محاكمة تاريخية لشركة "ميتا" في الولايات المتحدة
الجمعة / 7 / ربيع الأول / 1448 هـ - 15:37 - الجمعة 21 أغسطس 2026 15:37
من المقرر إطلاق جزء آخر من فيلم 'شبكة التواصل الاجتماعي' الذي يتناول تأسيس مارك زوكربيرج لشركة فيسبوك (ميتا حاليا) في أوائل أكتوبر القادم. هذا الجزء الثاني الذي سيُعرض في دور السينما تحت اسم 'يوم الحساب الاجتماعي' يعالج دراميَّا دور المبلِّغين عن مخالفات في أوائل العشرية الثانية والذين زعموا إخفاء شركة وسائل التواصل الاجتماعية العملاقة 'ميتا ' أضرارَ منتجاتِها.
أولئك الذين لن يمكنهم الانتظار حتى موعد عرض الفيلم يمكنهم متابعة 'دراما' ليست أقل إثارة وحيوية تتعلق بمنصات فيسبوك وانستجرام وشركتهما الأم 'ميتا' في قاعة محكمة فيدرالية في أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأمريكية.
بدأت المرافعات الشفاهية في القضية يوم 18 أغسطس. وستكون هذه المحاكمة تاريخية سواء انتهت الى 'محاسبة' الشركة أم برَّأتها.
تقود ولايات كاليفورنيا وكولورادو وكنتاكي ونيوجيرسي مجموعة من 29 ولاية أمريكية تقاضي شركة 'ميتا' حول مزاعم بأن منصاتها طورت خصائص (عن عمد) بقصد دفع الأطفال الى إدمانها وأنها ضللت الناس بشأن أخطارها وأنها انتهكت خصوصية صغار السن.
وصف روب بونتا المدعي العام لولاية كاليفورنيا مقاضاة ميتا 'بلحظة التبغ'، مشبِّها التضليلَ المزعوم من جانب الشركة بذلك التضليل الذي قاد الى فرض غرامات ضخمة على شركات التبغ في تسعينيات القرن الماضي وأيضا على مصنًّعي المواد الافيونية وشركات الأدوية في هذا العقد.
في المرافعة الافتتاحية للقضية قالت ميغان أونيل وهي نائبة للمدعي العام في ولاية كاليفورنيا أن شركة ميتا صممت منصاتها 'لكي يعود الأطفال إليها باستمرار.'
تنكر 'ميتا' دائما أن منتجاتها مؤذية. ويقول فريقها القانوني أن مقارنتها بالتبغ 'غير لائقة البتة.' وسيسعى إلى البرهنة على أن منصتي فيسبوك وانستجرام أبعد من أن تكونا مثل السجائر. بل هما تفيدان صغار السن.
كما يشير الفريق إلي أن الشاكين يزايدون بقصد تحويل المحاكمة الى استفتاء على تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال في حين أن القضية في الحقيقة محصورة في مسائل قانونية محدودة.
ويتساءل فريق الدفاع لماذا تُستهدف ميتا بمفردها في حين يفوق استخدام صغار السن لمنصتي يوتيوب التي تملكها جوجل وتيك توك التابعة لشركة بايت دانس الصينية معدلَ استخدامهم لمنصة انستجرام.
الكثير على المحك. فالولايات الأربعة التي تلعب دور الشاكي في هذه القضية قدرت مبدئيا أن تصل الغرامات إلى 1.4 تريليون دولار إذا خسرت ميتا القضية. وذلك استنادا الى عدد المراهقين في مجموع سكانها والذين يستخدمون انستجرام وفيسبوك لأكثر من نصف ساعة في اليوم.
لكن يبدو أن ممثلي الادعاء العام في الولايات قلَّصوا لاحقا هذا الرقم إلى ما يقارب 200 بليون دولار. وهو ما يساوي كامل إيرادات شركة ميتا تقريبا في عام 2025. وإذا استُخدِم هذا الرقم كمعيار لباقي الولايات سيُدمِّر الشركة.
لكنه موضوعٌ آخر أن تصل الأمور الى ذلك الحد. واقع الحال، الدعوى ضد الشركة قائمة على حجج قوية. فقد جاء فيها أن ميتا لكي تعزز أرباحها استخدمت أساليب تهدف الى ربط الأطفال والمراهقين بمنصاتها مما أضر بصحتهم العقلية.
خلافا للمحاكمة التي جرت في لوس انجلوس في مارس وفُرض فيها على شركتي ميتا وجوجل دفع تعويضات لفتاة في سن العشرين تضررت من قضاء معظم حياتها على وسائل التواصل الاجتماعي لا تركز قضية أوكلاند الحالية على الإدمان.
بل بدلا عن ذلك تدور حول ما دعاه أحد ممثلي هيئات الادعاء العام في الولايات الشاكية 'أكبر قضية قانونية تتعلق بحماية المستهلك في التاريخ الأمريكي.'
يقول فينسنت جوراليمون، الخبير بمركز بيركلي للقانون والتقنية بجامعة كاليفورنيا، السؤال الكبير هو 'هل خدعت ميتا الناس أم لا ' بشأن تأثير منتجاتها؟ هذا يجعل قضيتها مماثلة لقضيتي التبغ والمواد الأفيونية. كما يعني أيضا، حسب تقدير جوراليمون، أن شهادة المبلغين عن المخالفات ستكون في الغالب أكثر أهمية من الجدل السيكولوجي الشائك حول الإدمان.
يقول جيل لوريا، المحلل ببنك الاستثمار دي أيه دافيدسون، يميل مستثمرو شركة ميتا الى الاعتقاد بأن عبء إثبات تهم الخداع ثقيلٌ جدا. (بمعنى أن إثباتها بواسطة الادعاء أمرٌ بالغ الصعوبة من الناحية القانونية – المترجم.)
أثّرت مخاطر مقاضاة 'ميتا' على تقييمها، قياسا بمعدل سعر سهمها الى العوائد والذي هو أقل من معدلات شركات التقنية الكبرى النظيرة لها. لكن ما يقلق حملة أسهمها أكثر احتمالُ أن يسعى الادعاء إلى إلزام الشركة بإجراء تغييرات تصحيحية وليس الخشية من إلزامها بدفع تعويضات ضخمة، حسب لوريا.
يشمل مثل هذا الإلزام تغييراتٍ في الخصائص التي تستخدمها ميتا وجوجل وتيك توك للحفاظ على مستوى مرتفع من تفاعل المستخدمين مع منصاتها مثل التمرير اللانهائي والذي يعني تحميل محتويات ومنشورات جديدة باستمرار. (القصد من خاصية التمرير اللانهائي عرضُ أكبر عدد من الإعلانات وبالتالي تعظيم أرباح الشركة المعنيّة. وهذا يتطلب تدبير استمرار المستخدمين في تصفح المنصات دون إحساس بمرور الوقت، أو بعبارة أخرى إدمانها - المترجم).
يقول لوريا ' إذا لم تكن لدينا خاصية التمرير اللانهائي لما حصلنا على مثل العدد الكبير من الإعلانات.'
حتى إذا خسرت ميتا القضية سيكون لديها مجال للاستئناف. فهي يمكنها على سبيل المثال القيام بذلك على أساس أنها محمية بموجب المادة 230 من قانون الاتصالات. وهي المادة التي تعفي المنصات من المسئولية القانونية عن المحتوى الذي يُنشر بواسطة أطراف ثالثة.
سعت الشركة الى استخدام هذه الحجة لوقف محاكمة أوكلاند الحالية قبل اختتام مرافعتها. لكن القاضي قرر أن الاستئناف سابق لأوانه.
يشعر الناس في أمريكا بقلق من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال. وقد لا تساعد جرجرة شركة ميتا عبر المحاكم في الحفاظ على صورتها لدى الآباء. لكن هنالك مقاومة أيضا. فمساعي بعض الولايات لتقييد استخدام صغار السن لوسائل التواصل الاجتماعي تصطدم بمعارضة من دعاة حرية الكلام أو التعبير.
في استراليا واجه قانون يحظر على من هم دون 16 عاما امتلاك حسابات على منصات التواصل الاجتماعي تحدياتٍ واعتراضات بما في ذلك من المراهقين أنفسهم.
في الحقيقة، يمكن أن يكون للأحكام التي تصدرها المحاكم تأثير أقل مما توحي به عناوين الأخبار الكبيرة التي تقترن بها. فبعد موافقة صناعة التبغ على سداد أكثر من 200 بليون دولار على مدى 25 عاما في تسوية قانونية معها عام 1998 تمكنت شركاتها من البقاء جزئيا بتحويل مبيعاتها العالمية الى أسواق أخرى أقل تشددا.
يعتقد ماثيو لورانس أستاذ القانون بجامعة ايموري أن مثل هذه التسويات كان لها 'تاريخ مخيب للآمال' في الولايات المتحدة. يشرح ذلك بقوله يمكننا التخفيف من أضرار الصناعات التي تستغل الإدمان. لكننا لم نحقق بعد نجاحا عظيما في إيجاد وسائل للقضاء على أضرارها.