ثقافة

هل يجد الكتاب طريقه لجذب الطفل؟

في زمن التحول الرقمي

 

لم تعد علاقة الطفل بالكتاب علاقة بسيطة بين طرفين كما كانت قبل سنوات قليلة مثلا، فاليوم لم يعد الكتاب يخاطب الطفل في فضاء منفصل عن العالم الرقمي السريع والجاذب فقد احتل هذا العالم تفاصيل يومه، وأعاد تشكيل عاداته في الانتباه والتلقي والخيال.


والحقيقة أن هذا الأمر هو ما يضعنا اليوم أمام تساؤلات عديدة تخص مستقبل ثقافة القراءة لدى الجيل الجديد، وفي هذا الاستطلاع يروي كتاب أدب الطفل كيف يواجهون هذا التحول في صناعة النص، بينما يكشف الأطفال أنفسهم عن طبيعة علاقتهم بالقراءة، وتتحدث الأسرة والمكتبة عن دورهما في إعادة الطفل إلى الكتاب.


أدب الطفل في مواجهة المحتوى الرقمي
يفتح كتاب أدب الطفل النقاش حول موقع الكتاب في ظل مواجهة عالم رقمي يزداد جاذبية وسرعة يوما تلو الآخر. فكيف تتغير مسؤولية الكاتب في زمن تتنافس فيه القصة مع الشاشة على انتباه الطفل؟ وما الذي يمنحه الكتاب ولا يقدر المحتوى الرقمي أن يعوضه؟
تشير د. وفاء الشامسي -كاتبة أدب الطفل ومدربة للكتابة الإبداعية- : حينما يتعلق الأمر بمسؤولية كاتب أدب الطفل في تشكيل وعي الطفل وثقافته مقابل تقديم قصة ممتعة إلى أنها لا ترى أن المتعة منفصلة عن بناء الوعي؛ فالقصة التي لا تُمتع الطفل لن تصل إليه أصلًا، لكن مسؤولية الكاتب تبدأ بعد جذب انتباهه.

إذ تقول 'الكاتب لا يقدّم للطفل حكاية عابرة، بل يشارك في تشكيل صورته عن نفسه، وعن الآخرين، وعن العالم من حوله'. وقد تكون القصة من أوائل المساحات التي يتعرف فيها الطفل إلى مفاهيم مثل الاختلاف، والعدالة، والانتماء، والشجاعة، وقبول الخطأ، وتحمل المسؤولية. ومسؤولية الكاتب هنا ليست أن يحوّل القصة إلى درس مباشر أو موعظة؛ لأن الطفل قارئ ذكي، ويشعر سريعًا بالنبرة التعليمية المصطنعة.

المطلوب أن يطرح الكاتب الأسئلة، ويهيئ مواقف تسمح للطفل بالتفكير والاستنتاج واتخاذ موقف، بدل أن يقدم له الإجابات جاهزة. وبحكم تخصصها في مناهج وطرائق تدريس اللغة العربية، وعملها المباشر مع الأطفال، تجد الشامسية أن النص الجيد هو الذي يوازن بين القيمة الأدبية والبعد التربوي؛ فيثري لغة الطفل، ويوسع خياله، وينمي قدرته على الفهم والتأمل والحوار، من دون أن يفقد عفويته وجماله. كما أن على الكاتب أن يكون واعيًا بما يقدمه من صور ثقافية واجتماعية، وبالرسائل غير المباشرة التي قد تحملها الشخصيات والأحداث؛ لأن الطفل لا يتأثر بما نقوله له صراحة فقط، بل بما يراه متكررًا وطبيعيًا داخل القصة.

وإذا كانت مسؤولية الكاتب تبدأ من وعيه العميق بمن يكتب له، فإن هذا الوعي يمتد أيضا على فهم موقع الكتاب مقابل المحتوى الرقمين وعن هذه العلاقة تذكر الشامسية أنها لا تعتقد أن العلاقة بين الكتاب والمحتوى الرقمي يجب أن تُفهم بوصفها صراعًا ينتهي بانتصار أحدهما؛ فلكل وسيط إمكاناته ووظيفته. لكن الكتاب يمنح الطفل تجربة مختلفة يصعب أن يوفرها المحتوى الرقمي بالصورة نفسها. فالكتاب يعلم الطفل التمهل. وعندما يقرأ، أو يستمع إلى من يقرأ له، فإنه يبني المشهد في ذهنه، ويتخيل أصوات الشخصيات وحركتها وملامحها.

أما كثير من أشكال المحتوى الرقمي فتقدم الصورة والصوت والحركة مكتملة، فلا تترك للخيال المساحة ذاتها. الكتاب لا يملأ كل الفراغات، ولذلك يدعو الطفل إلى المشاركة في صنع الحكاية داخل ذهنه. كما يمنحه قدرًا أكبر من التركيز والاستقرار بعيدًا عن الإشعارات والانتقال السريع بين المقاطع. ويتيح له أن يعود إلى الصفحة، ويتأمل صورة أو عبارة، ويطرح سؤالًا، ويقرأ النص بالسرعة التي تناسبه.

وهذه الممارسة تسهم في تنمية الانتباه، والثروة اللغوية، والفهم العميق، وهي قدرات يحتاج نموها إلى وقت وتكرار. وللكتاب أيضًا قيمة وجدانية وحسية؛ فالطفل يمسكه، ويختاره، ويحتفظ به، وقد يرتبط لديه بصوت الأم أو الأب أو المعلمة أثناء القراءة. لذلك لا تكون قراءة الكتاب مجرد تلقي للمعلومة، بل قد تصبح ذكرى وعلاقة وطقسًا أسريًا دافئًا. وهذه الألفة من أهم المداخل التي تجعل القراءة عادة ممتدة، لا نشاطًا مدرسيًا مؤقتًا.


أما أحمد الراشدي -الباحث في أدب الطفل-، فيرى أن مسؤولية الكاتب تبدأ من الوعي باحتياجات الطفل في كل مرحلة عمرية واختيار المحتوى واللغة بما يتناسب مع الفئة المستهدفة. وبالتالي هو ما يسهل عليه تحقيق الأهداف التربوية واللغوية من القصة.

بالإضافة إلى ضرورة التدريب والتمرين والصقل والقراءة الدائمة في أدب الطفل العالمي فهذا يجعل تقنيات الكاتب حكيمة وفنية في كتابة محتوى مشوق للفئة المستهدفة. كما يلفت الانتباه إلى دور النشر التي يختارها الكاتب لنشر قصته فحين تكون دار النشر على وعي فني عالٍ بجودة الكتاب من ناحية اختيار الرسام وبراعة الرسومات والورق والغلاف وملاءمة طباعة الكتاب للفئة المستهدفة، يكون ذلك عاملا جاذبا وقويا لاقتناء الطفل للكتاب وتعزيز حب القراءة فيه، فيرفع ذلك الكتاب من وعيه وسلوكه وثقافته. وكم من عظماء حكوا أن كتابا في طفولتهم كان منعطفا في حياتهم ومهّد لهم لاكتشاف مواهبهم وميولهم ومستقبلهم.


يلفت الراشدي إلى أن على الكاتب أن يكون واعيا بالتطورات التي تحدث في حياة الطفل من حيث استخدامه للأجهزة والهاتف ومعايشته لها وبراعته الكبيرة المدهشة في التعامل معها وانجذابه لرياضة الألعاب الإلكترونية ومسايرته لآخر نسخة منها وافتتانه بها ودخول عالم الذكاء الاصطناعي الذي يسابق الكاتب وأحيانا يتفوق عليه.

ومتابعة ما يحدث في عالم النشر للأطفال عالميا ليس ما ينشر ورقيا فقط، بل عبر المحتوى الرقمي والتقني. فالوعي بهذا الأمر يساعد الكاتب أن يطور أدواته ويسهل عليه بذكاء كيف يقدم محتوى ورقيا ورقيما مناسبا للطفل ويجذبه ويكون وسيلة ساحرة لإمتاعه ورفع وعيه في الحياة، وألا يشيطن الكاتب على الطفل العالم الرقمي وإنما يساعده على تقبله والتعامل معه بحكمة ومصلحة.


لماذا يقرأ الطفل اليوم؟
بعد الاطلاع على رأي كاتبي الطفل، يأتي صوت الطفل نفسه ليكشف عن طبيعة علاقته بالشاشة والكتاب، ماذا يجد في القراءة؟ ما الذي يجعله يختارها رغم جاذبية المحتوى الرقمي، إذ يكشف الأطفال ما تتركه القراءة من أثر في لغتهم ودراستهم وطريقة تفكيرهم.


يرى محمد الفارسي، طفل بعمر 13 عاما هاوٍ للقراءة، أن القراءة تمنحه هدوءًا لا يجده في صخب الهاتف، وتتيح له السفر بين عوالم خيالية وصنع تفاصيل الشخصيات بحرية، دون أن تفرض عليه الشاشة صورا جاهزة، واصفا القراءة بأنها هوايته المفضلة، التي تنمي عقله وتفكيره وتوسع مداركه.


ويشير الفارسي إلى أن تشجيع والده ودعمه له من الأسباب التي جعلته متمسكا بالقراءة، معتبرا أن الكتاب يبني داخله ثقافة حقيقية وعميقه، أما الهاتف بالنسبة إليه وسيلة ترفيه مؤقتة ومشتتة للانتباه غالبا.


ويرشح محمد لأصدقائه رواية 'لاعب الشطرنج' للكاتب شتيفان جفايغ، التي يقول إنها تعلمه كيف يمكن للعقل البشري مواجهة العزلة والظروف الصعبة، وأهمية الذكاء، والتخطيط، والصبر.


بينما ترى ميرة البلوشي، 12 عاما، هاوية للقراءة أن الأجهزة الإلكترونية ممتعة، لكنها تفضل قراءة الكتب، لأنها تنمي خيالها وتزير معرفتها، وتجعلها أكثر ثقافة، وتتفق مع محمد على أن ما يشجعها للقراءة هو قدرتها على تخيل الشخصيات.


وتذكر ميرة أن القراءة ساعدتها في حياتها ودراستها، إذ أصبحت تتحدث بشكل أفضل، وزادت حصيلتها اللغوية، وتفهم دروسها بشكل أفضل.


الأسرة مكتبة الطفل الأولى
إذا كان الطفل يعيش وسط منافسة مستمرة بين الكتابة والشاشة، فإن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي يمكن أن تجعل القراءة عادة يومية، لا يرتبط الأمر دائما بفرض وقت محدد للقراءة، بل يبدأ من سلوك الوالدين أنفسهم، ومن الصورة التي يقدمونها للطفل عن القراءة.


ويعتقد سلطان ثاني -ولي أمر- أن زمننا الحالي مليء بالمشتتات وأن القراءة في هذا الزمن تحتاج إلى مجاهدة، وأن تجربته مع أبنائه جعلته يفضل أن يكون قدوة لهم بدلا من تخصيص وقت يشعرون أنهم مجبرون عليه.


ويوضح أن فعل القراءة بطيء مقارنة بسهولة الحصول على المعلومة عبر المنصات الرقمية، إلا أن هذا البطء هو الذي يقود إلى الوصول إلى أعماق الفكرة. ويشير إلى أن المنصات الرقمية قد تعرض المعلومة، بينما ترتبط مهارات مثل البحث والتفكير بعادة القراءة.


ويصف القراءة بأنها فعل تأملي يعمل فيه العقل على بناء الصورة المكتملة لما يقرأه، ويربط القارئ بين ما يقرأه وما يراه في الواقع، معتبرًا أن القراءة من أعظم الأمور التي تصنع شخصية الإنسان.
أما التحدي الأكبر الذي يراه أمام الطفل، فهو أن تكون الأسرة نفسها غير قارئة، متسائلًا: كيف يمكن للطفل أن يقرأ إذا كان محيطه لا يوحي بذلك؟ ويضيف أن كثرة المشتتات تجعل الأطفال غير قادرين على التركيز لفترات طويلة، في حين تحتاج القراءة إلى وقت، والوصول إلى المعلومة من خلالها يتطلب البحث والإبحار في المخيلة والذاكرة المعرفية.


حين تتحول المكتبة إلى تجربة
وتتحدث كوثر المشايخي عن مبادرات مكتبة الأطفال العامة، إذ تحرص المكتبة على أن تكون القراءة تجربة ممتعة ومتجددة، وليست نشاطًا مرتبطًا بالواجبات المدرسية فقط. ولذلك تقدم بيئة جاذبة ومصممة خصيصًا للأطفال، تتيح لهم اختيار الكتب التي تناسب اهتماماتهم وأعمارهم، إلى جانب جلسات القراءة التفاعلية والحكواتي والأنشطة المصاحبة للقصص، التي تجعل الطفل يعيش أحداث الكتاب ويتفاعل معها.


كما تربط المكتبة القراءة بأنشطة إبداعية وعلمية وفنية، بحيث يقرأ الطفل أولًا ثم يطبق ما تعلمه عمليًا، مما يعزز ارتباطه بالكتاب ويشجعه على العودة إلى المكتبة باستمرار.


وفي ظل منافسة المحتوى الرقمي، تقدم المكتبة مجموعة من المبادرات التي تجمع بين القراءة والإبداع والتقنية، من بينها جلسات الحكواتي، وبرامج القراءة التفاعلية، والورش المستوحاة من الكتب، حيث تتحول القصة إلى تجربة عملية من خلال الفنون أو العلوم أو التجارب.


كما تستثمر المكتبة التكنولوجيا بوصفها وسيلة داعمة للقراءة وليس بديلًا عنها، من خلال ركن الابتكار الذي يضم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والطباعة ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى مشاريع لتحويل بعض الكتب إلى تجارب واقع افتراضي.


وتشير المكتبة إلى أن الإقبال على برامجها يشهد نموًا ملحوظًا عامًا بعد عام، وأن العديد من الأسر أصبحت تعتبر زيارة المكتبة جزءًا من أنشطتها الأسبوعية، فيما تكتمل مقاعد العديد من الورش والبرامج في وقت قصير بعد الإعلان عنها.


كما لم يعد حضور الأسرة يقتصر على مرافقة الطفل، بل أصبح كثير من أولياء الأمور شركاء في التجربة، ويحرصون على تشجيع أبنائهم على القراءة والمشاركة في الأنشطة، وهو ما يسهم في ترسيخ ثقافة القراءة داخل الأسرة.


أما التحدي الأكبر، بحسب المكتبة، فيتمثل في المنافسة مع المحتوى الرقمي السريع الذي يستحوذ على جزء كبير من وقت الأطفال وانتباههم. ولذلك تعمل باستمرار على تطوير برامجها وتجديد أساليب تقديم الكتاب، بما يجعله أكثر تفاعلية وقربًا من اهتمامات الجيل الحالي.


وتحرص المكتبة في الوقت نفسه على تحقيق التوازن بين التقنيات الحديثة والكتاب الورقي، وإقناع الطفل بأن القراءة ليست منافسًا للتكنولوجيا، بل وسيلة تمنحه الخيال والمعرفة والمهارات التي تساعده على الاستفادة من هذه التقنيات بصورة أفضل.


وترى المكتبة أن بناء عادة القراءة يحتاج إلى تكامل الجهود بين المكتبة والأسرة والمدرسة لضمان استمرارية هذا الأثر.