ترجمة

كيف يقوّض الاستفزاز السياسي الديمقراطية الأمريكية؟

روبرت غولوتي - تشاوتيان لو

 

تأمّل نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مؤخرًا في أن فضيحة ووترغيت، لو وقعت اليوم، لما استغرقت أكثر من 12 ساعة في دورة الأخبار. فهل كان يتباهى بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب قادرة على النجاة من فضائح كان من شأنها في الماضي أن تُسقط رئيسًا؟ أم كان يوجه طعنة إلى مؤسسة إعلامية باتت أضعف من أن تجعل أي اتهام يترسخ في الوعي العام؟ في الحالتين، وضع فانس، من حيث لا يقصد، يده على واحدة من أعمق نقاط ضعف الديمقراطية: فعندما يصبح من الممكن ردّ كل اتهام باعتباره حملة مطاردة حزبية، وتبرير كل تعليق يفتقر إلى وقار رجال الدولة بأنه «مجرد استفزاز»، تبدأ الرقابة الديمقراطية في التفكك.

في بحث جديد، نبني على جيل كامل من الدراسات التي تناولت التراجع الديمقراطي، لنبيّن أن خط الدفاع الأخير عن الديمقراطية ليس المعارضة، وإنما أنصار الحاكم نفسه. فهؤلاء هم الذين يتعين عليهم، في نهاية المطاف، الدفاع عن الديمقراطية؛ لأن جميع الآخرين يعارضون أصلًا من يتولى السلطة.

وتقدم الانتخابات الأخيرة في المجر مثالًا واضحًا على ذلك. فلم يخسر رئيس الوزراء السابق فيكتور أوربان لمجرد أن خصومه احتشدوا بقوة، وإنما لأن كثيرًا من ناخبيه تخلوا عنه، مانحين الفوز لحزب «تيسا» بزعامة بيتر ماغيار، وواضعين بذلك حدًا لحكمه غير الليبرالي.

والأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة. فلكي تُحمى الديمقراطية الأمريكية، لا بد أن يكون عدد كافٍ من الناخبين داخل ائتلاف ترامب «ماغا» مستعدين للتخلي عن رئيس يفضلونه، من أجل الحفاظ على نظام يقدّرونه.

لكن ذلك مطلب بالغ الصعوبة؛ لأن هؤلاء الناخبين لا يشاهدون التراجع الديمقراطي بصورة مباشرة. ما يرونه، بدلًا من ذلك، هو تحقيقات واتهامات جنائية وخبراء يدقون ناقوس الخطر وجلسات استماع في الكونغرس. ومن وجهة نظرهم، قد يكون من الصعب التمييز بين رئيس تحاصره صحافة معادية ورئيس يقوّض الديمقراطية فعلًا.

وهذه النقطة العمياء تحديدًا هي ما يجعل ولع ترامب بالاستفزاز أمرًا بالغ الأثر. فقد يبدو أسلوبه الاستعراضي الصاخب، ونبرته الساخرة، وإشاراته المبطنة المستمرة مجرد سمات شخصية، لكنها في الواقع تخلق ذلك القدر من الغموض الذي يجعل الرقابة الديمقراطية شديدة الصعوبة.

ووفق إطارنا التحليلي، يستطيع السياسي دائمًا أن يسلك ما نسميه «المسار المنضبط»: أي أن يتصرف بطريقة لا تترك مجالًا واسعًا للالتباس، وأن يتخلى عن المكاسب قصيرة الأجل التي يحققها إبقاء الجميع في حالة تخمين دائم.

أما ترامب فيفعل العكس تمامًا، تاركًا لجمهوره أن يقرر ما إذا كان جادًا أم لا. ويعود هذا التكتيك إلى حملته الرئاسية الأولى، حين قلل من شأن تصريحاته الفجة في تسجيل «أكسس هوليوود» الشهير بوصفها «حديث غرف تبديل الملابس»، ولا يزال يستخدم الأسلوب نفسه اليوم، عندما يهدد بإبادة إيران، ثم يخرج مساعدوه ليطمئنوا الجمهور إلى أن كلامه لا ينبغي أن يؤخذ على محمل حرفي.

والغاية من هذا الأداء هي البرهنة، مرة بعد أخرى، على أن منتقدي ترامب يتعمدون تصوير سلوك غير مؤذٍ على أنه سوء تصرف خطير، ومن ثم لا يمكن الوثوق بهم عندما يدقون ناقوس الخطر.

وفي كل مرة ينجح فيها هذا الأداء، تصبح مهمة المنتقد أكثر صعوبة. فالمراقب الحريص -سواء كان محررًا صحفيًا أو مدعيًا عامًا أو جهة رقابية- يدرك أن التحذيرات تفقد قوتها إذا تكررت أكثر مما ينبغي. لذلك، يرفع المنتقدون المسؤولون سقف الأدلة المطلوبة، ويحجمون عن ملاحقة الحالات الملتبسة، ولا يدقون ناقوس الخطر إلا عندما تكون الأدلة في أقوى حالاتها.

والغاية من هذا التحفظ هي ضمان أن يصغي الناس عندما يحين وقت تحذيرهم بالفعل. لكن التحفظ لا يمثل حلًا؛ لأن الناخبين لا يقيمون الرئيس وحده؛ فهم يحكمون أيضًا على الذين يطلقون التحذيرات. وفي نموذجنا، يسهم كل انتقاد في تشكيل حكم الناخبين على سلوك الحاكم من جهة، وعلى دوافع منتقديه من جهة أخرى.

ويزيد التقاء «الأخبار الزائفة» مع الاستفزاز المتواصل هذه المشكلة تعقيدًا. فالحذر يعني إطلاق تحذيرات أقل، لكن قلة التحذيرات الصادرة عن منتقدين مسؤولين تعني أيضًا أن أي تحذير يصل إلى الجمهور سيكون على الأرجح صادرًا عن خصم حزبي متربص، ومن ثم يبدو بدرجة أكبر وكأنه جزء من حملة مطاردة سياسية. وهكذا ينتهي التحفظ -وهو الصفة ذاتها التي يُفترض أن تمنح النقد صدقيته- إلى تقويض هذه الصدقية، بحيث تنقلب مهنية المنتقدين نفسها ضدهم.

لم تكن السياسة الأمريكية تعمل دائمًا بهذه الطريقة. ففي يوليو 1973، وفي ذروة فضيحة ووترغيت، قال 17% فقط من الأمريكيين في استطلاعات الرأي إن الصحافة «لا تريد سوى النيل من» الرئيس ريتشارد نيكسون. ومع تراكم الأدلة، فقد نيكسون دعم كثير من ناخبيه، وانتهى به الأمر إلى الاستقالة بدلًا من مواجهة إجراءات العزل. هكذا ينبغي أن تعمل الرقابة الديمقراطية: يثق الناخبون بأن التحذيرات مبررة، ويحرص السياسيون على تجنب حتى مجرد شبهة سوء السلوك، بدلًا من الاحتماء بالغموض.

وعندما يكف الناخبون عن معاقبة هذا الغموض، يصبح لدى السياسيين كل الحوافز لاستغلاله. فالحاكم الذي يسعى إلى تقويض الديمقراطية يستطيع أن يغلّف السلوك المثير للشك بالسخرية والتهكم، متحديًا منتقديه أن يأخذوه على محمل الجد، ويجازفوا بأن يبدوا مثيرين للسخرية.

ومن هذه الزاوية، فإن فانس محق في أن ووترغيت، لو وقعت اليوم، لاحترقت قصتها في نصف يوم، ولكن ليس للسبب الذي يظنه. فالمشكلة ليست أن الصحافة أضعف مما ينبغي أو أكثر تحيزًا، وإنما أن السياسي الذي يتعمد جعل الغموض أسلوبًا في الحكم يستطيع أن يغيّر معنى النقد نفسه، فيصور التحذيرات المشروعة على أنها هستيريا حزبية.

ولا يعني ذلك أن على الناخبين تصديق كل اتهام، أو أن على الصحافة أن ترفع صوتها أكثر. وإنما الدرس هو أن هذا الاستعراض الصاخب ليس مجرد سمة شخصية، بل استراتيجية سياسية. ويحذر الشعار الشهير لصحيفة «واشنطن بوست» من أن «الديمقراطية تموت في الظلام». لكن بحثنا يشير إلى أمر أكثر إثارة للقلق: فعندما تصبح الرقابة نفسها موضع نزاع، يمكن للديمقراطية أن تموت تحت الأضواء.