مخاوف شبيهة تتعلق بالركام المتزايد لديونها وضعف الانضباط المالي.

المشكلة التي تعرفها اليابان جيدا هي أن التدخلات الحكومية لوضع سقف على العوائد الخارجة عن السيطرة يقابلها إضعاف العملة؛ وهذا أحد الأسباب التي دفعت بيسنت إلى التدخل في الشهر الماضي لأول مرة خلال ما يقرب من 30 عاما لتعزيز قوة الين الياباني حتى إذا كان ذلك يعني إضعاف الدولار. (لأن اليابان قد تضطر إلى تسييل أصولها الدولارية الضخمة مما سيهدد بالمزيد من ارتفاع عوائد السندات الجديدة التي تصدرها الحكومة الأمريكية. بمعنى آخر دعم أمريكا للين من أجل مصلحتها ( المترجم).

وكما هو متوقع؛ قوبل تدخل بيسنت في أسواق الدين الأمريكي هذا الشهر بهبوط قيمة الدولار.

قد يسعد ذلك ترامب الذي كان يريد دائما دولارا ضعيفا لتقليل الواردات وتنشيط صادرات المنتجات الأمريكية، لكنه ليس شيئا جيدا للبلد الذي يتولى إدارة عملة الاحتياطي للعالم ويعتمد على رغبة الأجانب في حيازة الأصول الدولارية لتمويل عجز كبير ومتزايد في الحساب الجاري.

على أية حال لا ينبغي أن يشكل أيٌّ من هذا مفاجأة من إدارة يقودها رجل لا يفهم أساسا كيف تعمل أسعار الفائدة أو الاقتصاد الكلي (أو الرسوم الجمركية).

لكنه مؤشر على أن وزارة الخزانة الأمريكية بعد تدخلات بيسنت السابقة في الأرجنتين واليابان تعرف على الأقل متى تكون الاقتصادات في ضائقة، هي فقط لا تملك الأدوات اللازمة لإصلاحها.

كيث جونسون كاتب ومحرر الجيو- اقتصاد والطاقة بمجلة فورين بوليسي.