إشراقات

فتاوى يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

ما الفرق بين اسم الله سبحانه وتعالى الخالق واسم البارئ؟

أهل العلم اختلفوا اختلافا واسعا في بيان الفوارق بين اسم الله تعالى الخالق واسمه سبحانه البارئ، وذلك لأن الاسمين الكريمين وردا في آية واحدة من سورة الحشر: «الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ» ومن أجل ذلك ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الأسماء بينها تفاوت فيما تدل عليه من أوصاف الجلال والجمال التي يوصف بها ربنا تبارك وتعالى، وأطالوا النفس في ذلك.

وخلاصة ما تطمئن إليه النفس أن الخالق هو الموجد؛ فربنا تبارك وتعالى وصف نفسه بأنه خالق؛ لأنه أوجد السماوات والأرض، وأوجد كل ما في هذا الكون بعد أن لم يكن، فالخالق هو الموجد المكوِّن من عدم، وهو أيضًا المكوِّن لما يمكن أن يكون على مثال سابق، فهو سبحانه خالق ولم يزل خالقا.

وأما البارئ، فإن أقرب معانيه أنه من الفعل برأ، وبرأ تأتي بمعنى التصويب والتدقيق، فيقال: برى القوس وبرى القلم، بمعنى أنه أحكم صنعته، فسلِمت من العيوب. والسلامة من العيوب معنى ملحوظ في جذر هذه الكلمة، ولذلك يقال: برئ المريض إذا زالت علته وسلم منها، وسلم من العلل أو مما يمكن أن يكون قد اعتراه.

فهذا المعنى ملحوظ في اسم البارئ، فإذا وصف به رب العزة والجلال، فإن المقصود هو تمييز ما أوجده سبحانه وتعالى بكونه من غير نقص ولا خلل. فربنا تبارك وتعالى يقول: «مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ»، أي: ما ترى من اضطراب فيما كوَّنه وخلقه سبحانه وتعالى.

فهذه الآية الكريمة من سورة الملك تدل على أن ما كوَّنه رب العزة والجلال من أمر السماوات والأرض لا يرى فيه شيء من القصور أو التناقض أو الخلل، وهذا هو معنى أن يوصف جل وعلا بأنه البارئ؛ أي إنه أوجد ما خلقه على أحسن مثال وأدقه، وأوجده سالما خاليا من الاضطراب والتناقض والقصور والنقص.

ويشهد لهذا المعنى أيضا قول الله تبارك وتعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا»، وقوله سبحانه: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»، وقد ذهب إلى هذا المعنى من حذاق المفسرين العلامة الزمخشري في الكشاف، وهو من جملة الأقوال التي ذكرها أيضا الإمام الرازي، وذكرها الإمام الغزالي في شرحه لأسماء الله الحسنى، وإن كان الغزالي والرازي لم يرجحا هذا المعنى، لكن الزمخشري رجحه، وكذلك فعل الشيخ قطب الأئمة الشيخ أطفيش في كتابه في الأسماء الحسنى.

وهو معنى ينفي الإشكال؛ لأن كثيرا مما ذكره المفسرون وأطالوا فيه النفس لا طائل من ورائه، فقد دفعتهم رغبتهم في التمييز بين الخالق والبارئ إلى حصر معنى الخالق في التقدير، ويقصدون بذلك أن يقدر المولى تبارك وتعالى ما يريد خلقه، وما يريد إيجاده، على الكيفية التي يريدها، وبما يريد أن يوجده منه، ولا يلزم من ذلك الإيجاد.

وهذا لا يستقيم فيما وصف الله تبارك وتعالى به نفسه؛ لأننا إذا نظرنا في الآيات الكريمة وجدنا أن الله تعالى وصف نفسه بالخلق، ووصف خلقه بالإتقان فيما كوَّنه وأنشأه وابتدأه سبحانه وتعالى، وعلى هذا، فإن إيجاد الشيء خاليا من النقص والعيوب، لا اضطراب فيه ولا خلل، هو معنى البارئ، وأما إيجاده على الصورة التي يريدها تبارك وتعالى فهو معنى المصور؛ لأن الآية الكريمة جمعت بين ثلاثة أسماء: الخالق، والبارئ، والمصور.

وقد ورد اسم المصور في مواضع أخرى، كقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ»؛ فالتصوير يتجه إلى الهيئة التي يجعلها سبحانه لما كوَّنه وخلقه وأوجده، وفيه معنى توجيه الشيء إلى الصورة التي أرادها المولى الخالق الكريم سبحانه وتعالى، كما أن الصورة مأخوذة أيضا من معنى الجعل والتكوين على هيئة ظاهرة معينة مخصوصة، فاجتماع هذه الأسماء الحسنى في هذه الآية الكريمة يؤخذ منه أن معانيها متفاوتة، وأن بعضها أخص من بعض؛ فـالمصور أخص من البارئ، والبارئ أخص من الخالق، وأوسعها جميعا الخالق سبحانه وتعالى، لأنه الموجد المكوِّن.

وأما البارئ فهو وصف يتعلق بإيجاد الخلق على وجه الإتقان والسلامة من النقص، ولذلك ورد أيضًا في سنة رسول الله في حديث الاستعاذات قوله: «ومن شر ما خلق وذرأ وبرأ»، وكان مما يؤثر من يمين الإمام علي كرم الله وجهه أنه يقول: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة».

ولذلك يرى بعض أهل العلم أن برأ تتجه إلى المعاني الخفية اللطيفة في خلق الإنسان، وفي خلق ما كوَّنه الله تبارك وتعالى في السماوات والأرض، وأنها -على ما ذكره بعضهم- لا تصدق إلا على الحيوان من الإنسان وما يدب في الأرض، دون الجمادات، ولذلك قال: برأ النسمة؛ لأن فيها حياة، وهي تحتاج إلى لطف ودقة وإتقان على خلاف غيرها من الجمادات.

وهذه المعاني كلها تدور حول المعنى المتقدم، فمعنى البرء والبراءة وبرأ كلها تدور حول السلامة من الخلل والعيوب، ولذلك يقال: برئ فلان من دعوى فلان، أي سلم مما ادعي عليه، ويقال: فلان ساحته بريئة، أي هو سالم من النقص أو التثريب الذي وُجه إليه، وكل هذه المعاني اللغوية يستفاد منها في فهم ما ورد في كتاب الله عز وجل، لنعرف معنى هذا الاسم الجليل من الأسماء الحسنى، وهو ما تقدم، وإن تفاوتت عبارات أهل العلم في بيانه، إلا أنها لا تخرج عن هذه المعاني، والله تعالى أعلم.

هل كل ما يوضع في المسجد يتحول إلى وقف، أم يشترط فيه النية؟

لا، ليس كذلك، إذا جعل لغرض أن يكون لذلك المسجد، لا على جهة الإعارة، فنعم، يصبح وقفا على ذلك المسجد، ولهذا أيضا نظير، إذا كان المسجد في حاجة إلى ما يصان به، يذكر فقهاؤنا الجذوع والأخشاب، فأتى الناس ليلا وتركوا هذه الأشياء، والقرائن تدل على أنهم أرادوها لذلك المسجد، ولكن ليست عليها علامة، فوسع الفقهاء وقالوا: يعتد بفعلهم هذا، مع أنهم مجهولون، قالوا: لأنهم يريدون إخفاء صدقاتهم، لكن إحضارهم لها ووضعها في المسجد يدل على أنهم أرادوها لذلك المسجد، فتكون وقفا للمسجد.

هنا مسألة مشابهة، ولكن تتعلق بالمجلس، يقول السائل: مجلس عام ضمن مرافق الجامع يؤجر للمناسبات، هل يجوز صرف مبلغ الإيجار لكل ما في داخل محيط سور الجامع من زراعة، ومواقف، ومدرسة، وصيانة للمجلس نفسه، وأجرة عمال التنظيف، وهدايا الطلبة، أم أن هذه المبالغ تكون محصورة لشؤون الجامع وصيانته وتطوير خدماته فقط.

مرد ذلك إلى ما قصدوه من إنشاء هذا المجلس: هل ليكون مصدر دخل، أو ليكون وقفا؟ فإن قصدوا به أن يكون لعموم هذه المرافق الموجودة في الجامع، فذلك واسع، وإن قصدوا أن يكون حصرا للمسجد، فهذا يعني أنه لما فيه صيانته وإصلاحه وما تحتاج إليه عمارته.

وهذه المسألة تذاكرناها في عدة مناسبات، ولذلك فإن ما كان من أوقاف قديمة للمساجد، فإن المقصود أن تكون لعمارتها وصيانتها وإصلاح ما تلف منها، أما ما ينشأ حديثا، فينبغي أن يقصد المؤسسون به عموم هذه المرافق التي يعلمون أن المسجد سيحتاج إليها، وأن تفعيل رسالته في المجتمع يحتاج إلى موارد مالية، من حلقات علم، ومحاضرات، ودروس، ومن القائمين على المساجد، فليوسعوا عندما ينشئون هذه الأوقاف، وليوسعوا الأوعية التي ستجعل فيها هذه الأموال، ولا حرج عليهم فيما يتصل بالمسجد ورسالته، فذلك واسع، والله تعالى أعلم.

السائلة تقول: أجاهد نفسي على الاستقامة، وأحضر حلقات القرآن، وأسعى لحفظه، لكنني أعاني من تذبذب حالي بين الإقبال والفتور، وعندي خوف شديد من أن أكون منافقة، وأخشى أن يكون حفظي للقرآن الكريم حجة علي، خاصة وأنني أقصر أحيانا في العمل به بسبب غلبة النفس والشيطان، كما أن علاقتي مع أهلي سطحية، رغم التزامي بعدم القطيعة؟

أولاً بارك الله فيها، ونسأل الله تبارك وتعالى لها الهدى والرشد والثبات، وبعد ذلك، فإن ما بثته في سؤالها هذا يكشف عن نفس راغبة في الخير، نافرة من خصال النفاق والرياء والسوء، وهذه خصلة حميدة، أن يفتش المرء عن عيوب نفسه، وأن يلتمس الدواء لهذه العيوب، وأن يتطلب العلاج لأمراض قلبه، فهذا أمر محمود، وقليل من الناس يفعله اليوم، للأسف الشديد.

والواجب أن يفتش كل واحد منا عن عيوب نفسه، وأن يسعى إلى إصلاحها، وأن يكون حريصا دائما على تزكيتها وتنقيتها من الشوائب، وأن يبحث في حنايا هذه النفس عن الشوائب التي علقت بها من غلواء هذه الحياة الدنيا، وزخارفها، وأهوائها، وشهواتها، ومن جهله، ومن غفلته، ومما يصرفه عن الله تبارك وتعالى وعن الصراط المستقيم.

لكن عليها أن تحذر من طريق أخرى من طرق الشيطان التي ينفذ بها إلى هذه النفس، وهو أن يصيبها بشيء من اليأس، أو القنوط، أو أن يوهمها أن تترك العمل بدعوى النفاق فيه، أو عدم الإخلاص، أو بدعوى عدم الجدوى، أو بتخويفها من المآلات، فهذه كلها من وساوس الشيطان.

فعليها أن تترك هذه الوساوس، وأن تتنبه إلى مداخل الشيطان، فإنه قد يقعد بها عن السير على الصراط المستقيم بمثل هذه الأوهام، أوهام أنها ليست في الدرجة المطلوبة من الإخلاص، أو أن القرآن الكريم كما قالت سيكون حجة عليها، هذا إنما يبثه الشيطان؛ لأجل منع المسلم عن الخير، وصده عن الإقبال على كتاب الله عز وجل، وعن الصالحات.

فإن هذا الدين الذي أكرمنا الله تبارك وتعالى به لم يخاطب به الكمل، الخالين من الأخطاء، البراء من العيوب، وإنما خاطب به عباده المقصرين، حاشا الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، فابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، وكلنا مقصرون، وإنما علينا أن نجتهد في تلافي هذا التقصير، وأن نمضي في طريق التكثير من الخير، والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى، وعدم الالتفات إلى هذه الوساوس والأوهام.

وأن نستعين بالله تبارك وتعالى في كل خطوة نخطوها، وأن نتوكل عليه، وأن نفوضه جل وعلا في أمورنا كلها، وأن نسند إليه الفضل، وأن نكون حامدين شاكرين له جل وعلا، وأن ننفي عن أنفسنا هذه الأوهام والوساوس؛ لأن الله تبارك وتعالى يكتب لنا الأجر في طلبنا للعلم، وفي ذكرنا له جل وعلا، وفي مقاومتنا لوساوس الشيطان، وفي استعانتنا به تبارك وتعالى ليمنع عنا هذه الوساوس، وفي لجوئنا وضراعتنا إليه.

ولا تلتفت إلى هذه المثبطات، بل تمضي إلى ما يرضي ربها، وستجد نفسها بإذن الله عز وجل، أن الله تبارك وتعالى يكتب لها الخير والبركة، وأنه يورثها مزيداً من الاستمساك بحبله المتين، ومن الإقبال على صنوف الطاعات، وأنواع الصالحات، والله تعالى الموفق.

كيف يحسب مبلغ التطهير من عوائد الاستثمار في الأسهم؟ وهل نسبة التطهير في العائد صحيحة؟

إذا أظهرت الجهة المعنية، أو الشركة، أو الجهة التي شاب نشاطها شيء من المخالفات الشرعية، النسبة، فإنه يضرب هذه النسبة في العائد، أما إذا لم تظهر النسبة، فعليه هو أن يقوم بذلك، لكن بما أن النسبة كما يقول في سؤاله قد أظهرت، فكل ما عليه أن يضرب هذه النسبة لمعرفة المقدار من العائد الذي له، ويخرج ذلك المقدار في وجوه الفقراء والمساكين تخلصا.

أما من باب استيعاب المسألة، فإن كانت النسبة لم تعلن، وإنما أعلنت نسبة السهم، ففي هذه الحالة عليه هو أن يحسبها من خلال بياناتهم، فيحسب كم تمثل هذه العوائد المشبوهة من مجمل العوائد، ثم بعد ذلك يقوم بهذه العملية.

طفلٌ رضع من امرأة ليست أمه، فهل يكون جميع أبناء تلك المرأة إخوته من الرضاعة، أم يكون أخا فقط لمن رضع معه؟ وما الحكم إذا كانت تلك المرأة قد أرضعته دون إذن زوجها؟

تقدم التبيين والتفقيه في هذه المسألة؛ لأن آثارها خطيرة إذا لم تُفهم جيدا، فالطفل الذي ترضعه امرأة يصير ولدا لها من الرضاع، وعلى هذا فإن جميع أولاد تلك المرأة يكونون إخوته وأخواته من الرضاع، سواء تقدموا عليه أو تأخروا عنه في الولادة، بل إن أولاد زوج المرأة التي أرضعت هذا الصبي، ولو كانوا من زوجة أخرى، فإنهم يكونون أيضا إخوته وأخواته من الرضاع؛ لأن اللبن للفحل.

وعلى هذا يجب الانتباه إلى هذه القضية، فإن آثار الرضاع تترتب سواء كان الرضاع بإذن زوج المرأة أم بغير إذنه، فلا فرق بين الحالين فيما يتعلق بأحكام الرضاع؛ إذ يصبح هذا الرضيع ابنًا لهذه الأسرة، فتكون المرأة أمًّا له من الرضاع، ويكون أولادها إخوته وأخواته، وكذلك أولاد الزوج، وتكون أخوات المرأة التي أرضعته خالاتٍ له من الرضاع، وتتفرع على ذلك سائر أحكام الرضاع.

أما ما يتعلق بكونها أرضعته من غير استئذان زوجها، فهذا يُعد تقصيرا منها، إلا إذا كانت هناك ضرورة دعت إلى إنقاذ طفل رضيع محتاج إلى اللبن، فسارعَت امرأة إلى إرضاعه، فهي مأجورة، ولا تحتاج في مثل هذه الصورة إلى إذن، وكذلك إذا وقع ذلك على سبيل الخطأ فلا لوم عليها، أما إذا تعمدت إرضاعه من غير ضرورة ولا إذن فقد أخطأت، ولكن هذا لا يمنع من ترتب آثار الرضاع عليه، والله تعالى أعلم.