قد تكون مثل هذه القضايا من المسائل الهامشيّة، وينظر إليها في أكثر من زاوية، وأننا لا نختلف عن أيّ عالم آخر، هناك من يحسن تصرّفها، لكن لا ينظر إليهم مع كثرة عددهم، وهناك من يسيء فتخرج عن طبيعتها الفرديّة أو الجزئيّة إلى قضيّة تشغل الرّأي العام، لنتحول إلى مجتمعات ملائكيّة غير قادرة على تعقّل قراءة مثل هذه الأحداث، خصوصا إذا اتّجه الرّأي العام في هذا الاتّجاه، أو وجدت طائفة معينة تقوده وتميل به إلى التّعميم.
هناك فارق كبير بين الشّعبويّة وبين التّدافع. الشّعبويّة بمعناها الاجتماعيّ الواسع كانت يمينيّة أو يساريّة تميل إلى التّعميم، وهي حالة أفقيّة موجودة منذ القدم، ساعدها حاليا في الظّهور التّطبيقات الرّقميّة، ووسائل التّواصل الاجتماعيّ.
ومع هذا لست - شخصيّا - ضدّ الشّعبويّة، إذا لم ترتبط بالسّلطة، أي هي من توجه السّلطة، فتستغلّ شعبويّتها في فرض عالم معيّن على عوالم مختلفة، أو تكون السّلطة رهين الشّعبويّة، أي هي الحالة الأضعف، وليست الحالة القارئة لمثل هذه القضايا من جميع زواياها.
بمعنى الأصل أن تقف السّلطة في القضايا الكبرى المتعلّقة بحقوق الإنسان وكرامته، وما يتعلّق بحقوقه كمواطن، لا أن تكون جزءا من الشّعبويّة، أو ردّات فعل لها.
أمّا التّدافع أي هناك خيط من التّعقّل في قراءة هذه الأحداث، لا أقصد بذلك البرج العاجي للنّخبة، المنعزلة عن قضاياها، والمعتدّة بذاتها. ما أرمي إليه وجود نخب تعقّل الحالة الشّعبويّة؛ هذه هي الحالة الصّحيّة، لهذا وجد في دول العالم اليوم مؤسّسات العمل المدنيّ، ومراكز البحوث المختلفة، غايتها نقل الشّعبويّة إلى حالة من التّعقّل، والّتي ترفد السّلطة أو تقوم برصدها وفق منهجيّة عقلانيّة ومنطقيّة، تجمع بين الواقع المعيش، والانتماءات الدّاخليّة المختلفة.
المتأمل في واقعنا الأفقيّ العمانيّ هناك تراجع كبير للنّخب القائمة على قراءة تدافع المرحلة، بجانب تمدّد أوسع للشّعبويّة، وهذه حالة على المدى البعيد ليست صحيّة. نقرأ هذا مؤخرا مع بعض أحداث خريف محافظة ظفار، إلى قضيّة الفنّ السّاخر، وأخيرا قضيّة (تيك توك). إذا عملنا مسحا أفقيّا نجد شبه غياب للنّخبة القارئة لهذه القضايا بعمق، ومن زوايا مختلفة ومنهجيّة.
هذه الأحداث الثّلاثة تحمل ثلاث قراءات: الصّحيّة والفنيّة والاجتماعيّة الرّقميّة، هناك ضعف في تقديم هذه القراءات، مقابل شعبويّة واسعة تريد أن تجعل المجتمع على صورة واحدة، لا يحمل رأيا مقابلا، أو صورا متناقضة بدون عوامل جامعة، مقابل ضعف منطق القراءة والتّفكير والتّعقّل.
إذا جئنا إلى برنامج (تيك توك) فيعود عالميّا إلى 2018م، فقد كان قبل ذلك صينيّا محلّيّا باسم Douyin، ثمّ أصبح صينيّا عالميّا. هو لا يختلف عن غيره من البرامج والتّقنيّات بشكل عام، هو يرتكز على الفيديوهات القصيرة، وقد حقّق البرنامج بذلك انتشارا واسعا، ليتبعه إنستجرام وفيسبوك ويوتيوب، ثمّ تنتشر أيضا في إكس وغيرها من البرامج.
كما ساد خاصيّة البث المفتوح. وهو قريب جدّا من الشّباب والمراهقين، ومقاطعه لا تعتمد فقط على المشترك في صفحة الّذي يقوم بالبثّ أو النّشر، بل إنّ خوارزميّاته تسهم في التّفاعل حسب اهتمامات الشّخوص، وبحثهم في جوانب معينة، لهذا هو سريع الانتشار.
الّذي يهمني من هذا كلّه أن ندرك أنّ (تيك توك) برنامج أو تطبيق لا يختلف عن غيره من البرامج والتّطبيقات، فجميع البرامج والتّطبيقات تعتمد على مَن ينشر فيها من جهة، وعلى كيفيّة استخدامها من جهة ثانيّة، فهذه البرامج برامج عامّة في جملتها، أي ليست مختصّة لعلاقات اجتماعيّة أو تعارفيّة أو معرفيّة معينة، يمكن إدراك سبب استخدامها.
وكونها تطبيقات عامّة لا يمكن أن نجعلها ضمن التّطبيقات السّلبيّة، فهي كأيّ أداة يمكن أن تستخدم بشكل جيّد، ويمكن أن تستخدم بشكل سلبيّ، هذا الأمر ذاته في جميع التّطبيقات.
لو وضعنا مثلا مقارنة بين تطبيقيّ تك توك وإكس، نجد إكس أكثر انفتاحا، ومساحته أكثر حريّة في نشر المقاطع والمنشورات السّلبيّة، لا مقارنة بينه وبين تك توك، هذا لا يعني أنّه لا يوجد فئة تحسن استخدام تطبيق إكس، أيضا لا يعني لا توجد فئات أخرى تستخدمه لأغراض شخصيّة وسلبيّة.
هذا الأمر طبيعيّ منذ بدايات طباعة الكتب ثمّ الصّحافة والإعلام والإذاعة، إلى الفضائيّات والمنتديات، جميعها وسائل وتطبيقات تعتمد على سؤال كيف نستطيع استخدامها بشكل إيجابيّ، وسؤال كيف نستثمرها بشكل إيجابيّ أيضا.
علينا أن ندرك أنّه من الطّبيعيّ أنّ هناك من يستخدمها بشكل إيجابيّ، وهناك من يستخدمها لغايات وأشكال أخرى قد تكون سلبيّة. نحن لا نعيش في واقع يختلف عن العالم، ولم نأت من كوكب مختلف، جميعنا بشر يحمل النّجدين.
سؤال الشّعبويّة في بعض أحداث هذه التّطبيقات عادة يتمحور في تمجيد الذّات، وتعميم الحالات الفرديّة، وخلق ضجيج في المجتمع، أمّا سؤال النّخبة فيتجه إلى عقلنة التّعامل معها، وتوجيهها بشكل إيجابيّ، يمكن استثماره في خدمة المجتمع والإنسان، من خلال خلق دراسات وقراءات منهجيّة، تعالج الموضوعات بشكل منطقيّ ومنهجيّ.
هنا يأتي سؤال السّلطة، كانت مؤسّسات رسميّة أم غيرها، هل يوجد فيها قراءات نخبويّة توجه الشّعبويّة بشكل إيجابيّ، أم تكون في كلّ مرة رهينة هذه الشّعبويّة. اتّجاهها إلى الشّعبويّة يجعلها في حالة متناقضة في قراراتها بين حين وآخر، ويجعلها في حالة ردّات فعل الشّعبويّة، وليس في حالة توجيهها بشكل معقلن وإيجابيّ، ويراعي الواقع وحركة المجتمع في جميع أطيافه وعوالمه.