أفكار وآراء

الشرق الأوسط ومعالم مستقبله

مع تشابك الأحداث في منطقة الشرق الأوسط وسرعة بروز مستجداتها تطل علينا مشاهد توشك أن تحدد لنا مستقبل المنطقة بأجمعها ونموذجها السياسي القادم، وكأننا أمام لاعبي شطرنج يلعبون بتنافس كبير. أستطيع أن أقول: إن معالم هذا النموذج بدأ يتسارع منذ السابع من أكتوبر 2023؛ ليكون السابع من أكتوبر وما بعده كاشفا فاضحا لكل المخططات الصهيونية، وعجّل بكشفها لكل العالم. ويكفي أن تُلخّصَ هذه المخططات في هدف صهيوني كبير اسمه «إسرائيل الكبرى» الذي كشف عنه رسميا كبار مسؤولي الكيان الصهيوني، وأيده السفير الأمريكي في الكيان الإسرائيلي. استوعبت كثير من دول المنطقة هذا المخطط رغم تأكيد وجود أبجدياته النظرية منذ زمن بعيد، ولكن -للأسف- آثر بعضهم أن يركنه في خانة «الأحلام الصهيونية غير الواقعية»، أو يجعله في قائمة «نظريات المؤامرة» التي لا تحتاج إلى نهوض من غفلة، ولا تحتاج إلى استعدادات لمواجهة مخاطرها الوجودية المحتملة. للأسف الشديد؛ فإننا في منطقتنا العربية لم نعر تلك الأحلام الصهيونية اهتماما يستحق، ولم نبذل جهدا أن نصنفها -على الأقل- مخاطر محتملة. لا أعرف إن كان سيوافقني جميع العرب إن قلت: إن السابع من أكتوبر أيقظ منطقة الشرق الأوسط والعالم أجمع، ولكنها حقيقة لا يمكن أن ننكرها رغم ما نراه من أسى وظلم لا يحتمل يدفع ثمنه أهل فلسطين. 

جاءت بعدها الجبهة اللبنانية التي تغيّرت كثير من معادلاتها العسكرية والقيادية خصوصا بعد اغتيال زعيمها حسن نصرالله، ولكنها أبقت على عقيدة مقاومتها ولم تتزعزع أمام ما تواجهه من ضغوطات. ثم ظهرت معادلة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، والتي اعتُقِد -في بدايتها وبعد مقتل مرشدها الأعلى- أنها النهاية، وأن المشروع الصهيوني اكتمل وتحقق، ولكن وجدنا صمودا إيرانيا لم يتوقعه كثير منا، وأتبعه تقلص للنفوذ الأمريكي في المنطقة، وتأثير على صورة أمريكا في العالم أجمع الذي زاد سوءا بعد أزمة مضيق هرمز وتبعاتها التي أرهقت أسواق الطاقة في العالم. أما الكيان الصهيوني فأزمته أكبر. 

كما تحدثنا عن السابع من أكتوبر وما صاحبه من صحوة، كذلك حال الحرب التي شُنّت على إيران وما صاحبها من تغيرات أشبه أن تكون جذرية أيقظت في منطقتنا العربية -وتحديدا الخليج العربي- كثيرا من سباتنا، فأظهرت معدن أمريكا الحقيقي ونواياه الدفينة، وتبين أنه حليف من ورق، وتجاوز الأمر أن يكون سببا مباشرا -بتحريض من الكيان الصهيوني- في إشعال المنطقة، والإضرار بالمصالح الخليجية. 

سبق أن أبديت رأيا -يوافقني فيه كثير من العرب- قلت فيه: إن إيران وإن عدها بعضنا عدوا مؤقتا؛ نظرا لبعض التجاوزات العسكرية الإيرانية غير المبررة ضد دول الخليج، ولكنها تظل جارة دائمة ذات جذور تاريخية لا يمكن إلغاؤها، وهذا منطق عقلاني يدفعنا إلى البحث عن إبرة داخل قش السلام مع إيران. كذلك كشفت لنا مجريات الحرب أن إيران دولة ذات ثقل عسكري كبير استطاعت أن تعيد تشكيل معادلات القوة في منطقة الشرق الأوسط، وكانت سببا رئيسا في تقليص النفوذ الأمريكي وكشف قناعه. كذلك أفرزت كل هذه النتائج عن تبلور رؤية خليجية-إقليمية أعادت بواسطتها رسم مشروعات التحالف؛ فوفقا لما نشرته صحيفة «واشنطن بوست» أن هناك إجماعا من بعض دول الخليج بفقدانهم الثقة بالحليف الأمريكي، والسعي إلى فك الارتباط العسكري معه، والبحث عن مسار تحالفي جديد، وهذا ما يمكن أن نترجمه في تشكّل الحلف الثلاثي بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، والذي يُحتمل أن تدخل فيه قوى عربية أخرى على رأسها مصر، والأعجب من ذلك ورود ذكر إيران باعتبارها شريكا محتملا في هذا الحلف وفق الرواية الباكستانية -التي لا تعارض المشاركة الإيرانية- على لسان سفيرها في موسكو. وإن صح تحقق مسار هذا التحالف بزيادة أعداد الحلفاء فإننا أمام ولادة مشروع عسكري بديل للقوة الأمريكية، ولكن أيضا أرى أن هذا المشروع العسكري «الإسلامي» يتجاوز وصف «البديل» للقوة الأمريكية الآخذة في التقلص؛ ليكون مناوئا للمشروع الصهيوني، وهذا ما يعيدنا إلى حديثنا السابق عن اليقظة السياسية التي أحدثها السابع من أكتوبر وتبعاته اللاحقة. 

ندرك جميعنا أن ثمة تكهنات -معظمها ظنية- بشأن هدف هذا التحالف ومستقبله؛ فيذهب رأي أن هذا التحالف يستهدف مواجهة النفوذ الإيراني وتهديداته خصوصا بعد فشل أمريكا في حماية دول الخليج من الهجمات الإيرانية، وبالأحرى لم تستطع حماية قواعدها -الأمريكية- ومصالحها قبل كل شيء، ويشير رأي آخر إلى أن هدف التحالف يمتد إلى مسار أكبر يتعلق بمواجهة التهديد الإسرائيلي ومخططاته التوسيعية التي تهدد دولا عربية -بجانب لبنان وسوريا- مثل بعض دول الخليج ومصر ويشمل المخطط تركيا. وأميل شخصيا إلى الفرضية الثانية لأسباب منها أن تركيا وباكستان يقتربان بمصالح كثيرة مع إيران. وتتجه الرغبة الباكستانية -وإن كانت ليست بالمستوى الرسمي الكبير- إلى ضم إيران إلى هذا الحلف العسكري دون أن نسمع تعليقا أو معارضة من بقية الأطراف الحليفة. كذلك تشترك تركيا وباكستان والسعودية في اعتبار الكيان الصهيوني تهديدا لها ولمصالحها، وهناك مؤشرات لاحتمال مواجهة عسكرية بين الكيان الإسرائيلي وتركيا شرارتها الاستفزازات الإسرائيلية لتركيا -وآخرها القصف الإسرائيلي لمطار أبو الظهور السوري الذي كاد أن يقود إلى مواجهة مباشرة بين الكيان وتركيا وفق تصريح لـ«توم براك» المبعوث الأمريكي إلى سوريا- عبر تهديد المصالح والنفوذ التركي في سوريا. 

بجانب ما أشرنا إليها من أحداث سياسية وإرهاصاتها التي نراها مقدمات لصورة الشرق الأوسط القادمة وولادة نموذجها السياسي-العسكري الجديد؛ فنشهد في المقابل جنونا صهيونيا غاشما لم يكتفِ بجرائمه وانتهاكاته في غزة وعموم فلسطين وجنوب لبنان وجنوب سوريا؛ فأظهر جرأة لم نعهدها من قبل بهجومه العسكري على قطر وإيران وتهديداته المستمرة لتركيا، ولا غبار في قول إن الكيان الإسرائيلي وراء هذا الصراع الإقليمي الشامل الذي امتد ليخنق الاقتصاد العالمي وحركة موارده، وهذا ما أكد عليه الرئيس التركي «أردوغان» في لقائه الأخير مع قناة الجزيرة. نأمل أن نواصل مسار اليقظة والاستعداد، وأن نغير في إستراتيجيات تحالفاتنا؛ فنغادر ما يضرنا منها، ونتجه إلى تحالفات أكثر فائدة. وأرجو أن نبدأ صفحة جديدة بداية من نبذ الخلافات فيما بين جميع الدول العربية والإسلامية؛ فنبحث عن نقاط الالتقاء، وهي كثيرة. 

هذا ما نرجوه -ونحن نرقب بداية إعادة التشكّل- أن يلتف هذا التشكّل «الشرق الأوسطي» الجديد إلى معالجة تحدياته الراهنة والقادمة، وأن ينطلق في بناء نموذجه العسكري والاقتصادي الواحد على غرار نماذج عالمية مثل الاتحاد الأوروبي. لا يمكن أن أغفل عن القيمة الكبيرة التي يمكن لدول -ذات إرث تاريخي ومقدرات بشرية وإستراتيجية- أن تضيفها مع رؤية تحالفية أكبر مثل سلطنة عُمان التي لا يختلف عليها اثنان في عمق تاريخها وحنكتها الدبلوماسية وعلاقاتها المتينة مع دول كبرى في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا ومصر والجزائر، وموقعها الجغرافي الذي يشكّل نافذة عربية مفتوحة للعالم، ومصر بعراقة تاريخها وكفاحها ومقدراتها البشرية والعسكرية، والجزائر وما تحمله من تاريخ مشرّف وعقيدة مقاومة وثروات بشرية وطبيعية. رغم أن تركيزنا في هذا المقال ينصب على الشرق ومستقبله، ولكن أرى أن الشرق الأوسط بحاجة إلى أن يلتقي مع حلفاء -، ولو كان بعضهم خارج جغرافية الشرق الأوسط- يشتركون معه في المصالح والرؤية. 

نظل على أمل أن نرى صورة مشرقة جديدة للشرق الأوسط، ومع ذلك لا يمكننا أن نستعجل مشهد اكتمال هذا المسار الذي نتمنى تحققه باتجاه يصب في مصلحة منطقة الشرق الأوسط وردع المخططات الصهيونية وعبثها؛ فما زلنا في بداية الطريق، ولم ينتهِ الصراع بعد، وإن كانت صورته القادمة أوشكت على الوضوح، ولكننا نحتاج إلى مزيد من الصبر والتأني في متابعة هذه التحديات وخوضها بكل حذر؛ فنتوقع من الخصم الصهيوني كل شيء يفسد بواسطته أي مسار يهدد مشروع أحلامه. 

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني