ثقافة

نصوص سردية تبحر في عوالم الذات والمكان عبر "عين الطائر على القصة القصيرة"

ضمن الجلسة الثامنة في النادي الثقافي

 

ناقشت الجلسة الثامنة من جلسات «عين الطائر على القصة القصيرة في عُمان» التي أقامها النادي الثقافي مساء أمس تجارب أربعة من كتاب القصة القصيرة العُمانيين، وهم عبدالله خليفة عبدالله، وسلطان العزري، وسالم الغيلاني، وحسين العبري، عبر قراءة تستكشف تنوع تجاربهم السردية وتعدد موضوعاتهم وأدواتهم وأساليبهم الكتابية، وإبحارا في عوالم الذات العمانية والمكان العماني ومعنى الأشياء والروائح وتفاصيل يشكلها النص السردي.


بدأت الجلسة بقراءة نماذج قصصية لكل قاص، حيث قرأ الكاتب عبدالله خليفة عبدالله نص 'الحصن' من مجموعته القصصية الأخيرة 'في الزاوية المعتمة'، وقدم حسني مليطات بعدها تعقيبا على النص قال فيه: 'إن قصة 'الحصن' مماثلة لباقي القصص في مجموعة 'في الزاوية المعدمة' يحاول فيها الكاتب الجمع بين عناصر 'التذكر، الطفولة، والأم، والخوف'، ولعل فعل التذكر هو أكثر العناصر اهتماما، فلم أجد قصة عند عبدالله تقريبا تخلو من هذا الفعل الذي أعتبره طريقة من طرائق التعبير الكتابية التي تهدف إلى توثيق العلاقة بين العناصر الثلاث: الطفولة، والأم، والخوف، وجعل عبدالله خليفة بطله خائفا قلقا مذعورا من خلال جعله يعيش بين زمنين زمن الذكريات وزمن التذكر، واهتم في قصته بتفاصيل الزمن الأول 'زمن الذكريات' المستمد من المكان التاريخي، وهو الحصن الذي يمثل كما يسميه عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي المعروف مارك أوجر ضمن المكان الأنثروبلوجيا المرمز الذي يعرفنا على ذات البطل، الذات الخائفة القلقة التي ترى في رعبها وخوفها إحدى معالم الفصل بين ماضيها وحاضرها.


وأضاف: 'أرى أن ثيمة الخوف ثيمة مؤطرة للشكل السردي الفعلي للقصة، بل هي ثيمة منتجة للأسلوب الكتابي الخاص بعبدالله خليفة في هذه المجموعة تحديدا، حيث تحويل الأشياء إلى مادة مرعبة ومثيرة للخوف، فصوّر 'الحصن' بأن له فمًا عملاقا وجعله من الحياة الساكنة فيه ومن الخرافات المرتبطة بماضيه، وهي كلها وسائل لزرع الخوف في نفسية بطله، وأرى أن تحويل الخوف إلى حس متخيل يجعله رمزا استعاريا لتوصيف حالة شعورية ما؛ ليصبح تعبيرا عن انهمام الذات'.


المرأة التي تنتظر
كما قرأ سلطان العزري قصة 'المرأة التي تنتظر الدور'، ضمن مجموعته الجديدة 'رجل الترباح'، وعقّب على قصته مليطات فقال: 'يقتحم سلطان العزري عالما مختلفا ومرتبطا بالحياة الخاصة بالمرأة، عالما مجسدا في شخصيات مجردة، لم تظهر لها أسماء ولا هوية، يكتفى بها لوصف معالم أماكن أحداث القصة المركزة والاهتمام بتفاصيل الموضوع الاجتماعي الرئيس، الذي يتحدث فيه عن طبيعة العلاقة بين المرأة وزوجها بعد سنوات طويلة من الزواج، وحالة عشق ذاكراتية تراود ما نتج عنها من ذكريات عندما تشعر تلك المرأة بأنها مجرد هامش في حياة زوجها، فتتخذ من ذاكرتها وسيلة لنسيانه، وتستذكر حالة العشق لتأكيد ذلك النسيان، والحقيقة أرى أن القصة تحاول أن توظف ظواهر ذاكرية، حيث يجعل سلطان العزري من نسيان الاحتياط جزءا من تشكل الوعي الجمالي في ذات المرأة، التي وجدت نفسها تائهة بين واقعين، واقع الحياة اليومية الزوجية، وواقع الحياة المتخيلة السرمدية التي تبحث من خلالها عن فجوة لنسيان مؤقت للواقع'.


وعرج مليطات في تعيقبه إلى المجموعة قصصية أخرى لسلطان العزري وهي 'قبل أن نسقط في البحر' الصادرة ضمن سلسلة كتاب نزوى عام 2021، وأشار في حديثه إلى قصة 'خيل شنون' حيث قال: 'القصة تبحث عن الأصالة وتمجيد الذات من خلال خيل، هو في مخيلة الناس حيوان اعتباري له مكانته المرموقة، لكن العزري تجاوز هذا المعنى وانتقل إلى صورة أخرى، تصور حال الطبقات الاجتماعية البسيطة وطرائق تفكيرها وتعاملها مع الواقع الذي تعيشه'.


تفاصيل صغيرة بأسلوب مكثف متوتر
وسرد الكاتب سالم الغيلاني قصته 'النعل'، الذي قال بأنه آخر نص كتبه، والصادر ضمن مجموعته القصصية 'تفاصيل صغيرة'، وعقب مدير الجلسة على قصته بالإشارة إلى الأسلوب المكثّف الذي يغلب على معظم قصص الغيلاني، إضافة إلى عنصر التوتر الذي كان حاضرا في المجموعة.


وقال مليطات بأن القصة تمتاز باللغة السلسلة والمباشرة والشائقة جدا، وبأحداثها المتوترة والتي تشوق القارئ، وتجعله متنبها لمعرفة مجريات الأحداث التي ستحدث بعد كل مشهد. وأضاف: 'القصة يمكن تقسيم موضوعاتها إلى الرغبة والتملك والخيانة'.


وقرأ الكاتب الدكتور حسين العبري قصة 'لا يوجد مكان للحب في مسقط' من مجموعته 'نوافذ مغطية وأشياء أخرى'، وعقّب مليطات على لغة حسين العبري في مجموعته بأنها تمتاز بالهدور المطلق، ولكنه استعاد الانفعال حقيقة في الوصلات اللفظية بين الشخصيات، وأضاف: 'أثناء قرائتي لقصة 'الأعلى' والتي تلي قصة 'لا يوجد مكان للحب في مسقط'، وجدت الأسلوب الهادئ الموجود في معظم قصصه، ولكنه أسلوب معزز بلغة تقرير، وهو الزجر، ورفض لسلوكيات المخاطب، كما يوظف العبري ضمير المخاطب، وهو الضمير المختلف والمميز والأصعب على كتاب القصة والرواية' .


الحد الزمني لكتابة القصة القصيرة
وحول التوقف عن الكتابة لفترة زمنية لمعظم الكتّاب قال عبدالله خليفة عبدالله: 'ما لا يظهر في الصورة هو الكتابة، وما يظهر هو النشر، فربما نحن نكتب ولكن لا ننشر، وسواء كان قرارا ذاتيا بعدم النشر الآن أو بسبب الظرف غير المواتي، لأن صناعة النشر تتطلب أيضا مجتمعا قارئا، كما تتطلب صناعة النشر تداولا سريعا وعاليا سواء للفنون أو للآداب'.


فيما قال العزري حول الابتعاد عن كتابة القصة: 'أنا أعتقد أنه لا بد من الاهتمام المتخصص في القصة القصيرة، نحن نجد أنه اهتمام في السينما وفي الشعر وفي القصة وفي الرواية وفي الأدب بشكل عام، فهذا يحد من كونك متخصصا فقط في الكتابة القصصية'.


وقال الغيلاني: 'أنت تكتب الكثير ولكن من يقرأ لك القليل، فالكتابة لا تعطيك لا مردودا معنويا ولا مردودا ماديا، لأنها منهكة نوعا ما'.


بين السخرية والغموض
وفي سؤال العزري عن السخرية والغموض التي تجتمع في قصصه فقال: 'أعتقد أحيانا أن الكوميديا السوداء أو السرد القاعي الذي يلامس طبقات المجتمع، ولكن فيه روح سخرية عالية، ففي قصة 'خيل شنون' قتال الرمزية الموجودة في المجتمع، والخروج من الإطار والنطاق الموجود فيه، مع قدرتك على الخروج من السوداوية وتضفي على النص نوعا من الكوميديا السوداء، كما أنك من خلال أدواتك الكتابية لا بد من الاقتراب من القارئ والإمساك به ليقرأ بكل استمتاع، ويبقى شيء مما قرأه في ذاكرته'.


الخيبات في قصص الغيلاني
وحول دلالة الخيبات الشائعة جدا في معظم قصص الغيلاني قال: 'بصريح العبارة، القصة الوحيدة التي كنت أعرف نهايتها هي 'النعل' لأن النعل يبدو أن حكاية فيها جزء من الواقع أنا عايشتها سماعيا، ربما اختلفت النهاية فقط، أما باقي القصص فأنا أكتب دون أن أعرف الفكرة التي أريد كتابتها، هو شعور الرغبة فقط بالكتابة ما يدفعني للكتابة، والنهاية تأتي كما تأخذني إليها الكتابة بنفسها'.


تقاطع التكوين العلمي بالإبداعي
وتحدث الدكتور حسين العبري عن مدى التوافق أو التقاطع بين تكوينه العلمي في مجال الطب النفسي، وتكوينه الإبداعي، في إجابة عن سؤال تجسيد كتاباته الروائية والقصصية لهذا الجانب، قال حسين العبري: 'لا أعتقد أن هناك ارتباطا قويا ما بين العمل وتركيزي على بعض الأشياء في الحياة أثر على الكتابة، لكن نحن ننبع من الأشياء نفسها، فربما نتقاطى أحيانا وربما نبتعد أحيانا، فربما نحن نظن أحيانا أن هناك علاقة ما، ونغرز في القصة بعض الأشياء التي نقول (ليس هذا الذي أريده)، وهذه القصة خارجة عني لكنها ليست خارجة عنك'، ونفى الدكتور حسين أن الهدوء يسيطر عليه أثناء الكتابة.