ما بعد الهوية الترويجية لسلطنة عُمان؟
السبت / 8 / ربيع الأول / 1448 هـ - 22:08 - السبت 22 أغسطس 2026 22:08
في مطلع عام 2025 أطلقت سلطنة عُمان «الهوية الترويجية المحددة»، لتكون علامة ذهنية وبصرية تساعد على فهم السياق العام الذي تجري فيه جهود سلطنة عُمان للتموضع العالمي، سواء في مجالات الاقتصاد أو الاستثمار أو السياحة أو اجتذاب المواهب، أو في عموم ما يبرز حضورها لدى الأوساط التجارية والشعبية عالميًا. وهي محصلة مشروع طموح انطلق في عام 2023 عبر البرنامج الوطني لتنمية القطاع الخاص والتجارة الخارجية (نزدهر) آنذاك، وقام على جملة من الدراسات والتحليلات لفهم آلية تشكل الانطباعات العالمية عن سلطنة عمان في دول وقطاعات وفئات متعددة. تنبع القيمة الرئيسية من مثل هذه المشروعات في كونها تسهم في توحيد الآلية التي تُعرَّف بها الدولة خارجيا، وتعمل على جمع عناصر التميز، والقوة، والتفرد ضمن سياق ذهني وبصري متسق يسهل على المتعاملين والشركاء والمتطلعين لمعرفة الدول فهمها، وفهم سلوكها كدولة، واتجاهاتها وطموحاتها، وكذلك فهم قيمها ومنطلقاتها؛ مما يرفع في الجانب الآخر القدرة على جذب المستثمرين والسياح والمواهب.
وفي المجمل العام فإن الهوية الترويجية في تقديرنا (أداة) يكملها وجود (السردية الوطنية)، وهذه السردية حسب فهمنا تتجاوز الهوية التي تجيب على سؤال (كيف نريد أن يرانا العالم؟) لتجيب على أسئلة مهمة منها (من نحن؟ كيف نتحرك عبر الزمن؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟ ما الإرث الذي نبنيه اليوم للمستقبل لأجيالنا ومنطقتنا والعالم؟ ولماذا نحن نلتزم بمسار معين في سياستنا واقتصادنا وهويتنا؟ لماذا نحن مهمون لمنطقتنا والعالم؟).
السردية الوطنية ترتبط بشكل أكبر بحركة الأمة عبر الزمن بالأثر الذي أنجزته، وبالمقصد الذي تريد أن تصل إليه، وبما تقدمه للعالم.
بمعنى كيف تتحول دولة ما أو أمة ما إلى (عُقدة حضارية) لا تستطيع المنطقة تجاوزها ربما في الاقتصاد، وربما في السياسة، وربما في العلم، وربما في شكل آخر من أشكال التموضع الحضاري. وهذا يقودنا لسؤال: مع كل الإرث والمحصلة الحضارية والهوياتية التي تنعم بها عُمان هل استطاعت سرد تموضعها المنشود بشكل واضح للعالم؟ هذا سؤال لا يحتمل الإجابات القطعية (نعم/ لا)، بل يمتد إلى طبقة الانسجام والتناغم، فحين نقول بهوية ترويجية محددة فإن الاستحقاق التالي هو كيف تتحول هذه الهوية إلى (سلوك عام) ينعكس في فعل المؤسسات، وفي تعاملات الأفراد، وفي السياق الذهني الذي يصدره الطالب المبتعث في الخارج، وموظف الخدمة العامة في الداخل، والسائح في بلاد أخرى، والمستثمر في اقتصاد ما، والإعلامي عبر مختلف الوسائط والمنصات التي ينشط فيها، وكل فئة مجتمعية تتحرك ضمن سياق الصورة الوطنية الكلية. وعليه فإن بناء الهوية الترويجية هو إعادة بناء منطلقات السلوك والتفكير للأمة جمعاء بأفرادها ونظمها ومؤسساتها وعملياتها. وهذا لا يعني بالضرورة استحداث قيم وسلوكيات جديدة ومطالبة الأفراد والمؤسسات بها، بل يعني التحقق من أن الجميع ينطلق من الفهم نفسه، ويلتزم القيم نفسها، ويتصرف بالسلوك الذي يوجه الصورة العامة.
في كل دولة تمتلك المؤسسات وعموم الجهاز الحكومي عشرات الخطط الاستراتيجية والرؤى والبرامج والمشروعات الكبرى والتحولية، وهي مفهومة ومستوعبة لسياقها العام، لكن حينما ندعو إلى وجود السردية الوطنية فهي بمثابة المنطق الأعلى الذي يفسر تلقائيًا: لماذا نحتاج إلى كل هذا؟ لماذا نحتاج إلى رؤية وطنية؟ وبرنامج هنا لجذب الاستثمارات؟ وخطة طويلة هناك لتقليل اعتمادنا على الموارد الطبيعية؟ ولماذا نحتاج إلى استحداث تأشيرات أو إقامات ذهبية؟ وغير ذلك من السياقات المرتبطة بالفعل التنموي، فيصبح فعل الدولة بمؤسساتها ونظمها مفهومًا تحت ظل سردية واحدة. وتنتقل هذه السردية - في حال أوجدت لها الأدوات المناسبة - من فهم الداخل بطموحاته وتطلعاته إلى التأثير في الخارج عبر عمليات الاقتصاد والتجارة والاستثمار أو على أقل تقدير رسم صورة ذهنية لدى أكبر قدر من الأوساط الشعبية عن لماذا نحن نفعل كل ذلك؟
الجانب الآخر الذي نود الإضاءة نحوه هو كيف تتحول الهوية الوطنية إلى سلوك عام، وهذا استحقاق مهم؛ فما لم توجد الآليات التي تضمن تحولها لسلوك عام تظل مجرد شعار «لفظي وبصري» لا يندمج مع الحياة الاجتماعية والمؤسسية، وفي سبيل ذلك يمكن وضع إطار محدد وواضح لترجمة محددات وقيم تلك الهوية إلى معايير عند تقديم الخدمات الحكومية، ووضع آلية لمعرفة وتقييم دور المؤسسات الحكومية نفسها في تعزيز ذهنية تلك الهوية، ليس فقط من خلال عكسها بصريًا في وثائقها وخطاباتها، وإنما في سلوكها وخدماتها وأنماط اتصالها. عوضًا عن ذلك من الضرورة بمكان أن يكون «تمثل» تلك الهوية محددًا وظيفيًا في مدونات السلوك والوصف الوظيفي لموظفي القطاعات المختلفة. ومن الأدوات التي يمكن من خلالها ضبط ذلك ما يُعرف في العلوم السلوكية بـ «إثبات نقاط الاحتكاك»، وهي تلك المواضع الأكثر حساسية التي تنتقل من خلالها سلوكيات الهوية وتبني حولها الصور الذهنية ومنها الجهات ومنصات الاستثمار، ومرافق السياحة على طول سلسلة القيمة والخدمة، ومنافذ ومنصات الخدمات الرقمية، وأماكن الفعاليات وسلسلة القيمة المتصلة بها، والمنتجات العُمانية، ومؤسسات التعليم والسلسلة الكاملة لها، كذلك السفارات، والموانئ، وتجربة العمل والإقامة ومنافذ الدخول والخروج المختلفة؛ حيث تستوجب المرحلة المقبلة حسب تأثيرنا وجود آليات قطاعية تضمن إندماج تجربة الهوية في سلسلة كل قطاع أو نظام أو منصة أو منفذ.
يعرف العالم عُمان بأنها وسيطٌ يدعو للسلام، ويساعد في حل الأزمات، ويلتزم الحياد وفتح قنوات الاتصال مع مختلف الدول والشعوب، ويعرف العُمانيون بأنهم شعب مرحاب، وقد يعرف عن الاقتصاد أنه اقتصاد موارد نفطية، لكنه دائمًا إما يوضع في السلة ذاتها مع محيطه، وإما يقارن بها، لكن قد لا يكون وصل إلى مرحلة أن ينظر إلى سرديته بشيء من التمايز، وينظر إلى العُماني أنه ساعٍ باستمرار للتطوير ومكافح.
كل هذه الانطباعات من الجيد رصدها وتحليلها والتحقق منها - وهذا أعتقد ما قام به مشروع الهوية -، لكن السردية الوطنية تذهب أبعد من ذلك إلى معرفة كيف تتحرك الدولة والاقتصاد والمجتمع في عُمان؟ وإلى أين تذهب؟ وما أدواتها؟ وكيف يعتمد العالم عليها اليوم ومستقبلًا؟
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان