أحلام أطفال المسرح الشعبيّ في مخيّم الأمعريّ: "خوف الطّغاة من الأغنيات"
الخميس / 6 / ربيع الأول / 1448 هـ - 18:17 - الخميس 20 أغسطس 2026 18:17
في الطريق إلى المسرح الشعبيّ، في مخيّم الأمعري اللصيق بمدينتي البيرة ورام الله، وجدت نفسي أكرّر تساؤلي في كلّ مرة أرتاده، حول سرّ وجود مسرح في مخيم يعاني دومًا من نقص «الخدمات والمؤن»، علمًا أن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل وتعليم اللاجئين الفلسطينيين 'الأونروا' قد تكفّلت بذلك منذ تأسيسها عام 1949.
صحيح أن الوكالة الدولية اهتمت بالتعليم، كوسيلة لتأمين الدخل من خلال تأمين وظيفة، لكنها لم يكن في بالها، ولا في بال آخرين من حكومات ومؤسسات، أنه سيأتي يوم بعد بناء المخيّم، تكون فيه الخيام منطلقات إبداعية في الأدب والفن. لقد كان الهدف هو تأمين الحدّ الأدنى من الطعام والماء والسكن في الخيام والتعليم البسيط، لكن المفارقة المدهشة والصادمة تمثّلت في قَلْب اللاجئين لهرم ماسلو المعروف بتأمين حاجات البشر، حيث وضعوا الثقافة والفكر في أعلى الهرم.
دقائق، وإذا بي على مدخل المسرح الشعبيّ، حيث يلعب بعض الأطفال الذين دومًا بذكائهم لم ينسبوا أنفسهم للمخيّم، بل لقراهم ومدنهم الأصليّة، ما يجعلهم في مرمى الاحتلال الذي ظنّ بأن الكبار سيموتون والصغار سينسون، فكان أن ورث الجيل الجديد حلم العودة.
أصعد سلّم المسرح الشعبيّ الذي يستضيفه مخيّم الأمعري، وأنا في حالة من التفكير والتأمل؛ فإصرار اللاجئين والمقيمين على الثقافة أمر عجيب، وبخاصة في ظلّ ما نعانيه جميعًا هنا، بعد طرد الاحتلال لأهالي مخيمات جنين وطولكرم، والغزو المستمر لمخيمات الضفّة الغربيّة.
سنكون إذن جمهورًا من لاجئين ومقيمين نشاهد عرضًا مسرحيًّا يؤديه أطفال في عمر الزهور، هو «بناية الأحلام»، مضمونه التقاء أطفال غزيين تحت ركام إحدى العمارات التي دمّرها الاحتلال، حيث وجدوا أنفسهم أمام قدرهم، ما جعلهم يتمسكون بالإرادة، فيستطيع أحدهم فتح كوّة في الركام، لتطلّ منه الشمس والهواء، ليتبعه آخرون بحثًا عن الحريّة.
انسجمت نهاية العرض بالخلاص من العيش تحت الركام، والخروج إلى الحياة في عرض «بناية الأحلام»، التي أسعدت الجمهور المكوّن من الأطفال وأهاليهم، مع نهاية عرض الدمى «بير يا بنابير» المأخوذ عن حكاية شعبية، حين انتهت معاناة طفلة طيّبة تخلصت من الظلم والتمييز.
كان العرضان نتاج تدريب مسرحي لثلاثة أسابيع، تلقّى فيه الأطفال من المخيّم ومناطق أخرى تدريبات على الدراما، قدّمها المخرج الكبير فتحي عبد الرحمن، مؤسس المسرح الشعبيّ، حيث فاجأنا الأطفال الممثّلون بامتلاكهم مهارات فنية في فترة قصيرة. لفت انتباهي بشكل خاصّ إصغاء الأطفال لبعضهم بعضًا في العرض واندماجهم به، ففي الوقت الذي يتحدّث فيه الطفل الممثّل، يستمر الآخرون بالاندماج، فالتمثيل منظومة الأدوار نطقًا واستماعًا.
لقد تركت دورة الدراما الصيفيّة أثرها الفكريّ والسلوكيّ على الأطفال ما بين سنّ 10 إلى 14 عامًا، فقد انتبه الأهالي لذلك، بحيث زادت الجديّة والالتزام لديهم من جهة، ومن جهة أخرى وجد الأطفال في سحر الفنّ ما يساعدهم على التخلص مما يقلقهم ويجيب عن أسئلتهم الوجودية، ليس من خلال الوعظ المباشر، بل من خلال سحر الفنّ، ما يخلق لديهم في الوعي واللاوعي محاكاة الأفعال الإيجابية وعدم الاستسلام لليأس.
كان همّ وكالة الأونروا إيجاد عمل للاجئ حتى يكتفي بمصيره، فلا يتساءل تساؤلات لا وطنية ولا فكريّة، وبذلك يُسدل السّتار على هذه القضيّة، لكن إرادة اللاجئين كانت متجاوزة الطعام والشراب وظلّ خيمة لا تحمي من أشعة الشّمس ولا من مطر الشتاء.
لذلك، ففي الوقت الذي كنت دومًا أتساءل عن وجود نشاطات ثقافية وفنيّة في مخيمات اللاجئين في فلسطين وفي الشّتات، كان يتعمّق لديّ اهتمام اللاجئين الوجوديّ بالعودة إلى بلادهم التي هُجّروا منها قبل 78 عامًا. لذلك لم يكن مفاجئًا توظيف اللاجئين والفلسطينيين بشكل عام للأدب والفن لفكرة العودة، لذلك، فقد استمرّ الاحتلال بغزو المخيمات وصولًا إلى تدمير جزء كبير منها في الشّتات وفي قطاع غزة، وطرد اللاجئين من مخيمات جنين وطولكرم، أما الجريمة فهي إصرار اللاجئين على العودة إلى قراهم ومدنهم، تلك التي هُجّروا منها أطفالًا لمن هم فوق الـ78 عامًا، مع آبائهم وأمّهاتهم وأجدادهم وجدّاتهم.
تأسس مخيم الأمعري بعد عام على وقوع النكبة، أي عام 1949، وهو العام نفسه الذي تأسست فيه الوكالة الدوليّة الراعية للمقيمين فيه على أمل العودة. فعلى عشرات الدونمات تم حشْر اللاجئين القادمين من مدن اللد ويافا والرملة وقراها، حيث كانوا يعيشون ويمتلكون عشرات الآلاف من الدونمات.
تقفز إلى الذّهن قصيدة محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، التي كان من استحقاقها ظواهر وأفعال معيّنة، منها: ساعة الشمس في السجن، تلك الساعة التي يسمح بها السّجان لأسرى الحريّة برؤية الشمس والسماء من خلال سياج علويّ ذي مربعات حديديّة صغيرة. ومنها هتافات شعب لمن يصعدون إلى حتفهم باسمين، ما جعل الاحتلال يخاف من الأغنيات.
مسرح في مخيم، «عشب على حجر»، تلك عبقرية الإنسان الفلسطيني الذي يستطيع لا مجرّد البقاء، بل البقاء الإبداعيّ، بأقل قدر من الكلفة الماديّة.
سيفاجأ من يرى سلسلة عروض «المسرح الشعبيّ»، اجتراح طاقم المسرح الإبداع، الذي ينسجم مع استمرار البقاء على هذه الأرض؛ ففي ظل ما يفعله الاحتلال من تنفيذ لمخططات التهجير، فإن الفلسطينيين يبقون، لا مجرد البقاء على قيد الحياة العادية، بل هو البقاء الإبداعيّ.
أضاء الأطفال في عرضَي «بناية الأحلام» و«بير يا بنابير»، لا خشبة المسرح الشعبيّ فقط، بل الأمل الذي سنظلّ مسكونين به كما قال المسرحيّ العربيّ سعد الله ونّوس. نحن فعلًا مسكونون به، وما أفعالنا إلا تجلٍّ لهذا الأمل؛ فليس للأطفال هنا وأهاليهم الفرحين بإبداعاتهم إلّا هذا الوطن.
Ytahseen2001@yahoo.com