أفكار وآراء

التحالف البحري السعودي الجديد نذير للولايات المتحدة

ترجمة: أحمد شافعي 

أطلقت المملكة العربية السعودية رسميا تحالفا بحريا مؤلفا من خمسة عشر بلدا في الثالث عشر من أغسطس الجاري، بما يعد أحدث تحول في الشرق الأوسط نحو أطر أمنية ذات قيادة إقليمية. وفي حين أنه لا يحتمل أن يمنع هذا التحالف الدفاعي البحري متعدد الجنسيات تماما حركة الحوثيين في اليمن (التي تعرف بأنصار الله) من إعاقة الملاحة في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، فإنه يمثل لحظة محورية للمنطقة التي تمر بتحولات جيوسياسة كبيرة. والجانب الأهم في هذا التطور بسيط، وهو أن المنطقة، وليس الولايات المتحدة، هي التي سوف تتولى المسؤولية الأساسية عن أمنها. 

لقد ظهرت أخبار التحالف البحري للمرة الأولى في أواخر يوليو. إذ أصدرت الرياض آنذاك بيانا يؤكد جهودها لإقامة المعاهدة في الثلاثين من يوليو. وكان الحوثيون قد أعلنوا حصار الملاحة السعودية في البحر الأحمر قبل أيام قليلة من ذلك، أي في الحادي والعشرين من يوليو ردا على استمرار المملكة في فرض حصار بري وبحري وجوي على الأراضي اليمنية الواقعة تحت سيطرتها. وقد استمر الحصار منذ أن دخلت المملكة العربية السعودية الحرب الأهلية اليمنية في عام 2015 قائدة لتحالف من الدول يناهض الحوثيين في قتالهم لحكومة اليمن المعترف بها دوليا، ويرمي إلى منعهم من السيطرة على البلد. 

مضت هذه الحرب على غير ما تروم المملكة العربية السعودية وحليفتها السابقة في الصراع، أي الإمارات العربية المتحدة، حيث كانتا تدعمان فصائل مختلفة، ولكنهما عجزتا عن طرد الحوثيين. وقد ساعدت هدنة عام 2022 غير الرسمية في الحفاظ على السلام بطول خطوط المواجهة، على الرغم من الاقتتال الداخلي بين الفصائل، ومع قيام الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بدفع السعودية إلى إخراج الإماراتيين بالقوة من اليمن مع تهميش وكلائهم المحليين أو التعاون معهم في أواخر 2025 ومطلع 2026. وقد أدى هذا التعزيز الحديث بجانب الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران و«محور المقاومة» التابع لها من جانب آخر، إلى المساعدة في تهيئة ظروف اليمن لتجدد القتال اليوم. 

قبل الهدنة وجه الحوثيون ضربات لدول عربية في الخليج ومنطقة غرب آسيا بصفة عامة، بعد تحسينهم قدراتهم تحسينا كبيرا في السنين الأخيرة بدعم من الحرس الثوري الإيراني، فقد سمح ذلك الدعم للحوثيين بضرب بنية الطاقة الأساسية وغيرها من الأهداف المدنية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأفضى في نهاية المطاف إلى الضربات الحوثية لإسرائيل انتقاما من حرب غزة. وتضمن ذلك الحدث الأخير ضربات للملاحة في البحر الأحمر، بما فرض ضغطا اقتصاديا على إسرائيل. وعند انضمامهم إلى ما كان قد أصبح بالفعل صراعا إقليميا في أواخر 2023، خطا الحوثيون خطوة كبيرة باعتبارهم لاعبا دوليا قادرا وعازما على المشاركة في صراعات خارج اليمن. 

وقد أدت عمليات عسكرية أمريكية تالية هدفها إضعاف الجماعة، ومنها عملية روج رايدر [Operation Rough Rider] في ما بين مارس ومايو 2026، إلى الإضرار بالجماعة لكنها فشلت في الحد كثيرا من قدراتها، وبدلا من ذلك قتلت وأصابت مئات اليمنيين المدنيين والمهاجرين من القرن الأفريقي. ومع ذلك لا يزال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتنعا أن هذه العملية قد لقنت الجماعة درسا مفاده: لا تتدخلوا في حروب الولايات المتحدة. 

والحق أن تلك اللحظة لقنت الحوثيين درسا مفاده أنهم قادرون على أن يستعملوا قدراتهم العسكرية في تعزيز مصالحهم في اليمن وخارجها، بل يجب عليهم أن يستعملوها. وفي هذا الصدد ترجو الجماعة أن تعزز موقفها الداخلي بصدها الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين دعما لإيران وحلفائها، وهي جهود من شأنها أن تصرف الأنظار عن المتاعب الاقتصادية التي تعتري المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة وتلهي عن عجزها عن الحكم فعال. وفي المقابل سوف تسعى إيران إلى توسيع دعمها للجماعة برغم أنها تواجه قيودا بسبب الحرب التي تخوضها من أجل البقاء في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. 

وفي هذا السياق أقامت المملكة العربية السعودية التحالف البحري بالتوازي مع التحالف العسكري الثلاثي مع تركيا وباكستان في الأسابيع الأخيرة. وكلاهما مهم بالنسبة للاعتبارات الأمنية الإقليمية الأوسع، وكلاهما يبرز التحولات المهمة في كيفية رؤية مسؤولي المنطقة لهيكل الأمن الأمريكي الراسخ في الشرق الأوسط. وقد كان هذا الهيكل لأمد بعيد يقايض الضمانات الأمنية الأمريكية باتفاقيات تفضيلية تتعلق بمنتجات الطاقة وبسوق طاقة عالمية مستقر بصفة عامة. 

يتمثل سبب هذا التحول في الصراع الإقليمي الذي يزيد قادة الشرق الأوسط تأكدا من حقيقة أن دول المنطقة وحدها هي القادرة على ضمان أمنها. ولقد كان هذا هو الرأي الصحيح دائما، لكن العزوف عن زعزعة ثبات المنطقة هو الذي أدى تاريخيا إلى عدم الأخذ بهذا الرأي. ومن المؤكد أن مبيعات الأسلحة الأمريكية وغيرها من الضمانات الرامية إلى إبقاء دول المنطقة ثابتة في مجال النفوذ الأمريكي قد أدت دورا مهما في إحباط أي جهد محلي في هذا الاتجاه. وكان تنافس القوى العالمي هو الدافع إلى اتباع هذا النهج؛ إذ رفضت واشنطن أن تتخلى عن أرض لمنافستيها بكين وموسكو. 

ومن المفارقات أن الإطار الأمني الأمريكي هو الذي عزز التحولات التي نشهدها اليوم؛ فطالما عانى الشرق الأوسط من التجاوز الأمريكي، حتى مع استعمال دول غرب آسيا للمخاطر الأخلاقية لضمانات واشنطن الأمنية في اتباع سياسات خطيرة ضد جيرانها على مدى عقود. والآن تجد هذه الدول نفسها عالقة وسط حرب إقليمية اختيارية تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ولم تطلبها هذا الدول ولا تريدها، ولا تبدو لها من نهاية في الأفق؛ إذ تنهمر الصواريخ والمسيرات الإيرانية على البنية الأساسية المهمة في هذه الدول؛ فالمفارقة صارخة. 

ولذلك لا ينبغي أن يثير تعديل الاستراتيجية دهشة أحد، بل يجب أن يكون بمنزلة الدرس للمسؤولين في واشنطن، ومفاد هذا الدرس أن دبلوماسية القوة العدوانية الصارخة والانتشار العسكري الهائل غير محدد الأجل لا تأتي إلا بعائدات متضائلة، وتعزز الهزائم الاستراتيجية. وعليه فإن هذه الحرب الإقليمية محض عرَض للاستراتيجية الأمريكية الفاشلة التي تدعمها. فالمملكة العربية السعودية وغيرها من دول المنطقة لا تزيد على أن تحلل الأوضاع، وتعمل بناء عليها. 

لقد كان انسحاب أمريكا العسكري من المنطقة لازما منذ عقود، لكنه لم يكن ينبغي أن يجري على هذا النحو الكارثي لكل من مصداقية الولايات المتحدة وللوفيات في عموم الشرق الأوسط. وفي حين أن دول الخليج لن تعرض عما قريب عن الولايات المتحدة بوصفها الشريك الأمني المفضل، فإن تخليها عن الاعتماد الكامل على واشنطن يجب أن يمثل درسا، ويتيح فرصة للتراجع في نهاية المطاف عن مغامرات الشرق الأوسط التي لا تؤدي عادة إلا إلى الموت والدمار والكوارث الاستراتيجية التي يتكبد ثمنها دافعو الضرائب الأمريكيون. ويجب أن يحدث ذلك بأسرع ما يمكن. 

 ألكسندر لانجلوا محلل السياسة الخارجية وكبير المحررين في (DAWN) وزميل مشارك في (Defense Priorities) 

 عن ذي ناشونال إنتريست