ثقافة

قلق الأدباء من التأثر

 

هذه قضية كبيرة ومتجددة يعاني منها الكاتب في كل مكان، وقد تسببت، كما يقول التاريخ الأدبي، بإعدام أفكار عشرات الأعمال الأدبية العظيمة من قبل أصحابها بسبب وسواس التأثر بأعمال عظيمة سابقة.

(في كل نص لكاتب في العالم يعيش كتّاب كثيرون يطلون برؤوسهم وابتسامتهم الساخرة من نصوصه، فيصاب بالرعب والقلق، والأصالة هي ليست أن تكون بلا تأثير، الأصالة هي أن تهضم تأثيراتك بحيث تصبح جزءًا من صوتك أنت، والكاتب لا يكتب وحده، في داخله كتّاب سبقوه).

هذا تلخيص لكتاب (قلق التأثر) للناقد الأمريكي هارولد بلوم، صدر عام 1973. في الكتاب الذي أحدث ضجة كبيرة في العالم، يتحدث (بلوم) عن نماذج أوروبية كثيرة حول هواجس التأثر، مثل الشاعرين الإنجليزيين وليام بليك وجون ميلتون، أيضًا بين الشاعرين كيتس وسبنسر، وبين وليم شكسبير والشعراء اللاحقين، وهارت كرين وت. إس. إليوت، وعشرات النماذج في أجناس أدبية مختلفة، ومن مناطق مختلفة في العالم، حتى فرويد نفسه ناقش بلوم إنجازه في ضوء عشرات الإنجازات لأسلافه في نفس المجال.


يبدو الموضوع ممتعًا من الخارج حين يقرؤه قارئ لا علاقة له بالكتابة والإبداع، ومثيرًا للتشويق، يبحث عن الطرافة والفضول، لكن بالنسبة للكاتب نفسه، هذا موضوع مؤرق ويسبب الصداع، وقد عانى منه العديد من أدباء العالم العربي.

أتذكر أن شاعرًا عربيًا نبّه محمود درويش في اللحظات الأخيرة حول أن عنوان قصيدة له (الطريق إلى أين)، الموجودة على ما أظن في كتابه الشعري (كزهر اللوز أو أبعد)، قريب إلى حد بعيد من فضاء عنوان كتاب شعري للعراقي العظيم سركون بولص، (الوصول إلى مدينة أين).

أصاب محمود درويش قلق كبير، واتصل فورًا بدار رياض الريس للكتب والنشر، وتم تغيير العنوان.


لكن هناك قصة غريبة حدثت لم يتناولها الإعلام الثقافي الأدبي، وأتوقع أن ترفّع صاحب القصة عن نقاش الموضوع هو سبب عدم تداولها. لازمة محمود درويش الشهيرة (من أنا لأقول لكم) في نصه العميق (لاعب النرد)، وهو آخر ما كتبه قبل الرحيل، هذه اللازمة موجودة في نص شعري لشاعر عربي معروف، وقد كُتبت قبل نص (لاعب النرد). اتصلت حينها شخصيًا بصاحب العبارة، وهو صديق لي، وسألته عن الموضوع، لكنه تهرب ولم يعترف بها، رغم أني قرأتها في نص شعري له، وظل يكرر بأدب وترفّع: محمود أستاذنا جميعًا، أستاذنا جميعًا.


وقد نُقل عن أحد أصدقاء غسان كنفاني، وهو الشاعر الفلسطيني المرحوم موسى صرداوي، أنه تعب نفسيًا وكاد يمرض وهو يقرأ مقالات عن تأثر روايته الشديد (ما تبقى لكم) برواية فوكنر (الصخب والعنف)، وأنه ظل في روايته اللاحقة ينقب بشكل هستيري عن أثر فوكنر وغيره في أعماله.


أما كتاب حسين البرغوثي الشهير (الضوء الأزرق) فقد تأثر برواية (طريق المحارب السلمي)، فباعترافه في آخر صفحات الضوء الأزرق، اعترف السارد الملهم حسين البرغوثي بتأثره الكبير برواية المحارب المسالم، وردد مقولة الأمريكي التي اتخذها منارة أو ثيمة لضوئه الأزرق: تعلمت من (محارب مسالم) أن أكون استثنائيًا في عالم عادي، وعاديًا في عالم استثنائي. ولم نعرف حتى الآن هل كان حسين قلقًا من هذا التأثر الواضح، أم أنه اعتبره تأثرًا عاديًا بنى بعيدًا عنه عمارة أدبية فلسفية خاصة بتجربته الشخصية؟
على صعيد تجربتي القصصية، عانيت كثيرًا من سيطرة لغة وفضاءات المبدع السردي الكبير إدوار الخراط، زرته في بيته بالمهندسين رفقة شعراء، واعترفت له بمعاناتي، طمأنني قائلًا: أنا مثلك عانيت من التأثر بشعراء إنجليز، لكني قتلتهم جميعًا، يومًا ما ستقتلني، لكن كن رحيمًا في الطريقة.

وقد حدث وقتلته، لكني حتى هذه اللحظة أظل أتفقد نصي بعد الكتابة لأطمئن أنه خالٍ من الخراط ولغته الرهيبة.. الأدب غابة كبيرة بأشجار ملتفة ببعضها البعض، مساحات الغابة الفارغة ضيقة جدًا، بطولة الكاتب المعاصر هي أن يحصل على بقعة فارغة من غابة ممتلئة بالمساحات المحجوزة. لا أتحدث عن الأفكار، فهي متشابهة في كل العالم، أتحدث عن أساليب الدخول، مقاربة هذه الأفكار.