إدارة "الاقتصاد المنزلي" .. نمط نحو حياة سعيدة
الخميس / 6 / ربيع الأول / 1448 هـ - 19:39 - الخميس 20 أغسطس 2026 19:39
هناك مقولة شهيرة للسياسي والأديب الأمريكي بنيامين فرانكلين: 'احذر من النفقات الصغيرة؛ فالتسريب البسيط قد يُغرق سفينة عظيمة' ومغزى هذا القول أن الإسراف في التفاصيل اليومية الصغيرة داخل المنزل يهدد استقرار الأسرة المالي تماماً كالمصروفات الكبيرة.
يشتكي الناس على مدى التاريخ من حالة الغلاء التي تتصاعد يوماً بعد آخر بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تعيشها الشعوب وتدور رحاها في طاحونة معقّدة تحقيق المتطلبات والقيام بالالتزامات.
نحن جميعاً نتأثر بما يدور حولنا في العالم، فمع كل أزمة عالمية تحدث 'هنا أو هناك'، تنعكس آثارها سلباً على حياة الناس في مختلف مستويات المعيشة، وبعض المشكلات التي تواجهها الدول والشعوب أصبحت ظاهرة عالمية حتى في الدول ذات مستوى الدخل المرتفع.
الله سبحانه وتعالى لم يخلق جميع البشر أغنياء أو لديهم كل أدوات الراحة التي تجعلهم ينعزلون عن العالم، ولا يعملون شيئاً سوى التمتع بما لديهم من ثروات، وإنما جعل الإنسان يتعب ويشقى من أجل أن يحقق لنفسه وعائلته الكفاف ويسد حاجاته دون كسل أو تراخٍ، وأيضاً يحافظ على ما لديه من نعم دون إسراف أو تبذير.
وأمام التحديات والصعوبات والأزمات المتتالية التي تجتاح دول العالم، اتجهت كبرى الجامعات والمؤسسات العلمية إلى إدراج مادة 'الاقتصاد المنزلي'، ومن خلالها أصبح لدى النشء الجديد فكرة واضحة بأهمية هذا العلم على اعتبار أنه يلامس حياة 'الأسرة والمستهلك معاً'، ويؤكد هذا المساق الدراسي على أهمية إكساب الإنسان على اختلاف موقعه في الحياة المهارات الضرورية التي تعينه على إدارة حياته اليومية والأسرية.
'الاقتصاد المنزلي' ليس مجرد عادة يومية أو سلوك فردي، وإنما في نظري ظاهرة عامة يجب أن ترسخ مبادئها وأهميتها من خلال اتباع الطرق 'الرشيدة' في التعايش مع الأزمات، والوقوف عند نقطة التوازن الحقيقي في كيفية التعامل مع الظروف وتيسير الأمور بشكل مناسب وصحيح.
من الملاحظ في الآونة الأخيرة، كثرة الضغوطات التي تتعرض لها الكثير من العائلات بسبب المطالب اليومية والجد في الحصول على الرفاهية على حساب أشياء أخرى، فبعض الأسر تصرف أموالاً كبيرة في الحصول على 'الكماليات' دون النظر إلى الأولويات، وهذا غالباً ما يكبّل عائل الأسرة بـ'الديون' ويدخله في مشكلات مختلفة، أحياناً لا تظهر عواقب سياساته إلا بعد حين!
أما الذين يركزون في توفير 'الضروريات' فإنهم غالباً ما يكونون أكثر استقراراً وقناعة وحكمة في إدارة شؤونهم العائلية، فكما يقول الشاعر أبو ذؤيب الهذلي: 'وَالنَفسُ راغِبِةٌ إِذا رَغَّبتَها..فَإِذا تُرَدُّ إِلى قَليل تَقنَعُ'.
الإنسان بطبعه الفطري يتمنى ويطمح إلى الحصول على كل الأشياء دفعة واحدة، هذا ما أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف عندما قال: 'لو أن لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب'.
النفس البشرية تشتهي كل شيء دون وعي للعواقب في بعض الأحيان، لذلك لا تتعجب عندما ترى أو تسمع بأن أحوال بعض الناس قد تغيرت من حال إلى حال، وذلك بسبب عدم إحسانها التصرف في موارد رزقها أو المحافظة على مستواها، فأحياناً الإسراف على الملذات الدنيوية يكون طريقاً نحو ضياع الثروات ونهب القدرات، وأيضاً بعض الناس يحمّل نفسه ما لا طاقة له بها رغم أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز في سورة البقرة: 'لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ'.
لهذا كان الاتزان في الإنفاق ضرورة ملحة للتخلص من ضغوطات الحياة، فالإنسان الرشيد هو من يعرف قدر استطاعته ومدى تحمله المسؤولية حتى لا يقع في بطن المعاناة، وكم من أشخاص تدمرت حياتهم بسبب عدم قدرتهم على التعامل بحكمة بما لديهم من موارد مالية.
لذلك أرى بأن الوعي التام بـ'الاقتصاد المنزلي وفن إدارته' يعد ساحة أمان واستقرار للأسر بمختلف مستوياتها المعيشية، ومن الضروري جداً على رب الأسرة وحتى أفرادها تحقيق بعض المعادلات الصعبة أحياناً والمهمة أحياناً أخرى، ومن ضمنها عدم الإسراف أو التبذير بما لديهم من مدخرات حتى لا يصل الحال بهم إلى ما لا تحمد عاقبته.